Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أمر أبي مسلم في خلافة المنصور

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1595, entry [315]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: أمر أبي مسلم في خلافة المنصور
page 1595, entry [315]Open original source
أمر أبي مسلم في خلافة المنصور حدّثني محمد بن عباد الكاتب، عن أزهر بن زهير، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم مستخفّا بمواليه، فإذا أتاه كتاب المنصور فقرأه لو شدقه ثم ألقاه إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيتضاحكان، ويبلغ أبا جعفر ذلك فيقول: إنا لنخاف من أبي مسلم أكثر مما كنا نخاف من حفص بن سليمان. قال: ولما فرغ أبو مسلم من محاربة عبد الله بن علي، وحوى عسكره وما فيه، بعث المنصور مرزوقا أبا الخصيب لإحصاء ذلك، فغضب أبو مسلم وقال: ما لأبي جعفر ولهذا، إنما له الخمس، فقال مرزوق: هذا مال أمير المؤمنين دون الناس، وليس سبيل هذا سبيل ما له منه الخمس، فشتمه وهمّ بقتله ثم أمسك. وحدّثنا عبد الله بن صالح - وذكره المدائني - قال: بعث المنصور يقطين بن موسى إلى أبي مسلم بعد هزيمة عبد الله بن علي ليحصي ما كان في عسكره، فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة، لا يكنّي، فقال يقطين: عجلت أيّها الأمير، إنما أمرني أن أحصي ما وجد في عسكر الناكثثم أسلمه إليك لتعمل فيه برأيك وتصنع به ما أردت، ويكون قد عرف مبلغه. فلما ورد يقطين على المنصور أعلمه ما قال وما قال هو له، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: «إني قد وليتك الشام ومصر، فهما أفضل من خراسان، ومنزلك بالشام أقرب إلى أمير المؤمنين فمتى أحببت لقاءه لقيته»، وأنفذ الكتاب إليه مع يقطين أيضا، فلما قرأه قال: أهو يوليني الشام ومصر مكان خراسان وخراسان لي؟ وعزم على إتيان خراسان، فنزل المنصور المدائن، وأخذ أبو مسلم، طريق حلوان، فقال المنصور: ربّ أمر لله دون حلوان، وأمر عمومته ومن حضر من بني هاشم أن يكتبوا إليه فيعظّموا عليه حق الطاعة ويحذروه سوء عواقب الغدر والتبديل والنكث ويسألوه الرجوع ويشيروا عليه به. وكتب إليه المنصور: «إني أردت مذاكرتك أشياء لم يحتملها الكتاب فأقبل فإن مقامك قبلي يسير»، فلم يلتفت إلى الكتاب، فبعث إليه جرير بن يزيد البجلي، وكان صديقا لأبي مسلم راجحا عنده، فلم يزل يمسح جوانبه، ويرفق به، ويعرّفه قبح ما ركب، وأن النعمة إنما دامت عليه بالطاعة، وقال له: إن أمر القوم لم يبلغ بك ما تكره، وإنما لك إن عصيتهم خراسان ولا تدري ما ينباق (¬١) عليك من شيعتهم من أهل خراسان ممّن ترى أنه معك، وإن أطعتهم فخراسان وغيرها من البلاد لك، فانصرف راجعا. وحدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير، وحدثني شيخ لنا أيضا، أن المنصور كتب إلى أبي مسلم كتابا لطيفا مع أبي حميد المروروذي وقال: إنأجاب إلى الانصراف وإلاّ فقل له، يقول لك أمير المؤمنين: نفيت من العباس لئن مضيت ولم تلقني لا وكلت أمرك إلى أحد سواي، ولو خضت إليك البحر الأخضر حتى أموت أو أقتلك. فلما قرأ الكتاب عزم على المضيّ لوجهه، فأدّى إليه أبو حميد الرسالة فكسرته وعزم على الانصراف إلى المنصور، وخلّف ثقله بحلوان وعليه مالك بن الهيثم وقال: لئن أمكنني قتله لأقتلنّه ثم لأبايعن من أحببت، وتمثل بعض من معه: ما للرجال مع القضاء محالة … ذهب القضاء بحيلة الأقوام وحدثني بعض ولد يقطين بن موسى قال: كان أبو مسلم آنس الناس بيقطين، فلما قدم الكوفة وهو يريد الحج قال له: يا يقطين بلغني أنه نشأ بالكوفة رجل يقال له جحا ظريف مليح، وأن أهلها عملوا بعدنا جوذابة (¬١) تنسب إلى رجل يكنى أبا جرير، فأطعمني من الجوذابة وأرني جحاكم، فاتّخذت جوذابات وأتي بها مع طعام كثير، فلما تغدى أبو مسلم قال: أرني الآن جحا هذا، فطلب حتى وجد وأتي به يقطين وأبو مسلم وهما في غرفة ليس فيها غيرهما، فأخذ بعضادة الباب ثم قال: يا يقطين، أيكم أبو مسلم؟ فضحك أبو مسلم وكلمه فاستملحه فوهب له خمسة آلاف درهم. قال: ثم شخص أبو مسلم إلى مكة، وقدم فمضى لمحاربة عبد الله بن علي، فلما هزمه بعث المنصور إليه يقطينا فكلمه بكلام شتم المنصور فيه لأنسه كان بيقطين، فأدّاه يقطين إلى المنصور، فكان أبو مسلم يقول والله لأقتلنّ يقطينا.قال: ولما قدم أبو مسلم على المنصور وهو بالروميّة التي عند المدائن أمر الناس بتلقيّه، وقام إليه فعانقه وأكرمه، وقال: كدت تمضي قبل أن نلتقي فألقي إليك ما أريد، وأمره أن ينصرف إلى منزله فيستريح ويدخل الحمام ليذهب عنه كلال السفر ثم يعود، وجعل يزيده برّا وإعظاما وهو ينتظر الفرصة فيه حتى قتله. وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: لما أراد أبو مسلم الشخوص إلى خراسان عاصيا كتب إلى المنصور: «من عبد الرحمن بن مسلم إلى عبد الله بن محمد، أما بعد فاني اتخذت أخاك إماما، وكان في قرابته برسول الله ﷺ ومحله من العلم على ما كان، ثم استخفّ بالقرآن وخرقه طمعا في قليل من الدنيا قد نعاه الله لأهله، ومثلت له ضلالته على صورة العدل، فأمرني أن أجرّد السيف، وآخذ بالظنّة، ولا أقبل معذرة وأن اسقّم البريء، وأبرّئ السقيم وآثر أهل الدين في دينهم، وأوطأني في غيركم من أهل بيتكم العشوة بالأفك والعدوان؛ ثم إن الله بحمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكرّه إليّ الحوبة، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوني وما الله بظلام للعبيد». فكتب إليه المنصور: «قد فهمت كتابك وللمدل على أهله بطاعته ونصيحته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه مقال، ولم يرك الله في طاعتنا إلاّ ما تحب، فراجع أحسن نيّتك وعملك ولا يدعونّك ما أنكرته إلى التجنّي، فإن المغيظ ربما تعدّى في القول فأخبر بما لا يعلم، والله وليّ توفيقك وتسديدك، فأقبل رحمك الله مبسوط اليد في أمرنا، محكّما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله».قال: فلما قدم برّه وأكرمه وهو يريد أن تمكنه الفرصة. ثم صرفه إلى منزله ليستريح. حدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير بن المسيب الضبي قال: ندم المنصور على انصراف أبي مسلم حين دخل عليه، وكان أبو أيوب المورياني أشار عليه بالاذن له، فلما أصبح غدا إلى المنصور فتلقاه أبو الخصيب فقال له: إن أمير المؤمنين مشغول فانصرف ساعة حتى يفرغ، فأتى منزل عيسى بن موسى وكان يحبه، وكان عيسى شديد التعظيم له، فدعا له عيسى بالغداء، فبينا هو على ذلك إذ أتاه الربيع، وهو يومئذ مع مرزوق أبي الخصيب، فقال له: يدعوك أمير المؤمنين، فركب وشغل عيسى بن موسى بالوضوء، وقد كان أبو مسلم قال له: اركب معي فقد أحسست بالشر، فقال له: أنت في ذمتي فتقدم فإني لا حقك. فلما صار أبو مسلم إلى الرواق قيل له إن أمير المؤمنين: يتوضأ فلو جلست، فجلس، وأبطأ عليه عيسى فجعل يسأل عنه، وأعدّ له المنصور عثمان بن نهيك، وهو يومئذ على حرسه، وعدّة منهم: شبيب بن واج، صاحب المربّعة ببغداد، وأبو حنيفة صاحب الدرب في المدينة ببغداد، ورجلين من الحرس، وقال لعثمان، إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا، وكان وأصحابه وراء ستر خلف أبي مسلم، فإذا أنا صفّقت فدونكم العلج. ثم قيل لأبي مسلم: قد جلس أمير المؤمنين فقم، فلما قام ليدخل نزع سيفه فقال: ما كان يصنع بي مثل هذا، فقيل: ليس ذاك إلا لخير. وكان عليه قباء خزّ أسود وتحته جبّة خز بنفسجي فدخل فسلّم وجلس على وسادة ليس في البيت غيرها والقوم خلف ظهره، فقال: يا أمير المؤمنين استخف بي وأخذ سيفى، قال: ومن فعل ذلك قبحه الله؟ثم قال: هيه، قتلت أهل خراسان وفعلت وفعلت، ثم جعلت تقول بمكة أيصلّي هذا الغلام بالناس، وألقيت نعلي من رجلي فرفعت نفسك عن مناولتي إياها حتى ناولنيها معاذ بن مسلم، وأعجب من هذا إقعادك إياي في دهليزك بخراسان مستخفا بحقي، حتى أشير عليك بخلاف ذلك، فتكارهت على تسهيل إذني وفتح الأبواب لي، ثم كتابك إليّ تبدأ بنفسك، وخطبتك إليّ أمينة بنت علي، وقولك أنك ابن سليط بن عبد الله، لقد ارتقيت يا بن اللخناء مرتقى صعبا، ثم ذمّك أخي وسيرته وقولك: إنه أوطأك العشوة، وحملك على الاثم، ثم أنت صاحبي بمكة تنادي: من أكل طعام الأمير فله درهم، ثم كسوتك الأعراب وقولك: لأتخذنكم دون أهل خراسان، وأعجب من هذا أني دفعت في صدر حاجبك، بخراسان فقلت لي أيضرب حاجبي، ردّوه عنا إلى العراق. فقال أبو مسلم: إنه لا يقال لي هذا القول بعد بلائي وعنائي. فقال: يا بن الخبيثة إنما عملت ما عملت بدولتنا ولو كان الأمر إليك ما قطعت فتيلا، ثم فتل شاربه وفرك يده. فلما رأى أبو مسلم فعله قال: يا أمير المؤمنين لا تدخلنّ على نفسك ما أرى فإن قدري أصغر من أن يبلغ شيء من أمري منك هذا المبلغ. وصفق المنصور بإحدى يديه على الأخرى، فضرب عثمان بن نهيك أبا مسلم ضربة خفيفة، فأخذ برجل المنصور فدفعه برجله، وضربه شبيب بن واج على حبل عاتقه ضربة أسرعت فيه فقال: وانفساه، ألا قوة، ألا مغيث؟ فقال المنصور: اضربوا ابن اللخناء، فاعتوره القوم بأسيافهم، وأمر به فلفّ في مسح ويقال في عباءة وصيّر ناحية، وكان الطعام قد وضع للحرس في وقت دخول أبي مسلم فكانوا قد شغلوا به فلم يعلم أحد بمقتله. ووافى عيسى البابفاستؤذن له فقال المنصور: أدخلوه، فلما وقف بين يديه قال: يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم؟ قال: كان هنا آنفا، فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي الإمام كان فيه؟ فقال: اسكت يا بن الشاة - وكانت أم عيسى توفيت وهو صغير أو مرضت فأرضع لبن شاة - فو الله ما كان في الأرض عدوّ أعدى لك منه، ها هو ذا في البساط، والله ما تمّ سلطانك إلاّ اليوم. ودخل إسماعيل بن علي وهو لا يعلم الخبر فقال: إني رأيت يا أمير المؤمنين في ليلتي هذه كأنّك قتلت أبا مسلم، وكأني وطئته برجلي، فقال: قم فصدّق رؤياك فها هو ذا في البساط. فوطئه ثم رجع فرمى بخفه وقال: لا ألبس خفا وطئت به مشركا، فأتي بخف فلبسه، وأنشد المنصور: وما العجز إلاّ تؤامر عاجرا … وما الفتك إلا أن تهم فتفعلا وقال أبو مسعود: بلغني أن المنصور سأل أبا مسلم عن نصلين أصابهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: أحدهما سيفي الذي كان عليّ. قال أبو دلامة مولى بني أسد (¬١): أبا مسلم (¬٢) … ما غيّر الله نعمة على عبده حتى يغيّرها العبد أفي دولة المنصور حاولت غدرة … ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد فلا يقطع الله اليمين التي بها … علاك صقيل الشفرتين له حدّ فما كان الا الموت في غمد سيفه … وما خلت أن الموت يضبطه غمدأبا مسلم خوفتني القتل فانتحى … عليك بما خوفتني الأسد الورد فأصبحت في أهلي وأصبحت ثاويا … بحيث تلاقي في ذرى دجلة المد (¬١) وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب، عن بعض آل الحسن بن قحطبة وغيرهم، قال: قتل أبا مسلم: عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، وأبو حنيفة ورجلان من الحرس ضربوه بأسيافهم فلم يمت، وجر برجله فألقي في دجلة، وكان يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة. قال: وحدّثني أبي قال: لما قتل أبو مسلم حمل أبو حنيفة جيفته في صندوق حتى توسط بدجلة ثم ألقاه. وسار أبو جعفر بعد ذلك بثلاث إلى الحيرة. وحدثني أبو مسعود قال: تمثّل المنصور بعد قتل أبي مسلم ببيت الشمّاخ: وما ان شفى نفسا كأمر صريمة … اذا حاجة في النفس طال اعتراضها (¬٢) وقال بشار الأعمى: أبا مسلم ما طيب عيش بدائم … وما سالم عمّا قليل بسالم كأنّك لم تسمع بقتل متوّج … عزيز ولم تعلم بقتل الأعاجم لحى الله قوما شرفوك عليهم … وقد كنت مشروفا خبيث المطاعم (¬٣) قالوا: وكان المنصور يقول: اخطأت مرّات وقاني الله شرّها، قتلت أبا مسلم وحولي من يقدّم طاعته على طاعتي فلو وثبوا بي وأنا في خرق (¬٤)لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف بالعراق سيفان لذهبت الخلافة ضياعا. قالوا: وأمر المنصور حين قتل أبا مسلم بوضع الاعطاء في الناس، فجعلوا يأخذون ويبايعون ويلعنون أبا مسلم. وقال أبو دلامة أيضا: أبو مسلم عبد لعيسى بن معقل … أخي دلف لا قول من يتكذب حمدت إلهي حين قيل عدوكم … أبو مجرم أمسى على الوجه يسحب فإن يك عبدا ذاق حتفا بجرمه … فقد صادف المقدار والحين يجلب بكت عين من تبكيه ميتا ولا أرى … من الله روحا من له يتغضّب وقال أبو عطاء السّندي: زعمت أنّ الدّين لا يقتضى … كذبت والله أبا مجرم سقيت كأسا كنت تسقي بها … أمرّ في الحلق من العلقم المدائني قال: كان أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري بخراسان وكان صديقا لأبي مسلم يلاعبه بالشطرنج ويؤانسه، وكان ذا قدر بخراسان، فلما ظهرت الدعوة قدم على أبي مسلم وقال: قل للأمير أمين الامام … وصيّ وصيّ وصيّ الوصيّ أتيتك لا طالبا حاجة … ومالي في أرضكم من كفيّ وكان أبو مسلم يبره ويكرمه، ثم أمر بقتله، فقيل له: صديقك وأنيسك، فقال: رأيته ذا همّة وأبهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان عليّ كريما وكنت له محبا. قال: فعيّر المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيّره به.حدّثني الأثرم عن أبي عمرو الشيباني الراوية قال: لما قتل المنصور أبا مسلم دعا بجعفر بن حنظلة البهراني فأراه إياه مقتولا، فقال: وفّقك الله يا أمير المؤمنين وسدّدك عدّ خلافتك مذ اليوم. وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: قال رؤبة بن العجاج: كان أبو مسلم فصيحا على غلظ وفصح كان في لسانه، دخلت عليه فأنشدته: لبيك اذ دعوتني لبيكا … أحمد ربّا ساقني إليكا أصبح سيف الله في يديكا (¬١) … فأمر لي بكسوة ومال وقال لي: يا رؤبة، إن لك إلينا عودة وعلينا معوّلا، والدهر اطرق مستتبّ، فاذا أتيت خراسان فصر إليّ أغنك، فقلت له: إني أريد أن اسألك وأنا أفرق منك، فقال: سل آمنا، قلت: أرى لسانا عضبا وكلاما فصيحا، فأين نشأت أيها الأمير؟ قال: بالكوفة والشام، قلت: بلغني أنك لا ترحم، قال: كذبوا إني لأرحم؛ قلت: فما هذا القتل؟ قال: إنما أقتل من يريد قتلي. قالوا: ولمّا قتل أبو مسلم كتب المنصور إلى أبي نصر مالك بن الهيثم، وكان أبو مسلم خلّفه في ثقله بحلوان، وهو يرى أنه يرجع إلى خراسان، كتابا عن لسان أبي مسلم في القدوم بثقله وما خلّف معه، وختم الكتاب بالخاتم الذي أخذه من إصبع أبي مسلم، وكانت بينهما علامة فلم يعرفها فيكتب بها، فامتنع أبو نصر من القدوم، فكتب المنصور إلى عامله بهمذان يأمره بمنعه من النفوذ، فأخذه وحبسه في القصر وقال لمن معه: واللهلا يتحرك متحرك إلاّ رميت إليكم برأسه، ثم حمله إلى المنصور فعفا عنه، فلما كان يوم الروانديّة قام على الباب فذبّ وأبلى، فرضي عنه وصارت له مكانة عنده وولاّه الموصل. حدّثني المدائني قال: قال ابن شبرمة: دخلت على أبي مسلم وفي حجره مصحف وإلى جانبه سيف، فسلمت عليه، فقال: يا أبا شبرمة إنما هما أمران: زهد في الدنيا أو سيف يضرب به أهل العناد. وحدثني عباس بن القاسم أبو الفضل قال: سمعت مشايخنا يذكرون أن أبا مسلم كان رجلا ربعة، وكانت له شعرة وكان أسمر اللون حسن الوجه جيّد الألواح، قليل اللحم تعلوه صفرة. وحدثني الحرمازي قال: استشار المنصور إسحاق بن مسلم العقيلي، أو سلم بن قتيبة، في أمر أبي مسلم فقال: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (¬١). حدثني ابراهيم بن عتاب، حدثني سلام الأبرش قال: أرق المنصور ذات ليلة فقال للربيع: انظر من في الدار من الصحابة فأدخله إلاّ أن يكون عبد الله بن عياش فإنه سائل ملحف، فنظر فلم يجد في الدار غيره، فقال: أدخله وتقدم إليه في ترك مسألتي شيئا، فضمن له أن لا يسأل ليلته شيئا، فلما دخل أقبل يحدّث بأمر السواد وفتوحه وما كان يرتفع من جباياته، ثم قال: فطول السواد يا أمير المؤمنين كذا وعرضه كذا ولا والله ما لعبدك منه شبر في شبر، فضحك المنصور وقال: قد أقطعتك غلة ثلاثين ألف درهم من حيث تختار من السواد.وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الربيع قال: جلس المنصور يوما بالنجف بالكوفة يشرف على الخورنق وظهر الكوفة، فقال: يا ربيع ابغني رجلا يحدثني، فقال: يا أمير المؤمنين بالباب عبد الله بن الربيع الحارثي وأنت تحب حديثه، فقال: نعم لولا كثرة سؤاله الحوائج، فقال: أنا أقطع عنك حوائجه في هذا اليوم، فخرج إليه فاشترى منه مسألته الحوائج بمائتي دينار، فلما دخل ورأى طيب نفس المنصور جعل يعرّض بالسخاء وينشد شعر حاتم الطائي، فقال: يا ربيع لا تف له فإنه لم يف لك، كفى بالتعريض مسألة. وقال: أنشدني قول كثّير: إذا المال لم يوجب عليك، فأنشده: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه … صنيعة تقوى او صديق تخالقه منعت وبعض المنع حزم وقوة … فلم يفتلذك المال إلاّ حقائقه (¬١) فكان عبد الله بن الربيع يقول: خرجت من عند المنصور وأنا أحب الناس إليه. المدائني، قال: دخل المنصور المدينة فقال للربيع: ائتني برجل يسامرني ويحدثني، فأتاه برجل ظريف كان منقطعا إليه، فقال له المنصور: من أنت وأين منزلك؟ قال: ما لي منزل وإني لمغمور النسب لا تبلغني معرفتك. وحدثه فاستظرفه وأمر له بخمسة آلاف درهم، فلما انصرف قال للربيع: تنجّز لي صلتي بأبي أنت وأمي، فقال الربيع: هيهات احتل لنفسك، فلما ركب المنصور من الغد دعا به فحدثه ثم أنشده قصيدة الأحوص:يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل حتى انته إلى قوله: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق الحديث يقول ما لا يفعل (¬١) فقال المنصور: وأبيك لقد اقتضيت فأحسنت ولطفت، يا ربيع يعطى جائزته.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Identity attributes

  • Kunya

    أبي مسلم في

    أمر أبي مسلم في خلافة المنصور

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253596
Book record
shamela-9773
Source record
336420
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate