page 1535, entry [305]Open original source
أمر أبي سلمة قال ابن القتّات: قال المنصور: دعاني أبو العباس فذاكرني أمر أبي سلمة، فقال: والله ما أدري لعل الذي كان منه عن رأي أبي مسلم وما لها غيرك، اخرج إلى أبي مسلم مهنّئا بما وهب الله لنا، وبنجح سعيه فيما قام به من أمرنا، وخذ البيعة عليه وأعلمه بما كان من أمر أبي سلمة، واعرف رأيه، وعرّفه الذي نحن عليه من شكره ومعرفة حقّه. قال: فخرجت إلى خراسان ومعي ثلاثون رجلا منهم إسحاق بن الفضل الهاشمي والحجاج بن أرطاة ونحن على وجل، فلما شارفت مرو تلقاني أبو مسلم فلما دنا مني نزل وقبّل يدي، فقلت: اركب، فركب وقدمت مرو فنزلت دارا، ومكث ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي: ما أقدمك يا أبا جعفر؟ فأخبرته، فقال: قد تقدّمت بيعتي وأخذتها لأمير المؤمنين قبل قدومك عليّ ولكني أماسحك له، فماسحني، ثم قال: أفعلها أبو سلمة؟ قلت: قد فعلها، فقال: اكفيكموه، ودعا بمرار بن أنس الضبي فقال: انطلق إلى حفص بن سليمان بالكوفة فاقتله حيث لقيته، فقدم مرار الكوفة، وكان أبوسلمة يسمر عند أبي العباس فقعد له بعض الليالي على طريقه فلما خرج قتله، فقالوا: قتلته الخوارج. وكان أبو جعفر يأتي دهليز أبي مسلم فيجلس فيه ويستأذن له الحاجب، ثم أمره بعد ذلك أن يرفع له الستور إذا جاء ويفتح له الأبواب. وحدثنا ابن القتّات عن إسحاق بن عيسى قال: أراد أبو العباس قتل أبي سلمة فقال له عمه داود بن علي: لا تتولّ قتله فتخبث نفس أبي مسلم ويحتج بذلك عليك، ولكن اكتب إليه فليوجّه من يقتله، ففعل. وقال أبو اللفائف الأسدي: ويح من كان مذ ثلاثون حولا … يبتغي حتف نفسه غير آل لم يزل ذاك داب كفيّه حتى … عضّه حدّ صارم في القذال كاده الهاشمي منه بكيد … حيلة غير حيلة الخلال وحدثني أبو مسعود عن المفضل الضبيّ قال: كتب أبو العباس بخطه أو بإملائه إلى أبي مسلم كتابا مع أبي جعفر حين وجّهه إلى خراسان: «إنه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينا، وإن أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان لك وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك». فلما قرأ أبو مسلم الكتاب وجّه مرار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه، وكتب: «إنه لا يتم إحسان أحد حتى لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قلبت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له»، فقتل مرار أبا سلمة غيلة، فقيل قتلته الخوارج، وأمر أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بالصّلاة عليه.وقال الهيثم بن عدي: كان أبو مسلم يكتب إلى أبي سلمة: «لوزير آل محمد من عبد الرحمن بن مسلم أمين آل محمد». فكتب أبو العباس إلى أبي مسلم يعلمه الذي كان من تدبيره في صرف الأمر عنه ونكث بيعة الإمام، فكتب أبو مسلم يشير بقتله، فكتب إليه: «أنت أولى بالحكم فيه فابعث من يقتله»، فوجّه مرار بن أنس الضبيّ فلقيه ليلا فأنزله عن دابته ثم ضرب عنقه، ثم جمع أبو الجهم بن عطية، وكان عينا لأبي مسلم، يكتب إليه بالأخبار، جميع القواد، فقال: إن حفصا كان غاشا لله ورسوله والأئمة فالعنوه، فلعن. فقال سليمان بن مهاجر البجلي: إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا قالوا: وقال المنصور حين قتل أبو سلمة: دوي العبد وأصاب أمير المؤمنين دواه. وقال عبد الله بن علي حين بلغه قتله: كلب أصابه قدر فطاح. قال: وسمع أبو العباس الصراخ على أبي سلمة فتمثل قول الشاعر: أفي أن أحشّ الحرب فيمن يحشّها … ألام وفي ان لا اقر المخاويا ألم آل نارا يتقي الناس حرّها … فترهبني إن لم تكن لي راجيا وكان بقاء أبي سلمة في الدولة ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر. أعطى أبو العباس محمد بن خالد بن عبد الله القسري ضياع أبيه، فأعطى محمد ولد أخيه يزيد نصفها، فقال له أبو العباس: إنا إنما سلّمنا هذه الضياع إليك لبلائك ومخاطرتك بنفسك ولم نعطك إياها لتقسمها بينك وبين ورثة أبيك. قال: وقال قوم إنما أعطاه نصف ضياع أبيه، فقال له داود بنعلي: ما جزاؤه معما فعل إلا أن تعطيه إياها كملا، فقد أحسن وأجمل، فأعطاه جميعها. وقال المدائني: حصر عبد الله بن علي إسحاق بن مسلم العقيلي بسميساط، أو بسروج، أو غيرها أيام ولايته لأبي العباس، فقال: إن في عنقي بيعة فأنا لا أنكثها ولا أزال متمسكا بها حتى أعلم أن صاحبها قد هلك، فقال له عبد الله: إن مروان قد قتل، فلما تيقن ذلك طلب الصلح والأمان فأومن وحمل إلى أبي العباس فكان أثيرا عنده وعند المنصور. وكانوا ينسبونه إلى الوفاء وكان فيه جفاء يدارى له، فلما خالف عبد الله بن علي أبا جعفر وصار بكار بن مسلم معه فكان أشد الناس على أهل خراسان قال أبو جعفر: يا إسحاق ألا تكفينا أخاك؟! قال: اكفني عمك حتى أكفيك أخي، فضحك لقوله. قالوا: وكان أبو نخيلة (¬١) يوما عند أبي العباس وإسحاق بن مسلم حاضر، وذلك بعد قتل ابن هبيرة وهدم مدينة واسط وبناء أبي العباس مدينته بالأنبار، فأنشده: أصبحت الأنبار دارا تعمر … وخرجت من النفاق أدور حمص وقنّسرينها وتدمر … أين أبو الورد وأين الكوثر وأين مروان وأين الأشقر … وأين أجساد رجال قبرواهيهات لا نصر لمن لا ينصر … وواسط لم يبق إلا القرقر (¬١) بها وإلاّ الديدبان الأخضر … منازل كانت بهنّ العهّر (¬٢) فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول، فقال المنصور: إنما أنت يا أبا نخيلة مع كل ريح، وكان في إسحاق جفاء، وأمر أبو العباس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم. وحدثنا المدائني قال: جلس أبو العباس للناس ذات يوم، فقام رجل فذمّ أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا بن الزانية، فقال زياد بن عبيد الله: خذ للرجل بحقه يا أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: أترى قيسا ترضى بأن يضرب سيدها حدّا؟ لو دعوته بالبينة لجاء مائة من قيس يشهدون أن القول قوله، فترك الرجل مطالبته.