page 1650, entry [325]Open original source
أمر أبي أيوب المورياني كاتب أمير المؤمنين المنصور المدائني قال: كان أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان المورياني، مولى بني سليم فيما يقال، في مجلس من مجالس ديوان يوسف بن عمر، فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق واليا عليها استعمل الفضل بن زهير الضبي على مناذر، فقال له أبو أيوب: أنا خليفتك بباب ابن هبيرة في حوائجك فلا تهتم بها واستوص بخالد أخي خيرا واحفظه وأرفقه، فوليها سنة. ثم وجّه ابن هبيرة رجلا من أهل الشام إلى مناذر عاملا عليها، فزور أبو أيوب إليه كتابا في ترك مناظرة الفضل بن زهير فيما جرى على يده والتخليه بينه وبين الانصراف، فاطلع ابن هبيرة على ذلك من فعل أبي أيوب فأمر بطلبه فهرب إلى سوق الأهواز، فاستخفى بها حتى قدم المسوّدة العراق فأتى أبو أيوب واسطا والحسن بن قحطبة محاصر لابن هبيرة والمنصور بعد بخراسان حين وجّهه أبو العباس إليها أول ما استخلف لتهنئة أبي مسلم وأخذ البيعة عليه، فلما قدم المنصور ووجّهه أبو العباس إلى واسط أتى أبو أيوب إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان كريما على المنصور، فسأله أن يضمه إلى أبيجعفر ليجعله كاتبه، فكلّمه فيه وأعلمه نفاذه، وأنه كان يقوم بديوان يوسف بن عمر، فلما رآه أعجب به فاستكتبه فغلب على الأمر في خلافته، فكان أول من أفسد حال أبي أيوب عند المنصور حمزة بن زنيم، وذلك أنه ولي الأهواز فعذب رجلا من أهلها في الخراج وكان كاتب البلد حتى قتله، فكلم المنصور أبو أيوب في أمره حتى عزله، فلما قدم ودخل على المنصور وكان خبيث اللسان قال: يا أمير المؤمنين إن لك بالأهواز شريكا في ملكك، قال: ومن هو ويلك؟ قال: خالد أخو أبي أيوب له بيت مال، ولك بيت مال فما يحمل إليك درهم إلا حمل إلى خالد مثله، فقال أبو أيوب: إن هذا قد اختلط، ومن اختلاطه قتله كاتب البلد، فقال: ما اختلطت ولكني صدقت فادفع إليّ خالدا حتى ادفع إليك خمسين الف الف درهم، فقال المنصور: قم، وقد وقر قوله في قلبه. ومكث المنصور حينا ثم قال لأبي أيوب: اكتب إلى أخيك خالد أن يحمل إلينا مالا من بيت ماله، فقال: يا أمير المؤمنين، ان ذاك بيت مال مشهور صيّره خالد للمهدي من ضياع استخرجها وابتاعها ومن أشياء كان العمال يرتفقون بها فرأى أن المهدي أحق بها، قال: فكم اجتمع فيه؟ قال: عشرون ألف ألف درهم، قال: فاكتب إليه أن يحملها، فحملت، وكفّ عن خالد أخي أبي أيوب. قال: وحسد مخلد بن خالد أبان بن صدقة، وكان أبان على أمر أبي أيوب كله وعلى الرسائل من قبله، فرفع عليه مائة ألف دينار، فأمر المنصور بأخذها من أبان، فأدخل بيتا وطيّن عليه بابه. ثم ندم مخلد بن خالد على رفيعته ولا مه عمّه أبو أيوب، فقال مخلد: أنا أؤدي عنه عشرة آلاف دينار، وقال أبو أيوب: وأنا أحمل عنه خمسين ألف دينار، فتوزعها آل أبي أيوب فيما بينهموأدوها وأخرجوا أبان بن صدقة من محبسه. فعاد أبان إلى أبي أيوب وفي نفسه ما فيها، فكان يأتي أبا أيوب نهاره ثم ينصرف إلى منزله، فإذا كان الليل صار إلى الربيع الحاجب فأطلعه على أخبار أبي أيوب وأسراره وكتبها له فيعرضها الربيع على المنصور، فيأمره المنصور أن يمنيّه ويعده، ففطن أبو أيوب أمر أبان فوبخه وقال: ويلك يرفع عليك مخلد فتقصد لقتلي، وأنت تعلم أني داويت الجرح الذي جرحكه مخلد بمالي حتى أصلحت شأنك، اذهب عني، قال: نعم والله يا أبا أيوب ثم لا أعود أبدا، وخرج حتى أتى الربيع وكاشف أبا أيوب. ومرض أبو أيوب فاستمكنوا منه، فأرسل المنصور ابنه صالحا المعروف بالمسكين إلى أبي أيوب يعوده التماسا لأن يصله، فأرسل أبو أيوب إلى خالد أخيه: ابعث إليّ بمائة ألف درهم لصالح، فلم يفعل، فانصرف صالح وقد أبطأ على المنصور فسأل عن سبب إبطائه فأخبر به، فبعث إلى خالد فأتي به فأمر بخنقه فخنق حتى بال، ثم أمر به فحبس، وطلب كل من عنده مال لأبي أيوب وأهل بيته، ومن كان منه بسبب، فتتبع التجار وغيرهم وحبس أبو أيوب في دار، ثم حمل إلى السجن وهو مريض فمات فيه. ويقال إن أخا السجّان كان مع خالدا أخي أبي أيوب بالأهواز فضربه ضربا مرض منه ومات، فوضع السجّان على وجه أبي أيوب مرفقة غمّه بها حتى مات، فلما مات أبو أيوب أخرج أخوه خالد من محبسه وهو مقيد على حمار حتى صلى عليه ودفن، ثم ردّ إلى الحبس واستودي آل أبي أيوب وعذّبوا، وخرج المنصور إلى الشام وقد استخلف المهدي بمدينة السّلام فأمره باستيداء آل أبي أيوب من كان له ولهم عنده مال وديعة، فسألوه أن يكفلهمويخرجوا فيضطربوا في المال فأجابهم المهدي إلى ذلك، وتوجه منارة مولى أمير المؤمنين إلى المنصور، فقال له أبو عبيد الله كاتب المهدي: احطب عليهم وقل لأمير المؤمنين إن مخلدا وغيره منهم يقولون إنك لا تعود إلى العراق ولا ترى فيه أبدا، فلما وصل منارة إلى المنصور سأله عنهم فأخبره بما فارق أبا عبيد الله على أن يقول للمنصور، فقال له: أما الرجوع فإني أرجو أن يكون سريعا إن شاء الله، وأما وجهي فلن يروه أبدا. وكتب إلى المهدي بخطه يعنّفه على الترفيه عن آل أبي أيوب، ويأمره أن يجمعهم فيقطع أيديهم وأرجلهم ويقتلهم، وختم الكتاب بخاتمه الذي كان في يده وكان نقشه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن»، فقتلوا وقطعت أيديهم وأرجلهم، ووضع رأس كل امرئ منهم إلى جثته ويداه ورجلاه على صدره على باب المدينة، ثم حملوا فدفنوا وقد أخذت أموالهم وضياعهم، وحيز عن أبي أيوب وحده ثمانية آلاف وقيل ثمانية عشر ألف جريب بالبصرة، وأخذت منهم أموال عظام بلغت مائة ألف ألف درهم. حدّثنا المدائني قال: دعا المنصور ذات يوم بأبي أيوب فامتقع لونه، فلما صار إليه ثم عاد إلى مجلسه قال له رجل كان يأنس به: إني رأيت بك منظرا غمّني، فقال له أبو أيوب: سأضرب لك مثلا؛ بلغني أنّ بازيا عاتب ديكا، فقال له: أنا طائر وحشي أوخذ من وكري فآنس بأصحابي حتى أصيد لهم وأحبس صيدي عليهم، وأنت تؤخذ بيضة فتحضن وتربّى على الأيدي وإذا رأيت انسانا نفرت، فقال: أما والله لو رأيت من البزاة في سفافيدهم (¬١) مثل ما رأيت من الديوك في التنانير لكنت أشد وحشة وروعةمنّي، فهذه قصّتي، ما صرت إليه قط فظننت أني أرجع إلى مجلسي، ومن كان من رجال السلطان ولم يكن هكذا فهو جاهل مغتر. وكان ابن المقفع كتب إلى أبي أيوب رسالة منه وعظه فيها، فقال في فصل منها: أذمّ إليك السلطان فإن إقباله تعب، واعراضه مذلّة، فكان يقول حين حبس: لله درّك يا بن المقفع. وحدثني الحرمازي، عن أبي عمرو الجاباني، قال: ولّى المنصور عقبة بن سلم الأزدي البحرين وعمان، فقتل سليمان بن حكيم العبدي وكان مخالفا، وأسر من أهل البحرين بشرا كثيرا، وحملهم إلى المنصور، فقطع عدة منهم ووهب باقيهم للمهدي فمنّ عليهم وكسى كل انسان منهم ثوبين هرويّين، وأعطاه دينارين. وكان أسد بن المرزبان صاحب المربّعة بقرب الجسر مع عقبة فكان كثير الخلاف عليه، وبلغه عنه أنه على الخلع، فكتب عقبة إلى المنصور بخبره فأمر بقتله، فولي ذلك منه أبو سويد صاحب المقبرة ببغداد عند باب الشام، ولما صار عقبة إلى مدينة السّلام قدم جماعة من الخوارج تريد الفتك به لقتله من قتل منهم، فكمن له بعضهم في الجسر، فلما مرّ به خرج عليه فوجأ بخنجر له رأسان فقتله وقتل، ويقال بل ألقى نفسه في الماء فغرق، فقال الناس: هو أجرأ من قاتل عقبة بن سلم. وكان عقبة يكنى أبا الملد، وهو الذي مدحه بشار بأرجوزته الدالية (¬١).