page 1641, entry [323]Open original source
أمر الراوندية ومعن بن زائدة حدثني أبو مسعود والعمري عن الهيثم وغيره، أن قوما من أصحاب أبي مسلم من أهل خراسان كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم ﵇ في عثمان بن نهيك، ويقولون إن أمير المؤمنين يرزقنا ويطعمنا ويسقينا فهو ربنا، وأنه لو شاء أن يسيّر الجبال لسارت، ولو أمرنا أن نستدبر القبلة لا ستدبرناها، وكانوا يطوفون حول قصر المنصور فيقولون قولا عظيما، فحبس المنصور منهم نحوا من مائتين من رؤسائهم، فغضب أصحابهم، وكان المنصور أمر أن لا يجتمعوا، فاتخذوا نعشا وأظهروا أن فيه امرأة ميتة، وملأوه سلاحا، ثم حملوه ومروا إلى باب السجن فأخرجوا أصحابهم وهم مائتان، وكانوا أربعمائة فتتاموا ستمائة، وقصدوا القصر فتنادى الناس وأغلقت أبواب المدينة. وخرج المنصور يمشي من القصر ولم يكن عنده دابّة، فمن ذلك اليوم ارتبط فرسا في القصر يكون معه، فلما برز أمير المؤمنين أتي بدابة فركبها وقصد قصدهم، فجاء معن بن زائدة الشيباني حتى دنا منه ثم ترجّل وأخذأسافل ثيابه فجعلها في منطقته، وأخذ بلجام دابة أمير المؤمنين، وقال: أنشدك الله إلاّ رجعت فإنّك تكفى إن شاء الله، ونودي في أهل السوق والعامة فرموهم بالحجارة وقاتلوهم وفتح باب المدينة فدخل الناس، وجاء خازم على فرس محذوف فحمل عليهم فكشفهم، وقاتل معن يومئذ قتالا لم ير مثله، فكان المنصور يقول: كنت اسمع انّ رجلا يقاتل ألفا فلم أصدق حتى رأيت معنا، فقتلوا عن آخرهم وهم ستمائة. ورمي عثمان بن نهيك بنشابة مرض منها فمات، فصار أبو العباس الطوسي على الحرس مكانه. وكان أمر الراوندية بالمدينة الهاشمية بالكوفة في سنة تسع وثلاثين ومائة أو في أول سنة أربعين، وجاء الربيع فأخذ بلجام دابة المنصور فقال له معن: تنحّ يا بني فليس هذا من أيامك، ولما صار المنصور إلى القصر دعا بالعشاء وأمسك يده حتى أتي بمعن، وأمر بعض أهل بيته فتزحزح له حتى جلس مكانه، فلما فرغوا من العشاء قال المنصور لعيسى بن علي: يا أبا العباس أسمعت بأسد الرجال، هو والله معن بن زائدة، فقال معن: والله ما قوّي منّتي إلاّ ما رأيت من شجاعتك ولقد وردت وجل القلب حتى أبصرتك، فقال: أخبرهم عني بما رأيت. وحدثني أبو الحسن المدائني قال: قال أبو جعفر المنصور لمعن بن زائدة: يا أبا الوليد لقد كبرت سنّك، قال: في طاعتك، قال: وإنّ فيك لبقية، قال: هي لك، قال: وإنك لتتجلّد، قال: على أعدائك. قال: وقال له: أني لأعدّك لأمر جسيم، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله قد أعدّ لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذا على أعدائك، قال: ويقال إن هذا قول جرير بن يزيد بن خالد.وحدثني العمري، حدثني الهيثم، قال: كان معن مع ابن هبيرة فاستأمن هو وطارق بن قدامة، فلما قتل ابن هبيرة كان معن بالكوفة قد وجّه ببشارة فتح واسط وصلح ابن هبيرة، فأقام في أهله فنجا وقتل طارق، ثم ظهر من مناصحة معن ما قدّم به على جميع القواد، فولاه المنصور مصر، وكان كاتبه محمد بن عبد الله بن المقفع، وكان جوادا حلوا ظريفا أتاه رجل بكتاب مزور لم يجفّ طينه، فقرأه ثم كلم فيه معنا فولاه ولاية سنيّة أفاد سنيّة أفاد فيها مالا، فلما انصرف أتى محمدا فقال له: أني أريد العراق، فأمر له بألف دينار، وقال له: إن كان من رأيك العودة إلينا فافعل، وإن كتب لك صديقنا إلينا كتابا فانتظر أن يجف طينه، ثم قال له: إن حسن ظنك والله بنا أعظم الوسائل لك عندنا، ومات محمد بمصر. وولي معن اليمن فاعطى عطايا لم يعط مثلها أحد، وقدم عليه أعرابي من بكر بن وائل فأنشده: أصلحك الله قلّ ما بيدي … فما أطيق العيال إذ كثروا ألجّ دهر انحى بكلكله … فأرسلوني اليك وانتظروا فقال: لا جرم، لأعجّلنّ أوبتك إليهم، يا غلام أعطه ألف دينار وناقتي الفلانية، ومدحه رجل فقال: أنت امرؤ همّك المعالي … وفيض معروفك الربيع وأنت من وائل صميم … كالقلب تحنو له الضلوع في كل يوم تزيد خيرا … يشيعه عنك ما يشيع فقال: لأصلنّك صلة شائعة الذكر، وأمر له بمائة ألف درهم. وحدثني العمري عن غير الهيثم، قال: كان معن يقول: لم أر كالشعر، لا يواتيني جيّده ولا يدعني رديّه.قال: ونظر معن الى الخطاب بن يزيد يخطر في دار المنصور، وكان قد وجّه إلى بعض الشّراة فهرب منهزما، فقال: هلاّ مشيت كذا غداة لقيتهم … وصبرت عند الموت يا خطاب نجّاك خوّار العنان كأنه … فوت الرماح إذا استحث عقاب وحدثني الحرمازي عن أبي اليقظان، قال: ولد لمعن: زرارة - وكان خليفته على اليمن - والوليد وشراحيل وجسّاس ويزيد - ويكنى أبا داود - ومزيد، وغيرهم فقال معن: لا تسألنّ أبا داود شبعته … عوّل على مزيد في الخبز واللبن وفي النبيذ اذا ما جزرة نحرت … فإنه بقرى الأضياف مرتهن وحدثني محمد بن حفص الكاتب عن خالد بن يزيد، أن معن بن زائدة قال: يحتاج الخطيب إلى تخليص المعاني وتلخيصها مع قلة حصر وجرأة على البشر، وقال: الصمت عن الكلام في موضعه عيّ يضع الشريف ويهجنّه. قال: وكان معن في دار المنصور فسقط حائط أو حدث أمر تقوّض الناس له، وكان يحدّث ورجل يستمع حديثه لم يقم عنه مع من قام، فلما انصرف إلى منزله وكّل بالرجل من أتاه به فأمر له بكسوة وألف دينار، وقال له: هذا لحسن استماعك حديثي وإيناسك إياي. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، قال: بعث معن إلى ابن عباس: بعني دينك بألف دينار، فبعث إليه: قد بعتك إياه إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ولو كانت من شأنك لسامحتك فيها. وولي معن سجستان للمنصور، فاندسّ له قوم من الخوارج مع قوم من الصنّاع كانوا يعملون فيداره ففتكوا به وهو يحتجم، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم يفلت منهم أحد، فرثاه الشعراء، وفيه يقول حسين بن مطير الأسدي في قصيدة له: ألا بكّ معنا ثم قل لدياره … سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن كنت أول بقعة … من الأرض حطّت للمكارم مضجعا ويا قبر معن حلّك الجود كله … وما ضمّ قبر قبلك الجود اجمعا ولما مضى معن مضى الجود كله … وأصبح عرنين المكارم اجدعا فتى عيش في معروفه بعد موته … كما عاد بعد السيل مجراه مرتعا وقد كان معن في المواقف غرّة … لآل نزار سامي الطرف أروعا ومدح شاعر الوليد بن معن، فقال: تعزّ أبا العباس بالصبر لا يكن … نصيبك من معن الندى ان تصعضعا فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي … له مثل ما أسدى أبوك وما سعى وما كان مسبوقا بوتر ولم يدع … إلى الغرض الأقصى من المجد منزعا وحدّثني العمري قال: كان بعض الأعراب يأتي معنا فيعطيه، ويغيب عنه فيبعث إليه بصلته، فأبطأت عليه صلته مرة فقدم من البادية فألفاه قد جاء نعيه، وأتى ولده فلم يجد عندهم ما أحب فوقف على مجلس هم فيه مجتمعون فقال: لله درك يا معن، رحمك الله أبا الوليد، إن كنت لمنته فخر عشيرتك وبدع الكرام في أهل دهرك، فلو كنت إذ متّ أبقيت لنا خلفا منك سليّتنا عنك ببعضك فكيف العزاء وقد ذهب كلّك، إنّا لله وإنا إليه راجعون، وانشأ يقول: يا معن كنت بداءة الكرم … وغنى المقلّ وطارد العدم فسطا عليك الدهر مقتدرا … بصوائب من صرفه غشموأراك لم تترك لنا خلفا … يأوي إلى فضل ولا كرم فعليك يا معن السّلام فما … أبقيت معتصما لمعتصم وأنشدني الفضل بن زياد من ولده لبعضهم: كانت سحائب معن الخير تمطرنا … فقد تولى فلا معن ولا مطر من للجفان إذا عزّ القرى رذما … وللطعان إذا ما استشعر الحصر وبلغني أن رجلا مدح معنا فقال: أتيتك اذ لم يبق غيرك جابر … ولا واهب يعطي اللهى والرغائبا فقال معن: يا أخا بني أسد ليس هذا بمديح انما المديح قول أخي بني تميم لمسمع بن مالك حين قال: قلّدته عرى الأمور نزار … قبل ان يهلك السّراة البحور