Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور:

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1572, entry [314]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور:
page 1572, entry [314]Open original source
وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور: فكان يعرف بعبد الله الطويل، ولم يزل مشهورا بطلب العلم والفقه والآثار. حدثني ابن الاعرابي الراوية عن سعيد بن سلم قال: وجه محمد بن علي عبد الله ابنه أبا جعفر إلى البصرة ليزور من بها، ويدعو إلى الرضا من آل محمد، فكان يأتي عمرو بن عبيد ويألفه، فلما صار إلى الشام سمعه أبوه يتكلم بشيء يقايس فيه فأنكره عليه وقال: هذا من كلام مولى بني تميم، يعني عمرو بن عبيد. وحدثني جماعة من المشايخ قالوا: لما خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عامل يزيد بن الوليد بن عبد الملك، سار إليه المنصور فيمن أتاه من بني هاشم، فولاه ايذج من الأهواز، فأخذه سليمان بن حبيب بن المهلب وكان عامل عبد الله بن عمر على الأهواز فحبسه وشتمه ومن هو منه وأراد قتله، فقال له سفيان بن معاوية ويزيد بن حاتم: إنما أفلتنا من بني أميّة بالأمس، أفتريد أن يكونلبني هاشم عندنا دم؟ فخلى سبيله، ويقال إنه كان ضربه؛ فلما خلّصا المنصور من يد سليمان بن حبيب، صار إلى عمرو بن عبيد فأقام عنده، ثم سار مستترا إلى الحميمة من أرض الشراة. وحدثني أبو مسعود عن اسحاق بن عيسى قال: لما شخص ابو جعفر يريد عبد الله بن معاوية مرّ بالراوي (¬١) فقيل له: إن ها هنا منجما يقال له نوبخت، فعدل إليه وسأله عما يؤول إليه حاله في وجهه فيما بعد ذلك، فقال له نوبخت: أما أنت فسيصير إليك ملك العرب، وأما وجهك هذا فسينالك فيه مكروه، فلحق بعبد الله وكان من أمره ما كان. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي وغيره، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج، فكتب إليه: إن الجهاد أفضل من الحج، فكتب إنه لا بدّ لي من الحج فإني حججت وأنا تابع بغير مالي وعلى غير ظهري، وفي نفسي من ذلك شيء، فكتب إليه يأمره بالقدوم في ألف ويقول: إنما تسير في سلطان أهلك، وطريق مكة طريق لا يحتمل العساكر، فأما المال فلا تستكثر منه وعوّل علينا فيه؛ فأقبل في الرجال ومعه الأموال حتى نزل الري وخلف بها ثمانية آلاف فارس، وخلف الأموال، وأتى الأنبار في ألف وقال: أني لأرجو ان يموت أبو العباس فأكون مع أقوى من يأتي بعده، ثم أغلب على الأمر، ويكون لي شأن من الشأن فلا يبقى بلد إلاّ وطئته برجليّ هاتين.فلما دخل على أبي العباس أظهر أبو العباس له جفوة، لما بلغه عنه، ثم أظهر مبرته وقال له: لولا أن أخي على الحج في عامه هذا لوليتك الموسم فإنك رجل منّا أهل البيت، وكان المنصور لما بلغه أن أبا مسلم على الحج كتب من الجزيرة يسأل أن يولّى الموسم، ويقال: بل كره أبو العباس أن يسأله أبو مسلم ولاية الموسم فلا يجد بدا من توليته إياه. فكان أبو مسلم يتقدم أمام أبي جعفر باديا وراجعا خوفا على نفسه لما كان حقد عليه حين أتاه بخراسان من إجلاسه إياه في دهليزه، وكتابه إليه يبدأ بنفسه، مع أشياء كانت تبلغه عنه فكان أبو مسلم يقول: أما وجد أبو جعفر سنة يحج فيها إلا هذه السنة التي حججت فيها؟ فلما قضيا حجهما، فأقبل أبو مسلم فكان بين البستان وذات عرق (¬١) جاء المنصور خبر وفاة أبي العباس، وأبو مسلم متقدمه بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غاب عنه فصر إليّ، فلم يقدم عليه وكتب إلى المنصور كتابا بدأ فيه بنفسه، فقال المنصور: انا بريء من العباس ان لم أقتل ابن وشيكة. وكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، فكان ذلك يغيظ أبا جعفر، ويرى أنه استطالة منه عليه. فلما ورد أبو جعفر الأنبار وجد عيسى بن موسى بها وقد حوى الخزائن والأموال وحفظها، فسلمها إليه. وكان عبد الله بن علي قد خلع، فندب المنصور أبا مسلم لحربه، فسارع إلى ذلك ليتخلص من يده. وذكروا أن أبا مسلم لما ورد الأنبار أرادعيسى بن موسى على خلع المنصور ومخالفته، وقال له: أنت وصيّ الإمام وأحق بالأمر من أبي جعفر، فقال له: الأمر لعمّي ولو قدّمني أبو العباس لقدّمته على نفسي. وحدثني ابن الأعرابي عن المفضّل قال: أتت أبا مسلم وفاة أبي العباس ولم يعلم أنه قد ولّى المنصور الخلافة بعده، فكتب إلى المنصور: «عافاك الله وأمتع بك، أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين ﵀، فبلغ مني أعظم مبلغ وأمسّه وجعا وألما، فأعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه بأحسن من عمله». فلما قرأ المنصور كتابه استشاط غضبا، وكتب إليه: «من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن، وصل إليّ كتابك فرأيتك غير موفق فيه للرشد ولا مسدّد للصواب، ولكني ذكرت ما تقدم من طاعتك فعطفني عليك، وقد وليتك مقدمتي فسر على اسم الله وبركته حتى توافي الأنبار، ومن انكرت من أمره شيئا من عمالنا فصرفه والاستبدال به إليك»، فحقد كل واحد منهما على صاحبه. قال ابن الأعرابي: وحدثني سعد بن الحسن، أن المنصور لما قرأ كتابه أجابه عليه وقد استشاط فقال لعطية بن عبد الرحمن التغلبي: لمثلها كنت أحسيك الحسى، إن العبد كتب إليّ بما ترى وقد أجبته فانطلق بالكتاب إليه، فإذا أخذ في قراءته فاضرب عنقه، فإن قتلت فشهادة والله خليفتك على من تخلّف وهم عندي عدل ولدي، وإن سلمت فلك من المكافأة ما تطأ العرب به عقبك، فقال له اسحاق بن مسلم: يا أمير المؤمنين إنه لا يؤمن أن ينبو سيفه فيقتل باطلا ويكرّ العلج علينا، وقال له يزيد بن أسيد اذكر قول القطامي:قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل (¬١) وقال له أبو أيوب كاتبه: أخّر الأمر حتى تقدم إلى شيعتك وأهل بيتك. فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطية. وحدثني عبد الله بن خلف الوراق عن عدة من آل حميد بن قحطبة قالوا: لما بلغ أبا مسلم موت أبي العباس كتب به إلى أبي جعفر وهو لا يعلم باستخلافه إياه، فلما أتاه أنه قد استخلفه كتب إليه: «أصلحك الله يا أمير المؤمنين صلاحا ناميا باقيا، بلغني هذا الأمر الذي أفظعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحصين، إلا أنه سرّى عني الغمّ ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر، فنسأل الله أن يعظّم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولاّك، وأن يبارك لك فيما قلدته، إعلم أنه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشد تعظيما لحقك وحرصا على مسرّتك مني، والله اسأل لك السّلامة في الدين والدنيا». وكان ورود الكتاب بصفينة (¬٢)، ثم بعث ابو مسلم بالبيعة بعد يومين، وإنما أراد أن يرهبه. حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن عليّ، أن أبا العباس توفي والمنصور بمكة، وأبو مسلم حاج أيضا، فقام أبي - عيسى بن علي - فخطب الناس بالأنبار فقال: «الحمد لله أهل الحمد وولّيه، ذي المجد والعظمة الكبرياء والقدرة الذي كتب الموت على خلقه وسوّى فيه بين عبادهفلم يعزّ منه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خليفة هاديا، جعلهم فيه شرعا، وجعله عليهم حتما، فقال لنبيه ﷺ: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (¬١)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (¬٢). ثم ان خليفتكم عبد الله أبا العباس أمير المؤمنين رحمة الله عليه كان عبدا من عباد الله الذين كتب عليهم الموت ونقلهم إلى دار الثواب، أكرمه بخلافته وأحيا به سنّة نبيه وردّ به حقّ أهل هذا البيت إليهم حتى استقر في مقرّه، وحلّ محله وخرج من أيدي الفجرة الظلمة أهل بيت اللّعنة الذين أخذوه اغتصابا وظلما وابتزازا بالتمويه والشّبه وادّعاء الأباطيل، ثم استعمله الله بطاعته الى انقضاء مدته وأثره ونفاد أجله وأكله، وقبضه إليه حميدا رشيدا، قد رضي سعيه وأقام به حقّه، فرحمة الله عليه وبركاته وصلواته، وقد استخلف أخاه أبا جعفر أصلحه الله وأمتع الخاصّة والعامّة به لكمال سنّه، وفضل رأيه، وصحة عزمه، ونفاذ بصيرته، وجعل وليّ العهد بعده عيسى بن موسى بن علي، وهو من قد عرفتم جزالته وبراعته وفضله، فعند الله نحتسب أبا العباس أمير المؤمنين، وإياه نسأل أن يعظّم أجورنا وأجوركم فيه، وأن يبارك لأمير المؤمنين فيما ولاّه واسترعاه، ويحضره الرشد والسداد في أموره. فبايعوا رحمكم الله لأمير المؤمنين عبد الله أمتع الله به، ولعيسى بن موسى بن محمد بن علي إن كان من بعده، بيعة صادقة عن طوع واعتقاد ونيّة حسنة بيعة تنشرح بها صدوركم، وتخلص فيها نياتكم، لتنالوا بها عاجل المكافأة وآجل الثواب إن شاء الله، أحسن الله عليكمالخلافة وتولاكم بالكفاية». ثم بكى وبكى الناس، فلما نزل كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم وكان بالكوفة فقدم الأنبار وأعطى الناس أرزاقهم، وكتب عيسى بن علي إلى أبي جعفر: «أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، وأصلح به وعلى يديه، فإن أقل المصائب يا أمير المؤمنين نكاية وإن عظمت بها الرزّية وجلّ الخطب وأفظع الأمر مصيبة جبرت بحسن العوض في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة، وإن أمير المؤمنين أبا العباس رحمة الله وصلاته عليه كان من عباد الله الذين حتم عليهم الموت وخلقهم للفناء، فقبضه الله حميدا سعيدا قائما بالحق جميل النظر للخاصة والعامة، مشفقا عليهم، معفّيا بعدله على جور الظلمة من أهل بيت اللعنة، وبإحسانه على إساءتهم وشرارتهم، وقد استخلفك يا أمير المؤمنين بعده وجعل وليّ عهدك عيسى بن موسى بن محمد، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزيّة الفاجعة، وبارك له في العطية الفاضلة، فلا مصيبة أجلّ من مصيبته ولا عقبى أحسن من عقباه، ورحم الله أبا العباس وغفر له وضاعف له حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام، أعمله بعدل، وأقومه بحق، وأنظره لعامّة، وأحناه على خاصة بمنّه وقدرته، وقد دعوت الناس إلى بيعتك يا أمير المؤمنين، فسارعوا إليها واحتسبوا الخير فيها، حقّق الله آمالهم وبلّغهم لك وفيك أمانيهم يا أمير المؤمنين، فاشكر الله يزدك، واستعنه يعنك، واستكفه يكفك، أسأل الله لأمير المؤمنين أحسن الحفظ وأدوم العافية والسلامة في الدنيا والآخرة». قال: وكتب رقعة أدرجها في الكتاب لم يدر ما فيها، وبعث بالكتاب مع محمد بن الحصين العبدي، فلما قرأه أبو جعفر بكى. وحمّل عيسى بنعلي وعيسى بن موسى محمّد بن الحصين كتابين إلى أبي مسلم بالتعزية والتهنئة بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر. وقال محمد بن الحصين لأبي جعفر حين قرأ كتاب عيسى بن علي إليه: قد أعقب الله المصيبة الجليلة بالنعمة العظيمة، فأحسن الله يا أمير المؤمنين من المصيبة عقباك وبارك لك فيما ولاك وأعطاك، فأمر له بخمسائة دينار، ويقال بألف دينار، وكتب إلى عيسى بن علي بأبرّ كتاب وألطفه وجزاه الخير على ما كان منه، وكتب إلى عيسى بن علي وعيسى بن موسى في القيام بأمر الناس وضبط ما قبلهما إلى قدومه. قال: وكتب عيسى بن علي إلى عبد الله بن علي بالخبر وعزاه عن أبي العباس وهنأه بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر، وأنفذ الكتاب مع أبي غسّان حاجب أبي العباس والهيثم بن زياد الخزاعي، فلما دخلا عليه سلم الهيثم بالإمرة وسلم أبو غسان بالخلافة، فقال الهيثم: مه فإن أبا العباس قد استخلف أبا جعفر أخاه، فقال عبد الله: أنا أحق بالأمر منه، إن أمير المؤمنين ﵀ ندب الناس إلى الجعدي فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب إليه فهو الخليفة بعدي، فانتدبت، فقال الهيثم: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض أهل بيتك لزوال النعمة، فقال: اسكت لا أمّ لك، وقام فخطب ونعى أبا العباس وادّعى أنه ولاّه الخلافة بعده، فصدّقه أبو غسّان وكذّبه الهيثم ورجل آخر معه، فأمر بالهيثم والرجل فضربت أعناقهما. وخرج ابن علي من دابق، وكان متوجها إلى بلاد الروم للغزو في مائة ألف، فقال له ابن حنظلة البهراني: يا أمير المؤمنين، الرأي أن توجه ألف رجل وتبعث عليهم رجلا تثق بصرامته وبأسه ونصيحته، وتأمره أن يأخذ طريق السماوة فلا يشعر أبو جعفر وأبو مسلم إلا بموافاته إياهما، وتغذّ أنت السير حتى تنزلالأنبار، فلم يقبل مشورته لأنه من أهل الشام، وقد كان أبو جعفر خاف هذا الفعل من عبد الله فأسرع السير وأغذّه حتى نزل الأنبار فسأل عن ابن علي فأخبر أنه بحران قد صمد صمد مقاتل بن حكيم العكي لإبائه بيعته حتى يجتمع الناس، فحمد الله على ذلك، ثم بلغه أنه قد أخذه وبعث به إلى عثمان بن سراقة فحبسه بدمشق فقال: لله العكي ماذا يذهب منه. حدثني أبو مسعود قال: لما أتى أبا جعفر خبر وفاة أبي العباس دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، وكان قد حجّ معه، فقال له: ماذا ترى أن نصنع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان ابن علي حازما فسيوجه خيلا تلقانا في هذه البراري فتحول بيننا وبين دار الخلافة، ويأخذنا أسراء فاقعد على دوابك فإنما هي ليال حتى نقدم الأنبار، قال: فإن هو لم يخالف؟ قال: فلا حياة به، والرأي اغذاذ السّير على حال. قال: فارتحل أبو جعفر وقدّم أبا مسلم أمامه يطوي المراحل إلى الأنبار، وندب أبا مسلم لعبد الله بن علي فسارع إلى محاربته. حدثني محمد بن الأعرابي قال: لقيت المنصور أعرابيّة في طريقه، وقد توفي أبو العباس والمنصور مقبل إلى الأنبار، فقالت له: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في أخيك، فإنه لا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أفضل من خلافتك، فقال: بلى، الأجر؛ فقالت: هو لك مذخور إن شاء الله، فوهب لها ألف درهم. وحدثني أبو مسعود قال: حجّ المنصور أمير المؤمنين في السنة التي استخلف فيها، وفي سنة سبع وأربعين ومائة أو ثمان وأربعين ومائة، وفي السّنة التي توفي فيها، وكانت وفاته بمكة.وحدثني المدائني قال: حجّ مع المنصور اسحاق بن مسلم العقيلي، فكان عديله، فقال المنصور ذات يوم: لقد أبطأنا عن الحج وإني لأخاف فوته، فقال اسحاق، وكان فيه جفاء: اكتب في تأخير الحج إلى قدومك، فقال: ويحك أو يكون أن يؤخر الحج عن وقته؟ فقال: أو تريدون شيئا فلا يكون؟ وحدثني المدائني قال: كان أمير المؤمنين المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وحدثني المدائني قال: قال اسحاق بن مسلم العقيلي: حججت مع أبي جعفر فقال: قل للحادي احد، فقلت: يا عاصم احد، فحدا فأجاد، فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بألف درهم فدعا له، ثم قال: قل له احد أيضا، فأعاد فأجاد، فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بكسوة، فدعا له، ثم قال: قل له احد ايضا فحدا فأجاد، فقال: قل له: أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقلت: يا عاصم قد أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقال لي مسرا لقوله: بأبي أنت مسّه فلعله موعوك؟ فأعطى ذلك الذي أمر له به. حدثني محمد بن عباد البجلي، حدثني زهير بن المسيب عن أبيه قال: جرى عند المنصور ما كان من مداراته إياه، فقال المنصور: إذا مدّ عدوك إليك يده فإن أمكنك أن تقطعها وإلاّ فقبّلها. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ قال: حدثني من أثق به قال: كان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وغناء، وهو الذيأخرج أبا العباس من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة وخزيمة، وقام بأمره حتى بويع، وكان أبو العباس يعرف له ذلك، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه من خراسان ويأمره أن يكاتبه بالأخبار، فلما استخلف المنصور بلغه أنه يكتب إلى أبي مسلم بخبره، وأنه قال: ما على هذا بايعناهم وإنما بايعناهم على العدل، فدعاه ذات يوم فتغدّى عنده ثم سقي شربة عسل فلما وقعت في جوفه هاج به وجع فتوهم أنه قد سمّ فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟ قال: إلى حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين. وحدثني بعض ولد أبي الجهم أنه سقي شربة من سويق لوز، فقال الشاعر: احذر سويق اللوز لا تشربنّه … فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم قالوا: وسار أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوّخها، واستخلف الحسن بن قحطبة عليها، ثم قفل منها إلى الجزيرة في سنة ست وثلاثين ومائة، وأذن له أبو العباس في القدوم عليه، وولاه الموسم، فحج بالناس ومعه اسحاق بن مسلم فكان عديله. حدثني المدائني قال: أهديت إلى ولد المنصور حملان من هذه البربرية فقال لقهرمانه: خذها إليك فاذبح لنا كل يوم منها حملا فإن الصبيان يكتفون بالصّعو (¬١).قال: وقال المنصور لعيسى بن عبد الله النوفلي لما مات أبو العباس: قد عرفتني في السلطان وقبله، فهل رأيت لي لذة في مطعم أو مركب أو ملبس؟ ولقد أئتني الخلافة وما طلبتها، فقال: مازلت والله أعرفك بالزهد والفضل وطلب العلم. وحدثني علي بن المأمون عن أبيه عن الرشيد قال: أدخلت على المنصور وأنا صبيّ فرأيته جالسا على حصير متكئا على مسورة جلود فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي، وأخذني فقبّلني وصرفني. وحدثني المدائني قال: كان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد ومعه جارية حبشية، أو قال صفراء، تحمل له سراجا. وحدثني قال: كان المنصور يقول: الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجاج، وأنا ولا كافي لي. وكان يذكر بني أميّة فيقول: رجلهم هشام. وكان يقول: الخلفاء أربعة والملوك أربعة، فالخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم، والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز، كان أعور بين عميان. وكان يقول: نعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة، يعني مروان. المدائني، قال: أتى ابن ليوسف بن عمر المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين أمّلت منك أكثر من هذا، فقال: هذه كانت صلة أبيك لنا، قال: يا أمير المؤمنين فأين فضل قريش على ثقيف، وفضل الخلافة على الإمارة؟ فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم.وحدثني ابن الأعرابي قال: قال المنصور: معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها، قال: وشاركت عبد الملك في قول كثّير: يصدّ ويرضى وهو ليث عرينه … وإن أمكنته فرصة لا يقيلها (¬١) حدثني المدائني قال: بلغني أن المنصور قال ذات يوم في كلامه: إن الحلم يزيد العزيز عزا، والذليل ذلا. المدائني، قال: قال أبو جعفر لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال: إنّ العرانين تلقاها محّسدة … ولن ترى للئام الناس حسّادا قال: صدقت. قال: وبينا المنصور يخطب اذ قام رجل فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (¬٢)، فأخذ، لما قضى المنصور صلاته ودخل القصر ودعا به فقال: طالت صلاتك وكثر صومك، فضجرت من الحياة وقلت: أعترض هذا الرجل فأعظه فإن قتلني دخلت الجنة، وهيهات أن تدخلها بي، خلّوا سبيله. وحدثني أبو فراس الشامي عن أبيه، قال: خطب المنصور في بعض الجمع، فقام رجل من الصّوفيين فقال: ﴿أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (¬٣)؟ فأخذ، فلما فرغ المنصور من خطبته وقضى كلامه أمر أنيضرب أربعين درة فضرب، ثم دعا به فقال: إنّا لم نضربك لقولك، إنما ضربناك لكلامك في الخطبة فلا تعد، وأمر بتخلية سبيله. وحدثني أبو مسعود وغيره قال: خطب المنصور فلما قال: «وأشهد أن لا اله إلا الله»، قام إليه رجل كان في أخريات الناس فقال: يا أمير المؤمنين إني أذكّرك من ذكرت، فقال: «سمعا سمعا لمن ذكّر بالله وأيامه وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذني العزّة بالاثم لقد ﴿ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (¬١)، وأنت فما أردت الله بها إنما أردت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون عليّ بقائلها لو هممت، فاهتبلها ويلك إذ عفوت وإياك وإياكم أيها الناس وما أشبهها، فإن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا انتشرت وعنّا أخذت وحملت»، ثم عاد في خطبته. حدثني أبو مسعود، قال: قدم على المنصور قوم من أهل الشام بعد هزيمة عبد الله بن علي، وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين لسنا وفد مباهاة ولكن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استفزّت شريفنا، واستخفّت حليمنا، فكنا بما قدّمنا معترفين، ومما فرط منّا معذورين، فإن تعاقبنا فبجرمنا، وإن تعف عنّا فبفضلك علينا، فاصفح يا أمير المؤمنين إذا ملكت وأمنن إذ قدرت، وأحسن فطال ما أحسنت، فقال المنصور: أنت خطيبهم، وأمر بردّ قطائعه بالغوطة عليه. قال: ووجّه المنصور إسحاق الأزرق مولاه فأتاه بامرأتين وصفتا له، احداهما من ولد خالد بن أسيد، والأخرى فاطمة بنت محمد بن محمد بنعيسى بن طلحة بن عبيد الله، فجيء بهما وقد خرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة، فقيل له إن هاتين الجاريتين قد استوحشتا إذ لم ترهما، فقال: والله لا كشفت ثوب امرأة عني حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي. ومحمد بن عيسى بن طلحة الذي يقول: فلا تعجل على أحد بظلم … فان الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش وان ملّئت غيظا … على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخا لك عند ذنب … فإن الذنب يغفره الكريم وما جزع بمغن عنك شيئا … ولا ما فات ترجعه الهموم وقال: اجعل قرينك من رضيت فعاله … واحذر مقارنة القرين الشائن وقال: لا تلم المرء على فعله … وأنت منسوب إلى مثله من ذمّ شيئا وأتى مثله … فإنما يزري على عقله (¬١) فزعموا أن أبا جعفر كان يقول: كان محمد بن عيسى عاقلا، وينشد شعره ويقول: كان محمد بن محمد عاقلا أيضا، وإن صاحبتنا لعاقلة. وحدثني محمد بن عباد، حدثني أزهر بن زهير عن أبيه زهير بن المسيب قال: بعث أمير المؤمنين المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقال: إني أريد مشاورتك في أمر، فلما دخل عليه قال: إني قد تأنّيت أهل المدينة مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، فلا أراهم ينتهونولا يرجعون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعقر نخلهم ويغور عيونهم، قال: فسكت جعفر، فقال له: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: قل، قال: إنّ سليمان ﵇ أعطي فشكر، وإنّ أيّوب ابتلي فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر، وقد وضعك الله في السطة من بيت النبوّة وفضّلك بالخلافة وآتاك علما كاملا فأنت حقيق بالعفو عن المسيء والصفح عن المجرم، قال: ففثأ غضبه وسكّنه. حدثنا محمد بن الأعرابي عن علي مولى قريش قال: دخل رجل من قيس أحسبه أبا الهيذام، وقال غير علي: دخل ابن شبرمة على المنصور فقال له المنصور: ألك حاجة؟ قال: نعم بقاؤك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك سلني قبل أن لا يمكنك مسألتي، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم ما لك، وإن سؤالك لشرف وعطاك لفخر؛ وما بامرئ بذل وجهه إليك شين ولا نقص، وعندي من فضل الله خير كثير. وحدثني أحمد بن الحارث عن المدائني قال: مات إسحاق بن مسلم من بثرة خرجت به في ظهره، فحضر المنصور جنازته، وحمل سريره حتى وضعه وصلى عليه، وجلس عند قبره، فقال له موسى بن كعب أو غيره: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا به، وكان والله مبغضا لك كارها لخلافتك؟ قال: ما فعلت هذا إلاّ شكرا لله إذ قدمه أمامي، قال: أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك، فقد دخلتهم وحشة لما فعلت؟ قال: بلى، فأخبرهم فكبّروا.وكان مروان بن محمد أودع يزيد بن أسيد جاريتين يقال لهما سبيكة وزنبرة، فلما صار يزيد إلى المنصور استوهبهما منه فوهبهما له، وفيهما يقول إسحاق بن سماعة المعيطي في شعر له: لعن الله أحمد بن يزي … د بن زافر حيث كانا فضح الله أحمد بن يزي … د وكساه مذلة وهوانا شان قيسا بخونه وأبوه … لم يزل شانيا لها خوانا خان مروان في سبيكة لّما … زال ظلّ السلطان عن مروانا فأتتني بأحمد من حلال … أو حرام من التّقى عريانا يشتهي ما اشتهت سبيك … ة بالأمس وان كان في الحروب جبانا هو دان الزبير دين غويّ … راح من سورة الهوى سكرانا وابنه في الفعال ليس بمحم … ود اذا الفعل زيّن الفتيانا وحدثني أبو مسعود قال: حدثني من سمع المنصور يوم مات إسحاق بن مسلم وكان موته بالهاشمية يتمثل: كفاك عديّا موته ولربما … تغيظك أيام له وليال وحدّثني أبو مسعود، حدثني إسحاق بن عيسى قال: ولّى المنصور عبدا له يقال له طارق ضيعة من ضياعه بالشام فاستقصى على أهلها، فقدم منهم قوم على المنصور فشكوه فقال: إنما نقمتم عليه لما اخترته له وأحمدته عليه، قالوا: انه عبد وربّما صلى بنا، قال: هو حرّ فصلوا خلفه، فقام متكلمهم فقال: بتّ بخير يا أمير المؤمنين، فضحك وكتب إلى صاحبهم بالرفق بهم.وحدثني جماعة من بني العباس وغيرهم أن المنصور كان ربما علّق البواري على أبوابه في الشتاء، وقال هي أوقى. حدثني بعض ولد إسحاق بن عيسى، عن أبيه عن جده، قال: قدّمت إلى المنصور عصيدة فقال: ليس هذه بالعصيدة التي نعرف، ليعمل لنا تمرها بنواه. فلما كان الغد من ذلك اليوم حضرت غداه فأتينا بقصعة فيها ثردة صفراء وعليها عراق وأكلنا منها ثم رفعت، وأتينا بلونين فلما رفعا أتي بالعصيدة فأكل منها أكلا صالحا، وقال: هذه هي فلما رفعت المائدة غسل يده ودعا ببخور فبخرها ثم قال: إنما فعلت هذا لأني أريد الجلوس للناس ومنهم من يقبّل يدي. وحدثني أبو مسعود قال: قال المنصور لعبد الله بن الربيع: قد عرفتني سوقة وخليفة، فهل رأيتني كلفا بأمر مطعم أو مشرب أو ملبس؟ فقال: لا ولكني رأيتك تلذ حسن الذكر، وتنفي الضيم، وتضع الأمور مواضعها. وحدثني الربيع بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان وأخوه زياد، وحدثني بعض ولد المنصور، أنه كان إذا ولد لرجل من أهل بيته مولود ذكر أمر له من دار الرقيق بظئر وجارية تخدمه ووصيف، وأمر لأمه بجاريتين ومائتي دينار وطيب، وإذا كان المولود انثى بعث نصف ذلك. وحدثني أبو مسعود وغيره قالوا: قدم إسحاق الأزرق، صاحب الدار ببغداد عند القنطرة العتيقة، وهو مولى المنصور، عليه بامرأتين كان أشخصه لحملهما، إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحية، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العاص، ويقال العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقالت له ريسانة قيّمةنسائه: يا أمير المؤمنين ان الطلحية قد استحقبتك واستبطأت برّك وأنكرت وصاحبتها تركك الدعاء لهما، فقال: أما ترين ما نحن فيه، وكان إبراهيم بن عبد الله قد خرج بالبصرة، ثم أنشد: قوم اذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت باطهار وقال: ما أنا بناظر إلى امرأة حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي، وكانت عليه جبة قد اتّسخ جيبها، فقيل له: لو نزعتها وغيّرتها، فقال: لا والله أو أدري أهي لي أم لإبراهيم. المدائني قال: قال عبد الله بن الربيع الحارثي: قال لي أبو العباس ذات يوم: إني أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي، فأخبرت أبا جعفر بذلك فأمر لي بكسوة ومال، فقلت: أصلح الله الأمير، إن لك مؤونة ولعله ان يأتيك من أنا أعذر لك منه، فأمر بردّ ذلك، وقمت فانصرفت وراح ورحت إلى أبي العباس، فدخل عليه وجلست غير بعيد، فطال تناجيهما، ثم ارتفعت أصواتهما بقول أبو العباس: بلى والله، وبقول المنصور: لا والله، ثم خرج أبو جعفر فأخذ بيدي فسألته عن تحالفهما، فقال: ليس هذا وقت اخبارك وغمز بيدي، فلما أفضى الأمر إليه وقتل أبا مسلم دخلت عليه وهو طيب النفس فقال: ألقوا لأبي الربيع وسادة، فثنيت لي وسادة وجلست، فقال: ألا أخبرك بالأمر الذي سألتني عنه يوم دخلت على أبي العباس فتحالفنا؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، قال: تذاكرنا الدعوة، فقلت: أتذكر إذ كنا نرمي وأبو مسلم يردّ علينا النبل، فقال إبراهيم: ما أكيسه ويقتله عبد الله! فقلت: بلى، قال: فأنت عبد الله وأنت تقتله، فقلت:لا والله، قال: بلى والله، فلما خالف عبد الله بن علي وجهته إليه فقلت هو يقتله، فلما سلم منه وصنع ما صنع قلت أنا عبد الله، أقتله، فقتلته. حدثني أبو مسعود الكوفي، حدثني إسحاق بن عيسى وجماعة من العباسيين، أن المنصور قال: رأيت فيما يرى النائم، وأنا بالشراة، كأنّا حول الكعبة فنادى مناد من جوف الكعبة: أبو العباس، فنهض فدخل الكعبة ثم خرج وبيده لواء قصير على قناة قصيرة فمضى، ثم نودي: عبد الله، فنهضت أنا وعبد الله بن علي نبتدر، فلما صرنا على درجة الكعبة دفعته عن الدرجة فهوى ودخلت الكعبة، وإذا رسول الله ﷺ جالس فعقد لي لواء طويلا على قناة طويلة، وقال خذه بيدك حتى تقاتل به الدجال. وحدثني عبد الله بن أبي هارون الكاتب قال: وردت على المنصور خريطة من صاحب أرمينية ليلا فلم يوصلها الربيع الحاجب إلا مصبحا، فقال له: يا بن اللخناء، والله لهممت أن أضرب عنقك، أتحبس عني خريطة صاحب الثغر الأعظم ساعة واحدة فضلا عن ليلة! وسخط عليه يوما، ثم رضي عنه وقال: لا تعد. وحدثني المدائني قال: قال المنصور: من أحب أن يحمد بغير مرزئة فليحسّن خلقه ولينبسط بشره. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: قدم وفد من أهل المدينة على أبي جعفر، وفيهم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدخلوا عليه فساءل عبد الرحمن عن حالهم فأخبره بما كان من الوليد من أخذ أموالهم، فأمر بردّها عليهم.حدّثني الحرمازي، حدثني عبد الله بن صالح، عن شيخ له، قال: كان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، مع خالد بن عبد الله القسري بالعراق وولي شرطنه، ثم كان مع يوسف بن عمر بعده، ومع يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما ولي أبو العباس قال له يزيد بن عمر: والله لأضربن عنقك فقد سررت بأمر بني العباس ودولة ابن اختك، وكان معه بواسط، فلما وقع الصلح خرج حتى قدم على أبي العباس فقال له: أبطأت عني يا خال، فأخبره بقصته، ثم ولاه مكة والمدينة بعد داود بن علي، وابنه موسى بن داود، فلما توفي أبو العباس بعث إليه المنصور بعهده فغدّر (¬١) فيما كان يأمره به في عبد الله بن حسن وفي طلب ابنه، فعزله وأغرمه ثم ضمّه إلى المهدي حين وجهه إلى الري، فلما سار ثلاث مراحل تغدى المهدي ثم صار إلى فسطاطه فأتي بقدح فيه عسل قد خيض له فشربه ونام، فطلبه المهدي فوجد ميتا فبكى عليه وأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فكان يقال انه سمّ ووجد منتفخا، وذلك باطل والثبت أنه مات فجأة. حدثنا المدائني قال: حدّث المنصور بأن عجلان بن سهيل الباهلي سمع رجلا قال، وقد مرّ هشام بن عبد الملك: قد مرّ الأحول، فقال له: يا بن اللخناء أتسمّي أمير المؤمنين بالنّبز، وعلاه بسوطه، ثم قال: لولا رحمتي لك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع معه المحيا والممات. وحدثني سليمان بن أبي شيخ قال: قدم ابن أنعم المحدّث على المنصور فقال له المنصور: لقد استرحت من وقوفك بباب هشام وذوي هشام،فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت في تلك المواضع شيئا يكره إلاّ وقد رأيت في طريقي إليك ما هو أعظم منه، فقال المنصور: ويحك إنا لا نجد من نوليه أعمالنا ممّن نرتضيه، فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لو طلبتهم لوجدتهم، إنما الملك بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها. قال: وأقبل المنصور يوما راجعا من ركوبه يريد قصره، فلما صار على بابه رأى فرج بن فضالة المحدّث جالسا فلم يقم له، فلما دخل القصر دعا به فقال: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: منعني من ذلك أني خفت أن يسألني الله لم فعلت، ويسألك لم رضيت، وقد كره رسول الله ﷺ ذلك، فسكت المنصور، وخرج فرج. وحدثني محمد بن حبيب عن أبي فراس قال: قال المنصور لهشام بن عروة: أتذكر يا أبا المنذر حين دخلت إليك أنا وإخوتي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا، فإنّا لما خرجنا قال لنا أبونا: يا بنيّ استوصوا بهذا الشيخ فإنه لا يزال في قومكم عمارة ما بقي مثله، فقال: ما أذكر ذلك. فلما خرج هشام قيل له: ذكرّك أمير المؤمنين شيئا يتوسل بدونه، فقال: لم أذكر ما ذكرني، ولم يعودني الله في الصدق إلاّ خيرا. قالوا: ودخل عليه سوّار بن عبد الله العنبري فقال: السّلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته، ادن أبا عبد الله، فقال: أدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ قال: على ما مضى، فدنا ومدّ يده، فصافحه ثم جلس. قال: وكتب المنصور إلى سوّار في بعض الأمور، فكان في ذلك إضرار بقوم، فلم ينفّذ سوّار الكتاب، فاشتدّ ذلك على المنصور، فكتب إليهسوار: إنّ عدل سوّار مضاف إليك، وزين لخلافتك، فسكن غضبه وأمسك عن ذلك الأمر. وحدّثني الحسن بن علي الحرمازي قال: نظر المنصور إلى بعض القضاة، وبين عينيه سجّادة فقال له: لئن كنت أردت الله بالسجود فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وان كنت إنما أردتنا بهذه السجادة فينبغي لنا أن نحترس منك. وحدّثنا أبو مسعود الكوفي قال: كان يحيى بن عروة رضيع المنصور، وهو مولى لهم، فصيره أبو جعفر على ثقله عام حجّ، فلما دعا عبد الله بن علي إلى نفسه حمل ثقل أبي جعفر وجواريه وصار إلى عبد الله بن علي، فلما هرب استخفى يحيى، ثم ظفر به المنصور، فقطع بالسيوف. حدّثني أبو مسعود الكوفي قال: كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام، وكانت أجمل الناس، وكانت إذا رأت أم حكيم بنت يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص امرأة هشام أيضا عنده قالت لها: كيف أنت يا أمه؟ فيضحك هشام من قولها ويعجبه ظرفها، وأم حكيم هذه التي يقول فيها الوليد بن يزيد: علّلاني بعاتقات الكروم … واسقياني بكأس أمّ حكيم (¬١) فلما صار عبد الله بن علي إلى الشام خطب عبدة، فأبت عليه التزويج فأمر بها فبقر بطنها، فكان المنصور إذا ذكر فعله بها لعنه. قال: وجعلت عبدة حين أتي بها ليبقر بطنها وتقتل تنشد: فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • KadhdhabKadhdhab

    موسى بن محمد، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزيّة الفاجعة، وبارك له في العطية الفاضلة، فلا مصيبة أجلّ من مصيبته ولا عقبى أحسن من عقباه، ورحم الله أبا العباس وغفر له وضاعف له حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام، أعمله بعدل، وأقومه بحق، وأنظره لعامّة، وأحناه على خاصة بمنّه وقدرته، وقد دعوت الناس إلى بيعتك يا أمير المؤمنين، فسار

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو جعفر وهو

    وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور:

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253595
Book record
shamela-9773
Source record
336419
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور: — shamela-9773 · Hadith Research Library