page 1523, entry [304]Open original source
أمر ابن هبيرة ومقتله قالوا: ووجه أبو سلمة: الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وقد تحصّن بواسط فحاصره، وكتب أبو سلمة إلى أبي نصر مالك بن الهيثم وهو بسجستان من قبل أبي مسلم يأمره بالمصير إلى البصرة، فلما قدمها وجد عليها سفيان بن معاوية قد سوّد بها ودعا إلى بني هاشم، فكتب أبو سلمة إلى نصر يأمره بالمصير إلى الحسن بواسط ففعل، وواقع الحسن ابن هبيرة فهزم أهل الشام وغرق منهم خلق، ثم واقعهم أيضا فهزمهم ابن هبيرة، وقاتل عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة قتالا شديدا، وثاب الناس فهزم ابن هبيرة. ثم إن أبا العباس رأى توجيه أبي جعفر المنصور إلى واسط، وذلك أن قوما من أهل خراسان كان في أنفسهم على الحسن أشياء فكرهوه، وسألوا أبا العباس أن يوجه مكانه رجلا من أهل بيته ليسكنوا إليه ويقاتلوا معه، فلما قدم المنصور واسطا تحول له الحسن بن قحطبة عن مضربه. وكتب أبو العباس إلى الحسن: إنما وجهت أخي إلى ما قبلك ليسكن الناس إليه ويثق ابن هبيرة بأمانه إن طلب الأمان، وأنت على أمرك وجيشك والتدبير لك.ثم التقوا وأهل الشام، فانهزم أهل الشام، وثبت معن بن زائدة الشيباني، وكان مع ابن هبيرة فقاتل، وترجل أبو نصر مالك بن الهيثم ثم افترقوا. ومكثوا أياما، فخرج معن بن زائدة، ومحمد بن نباتة بن حنظلة، فقاتلوا أهل خراسان فهزموهم إلى دجلة، فقال لهم أبو نصر: يا أهل خراسان، ويلكم إلى أين تفرون؟ إن الموت بالسيف خير منه غرقا، فثابوا وحملوا فهزموا أهل الشام، فكانوا على ذلك أحد عشر شهرا، فلما طال عليهم الحصار وجاءهم قتل مروان ببوصير من أرض مصر طلبوا الصلح، وأتاهم اسماعيل بن عبد الله القسري فقال: علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان! فطلب معن بن زائدة الأمان فأمنه المنصور، ثم طلب ابن هبيرة الأمان فأمنه المنصور أيضا، وكتب له كتابا، واشترط عليه أنه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسط يغدو ويروح إلى المنصور في جماعة كثيرة، ويتغدّى عنده ويتعشّى إذا حضر في وقت غذائه وعشائه، وهو في ذلك يدسّ إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وغيره، ويهمّ بالدعاء لآل أبي طالب وخلع أبي العباس، فتيقن أبو العباس ذلك من أمره. وكان أبو مسلم يكتب إليه فيشير عليه بقتله، ويقول: إن الطريق إذا كثرت حجارته فسد، وصعب سلوكه، فكتب أبو العباس إلى أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، فأبى ذلك وكرهه للذي أعطاه من الأمان. فكتب إليه: إن هذا الرجل قد غدر ونكث وهو يريد بنا العظمى، وما لكتاب عبد الرحمن فيه اقتله ولكن لما أبان لي من نكثه وفجوره، فلا تراجعني في أمره فقد أحلّ لنا دمه. فأمر المنصور الحسن بن قحطبة بأن يقتله فأبى. فقال خازم بن خزيمة: أنا أقتله، وساعده على ذلك الاغلب بن سالمالتميمي، والهيثم بن شعبة وغيرهما، فداروا في القصر ثم دخلوا على ابن هبيرة وعليه قميص مصريّ وملاءة مورّدة أو صفراء، ومعه ابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب في عدة من مواليه، وكان قد دعا بحجام ليحتجم، فلما رآهم مقبلين خرّ ساجدا فضرب بالسيوف حتى مات، وقتل ابنه ومن كان معه، وأراد عمر بن أيوب الخروج فقتل، ويقال إنهم جرّوه برجله حتى أنزلوه عن فراشه ثم قتلوه، وجاؤوا برأسه ورؤوس من كان معه إلى المنصور. وأخذ عثمان بن نهيك سيف حوثرة بن سهيل فضرب به عنقه، وفعل بمحمد بن نباتة مثل ذلك، وفعل بيحيى بن حضين بن المنذر مثل ذلك. وكان معن بن زائدة الشيباني قد وفد إلى أبي العباس ببيعة ابن هبيرة، وأقام بالكوفة، فقتل ابن هبيرة وهو بالكوفة فسلم. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان ابن هبيرة إذا رأى وهنا وضعفا من أمره أنشد: والثوب إن أسرع فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع كنا نداريها فقد مزّقت … واتسع الخرق على الراقع قال الهيثم: وكان زياد بن صالح الحارثي مع ابن هبيرة، فكتب إليه أبو العباس: ان لك قرابة وحقا، وأرغبه فخرج إليه، فانكسر ابن هبيرة وطلب الأمان. قال الهيثم: لما أو من ابن هبيرة ونزل بواسط كتب ابو مسلم: انه قلّ طريق سهل فيه حجارة إلا أضرّت بأهله، ولا يصلح والله لكم أمر دونه ابن هبيرة فاقتلوه عاجلا فلست آمن ان يكيدكم، فوجّه ابو العباس رسولا إلى المنصور بكتاب منه يعزم عليه فيه ليقتلنّه، فوجه المنصور أبا خزيمة والهيثم بنشعبة والاغلب بن سالم وسليمان بن سلام الحاجب في جماعة فدخلوا رحبة القصر وارسلوا إلى ابن هبيرة، انا نريد حمل ما في الخزائن، فقال: افعلوا، فدخلوا الخزائن فوكلوا بكل باب خزانة جماعة ودخلوا عليه فقتلوه، ونادى منادي المنصور: أمن خلق الله إلاّ عمر بن ذر، والحكم بن بشر، وخالد بن سلمة المخزومي، وقتل من وجوه أصحاب ابن هبيرة خمسون رجلا، ونودي: يا أهل الشام الحقوا بشامكم، فاشهدوا أسماءكم هناك، ووجّه الى المثنى بن يزيد بن عمر أبا حمّاد الابرص، وهو إبراهيم بن حسّان، فقتله ويقال إن داود بن علي وجّهه، واستخلف أبو جعفر بواسط الهيثم بن زياد الخزاعي، وانصرف هو والحسن ومن معهم إلى أبي العباس. قال أبو عطاء السندي يرثي ابن هبيرة: ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط … عليك بجاري دمعها لجمود عشيّة قام النائحات وصفّقت … جيوب بأيدي مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما … اقام به بعد الوفود وفود يقولون لا تبعد على متعهد … بلى كلّ من تحت التراب بعيد أبو الحسن المدائني عن مسلم بن المغيرة قال: كنت مع أبي أيوب الخوزى في عسكر أبي جعفر، وكان لأبي جعفر بيت قد بني له ومضربه يحيط به وكان في ستارة المضرب خلل، فكنت أنظر منه فرأيت الحسن بن قحطبة إلى جانب المنصور يحدثه، ثم دعا بحوثرة بن سهيل فجاء عثمان فأخذ سيفه فأراد أن يتكلم ثم سكت فأدخل البيت وأغلق عليه، ثم خرج سلام صاحب أبي جعفر فدعا بمحمد بن نباتة فصنع به مثل ذلك، ثم خرج فقال: أين يحيى بن الحضين؟ ثم دعي ببشر بن عبد الملك بن بشر، أو قالبالحكم بن عبد الملك، فقام ومعه أخوه أبان فقال: ما فرق بيني وبينه شيء قط، فقال له سلام: اجلس فانما نفعل ما نؤمر به فجلس، ثم دعا بخالد بن سنان المرّي وكان على شرطة ابن هبيرة، ثم قتل خالد بن سلمة المخزومي، وابنه، ثم قتل حرب بن قطن الهلالي، ثم خرج سلام فقال للناس: انصرفوا. قال مسلم بن المغيرة: فسألت عثمان بن نهيك عن السبعة النفر، فقال: أما حوثرة فإني أدخلت السيف بين ضلعين من أضلاعه وقلت: يا عدو الله أنت الكاتب إلى مروان إنّ الله مخزيهم، ثم لم يرضك إلاّ شتمنا! ولم يكن في القوم أجزع من ابن نباتة، كان يصيح كما يصيح الصبيان على شجاعته وبأسه، وأما خالد بن سنان فقال: يا مجوس قتلتمونا غدرا، والله لقد قتلنا سيدكم قحطبة، وقتل مع ابن هبيرة رباح بن أبي عمارة مولى هشام، وكان هشام اشتراه بعشرة آلاف فأعتقه، فلما جرى الصلح بين ابن هبيرة وبين أبي جعفر قال له أبو جعفر: أعربي أم مولى؟ قال: ان كانت العربية لسانا فقد نطقنا بها، وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه، فاستبرعه فسأل عنه فقيل قتل، ويقال إنه أمر أن يستبقى فعجل عليه، وهرب ابن علاثة، وهشام بن هشيم بن صفوان الفزاريان فلحقا فقتلا على الفرات، وقتل أبو عثمان الحاجب وهو يتغدى بلحم بقر، دعا به خازم فضرب وسطه. وقتل الحكم بن عبد الملك أخو بشر بن عبد الملك وابنان له، وقيل إنه هرب، وأبو علاثة الفزاري وكان على حلوان، ويوسف بن محمد بن القاسم الثقفي. ودعي بحرب بن قطن فطلب فيه الحسن بن قحطبة وقال:خالكم، فقال أبو جعفر: إن أمير المؤمنين كتب يؤمنك لرحمك وحقن دمك. قال بعض الرواة: قام سعد الموصلي - ويقال سعيد - خليفة عثمان الحاجب دون ابن هبيرة فقال: وراءكم، فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقام داود دون أبيه فقتل. قالوا: وكان عمر بن ذر يقول: ضاقت عليّ الأرض، فخرجت على دابتي أقرأ آية الكرسي فما عرض لي أحد، فاستأمن لي زياد بن عبيد الله الحارثي فآمنني أبو العباس، وكان عمر يقص ويحرّض على المسوّدة. وكان أبو جعفر قد آمن خالد بن سلمة، فقال أبو العباس، لو كانت له ألف نفس لأتيت عليه، فقتله. قالوا: وكان خازم يقول: والله ما بدرت إلى قتل ابن هبيرة إلاّ مخافة أن يدفع الى رجل من اليمانية فيفخر علينا بقتله،. وطلب سليمان بن علي الأمان لعقال بن شبة بن عقال المجاشعي، فأمنوه فذكر بني العباس ففضّلهم وذمّ بني أمية وتنقصهم، وتكلم ثمامة بن الرحيل الحنفي، وكان خطيبا، فقال: ألا ليت أم الجهم سقيا لذكرها … ترى حيث قمنا بالفراق مقامي عشية بذّ الناس جهدي ومنظري … وبذّ كلام الناطقين كلامي وحدثت ان ابن هبيرة لما بنى مدينته همّ بأن يسميها الجامعة، فقال له سلم بن قتيبة، وهو يومئذ معه: أرأيت إن قيل أين الامير، أيقال في الجامعة؟ فتطيّر فسماها المحفوظة، فلما قدم أبو العباس سماها الهاشمية وأتم بناءها.قالوا: وكان يزيد سخيا وكان يطعم الناس طعاما واسعا ويؤتون قبل الطعام بعساس اللبن وبأنواع الأشربة. وكان جلساؤه وسمّاره داود بن أبي هند، وابن شبرمة وابن ابي ليلى، فقال ابن شبرمة: اذا نحن أعتمنا وماد بنا الكرى … أتانا باحدى الركعتين عياض يعني حاجبه. وكان يقضي في كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبح أنفذها. وكان ربما لحن في كلامه، فقال له سلم بن قتيبة في ذلك فتحفظ. حدثنا المدائني قال: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إن أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم، وخالفوهم في الفعل، ورأيهم في آل علي الرأي الذي يعلمه أمير المؤمنين، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم إياهم واطماعهم فيما ليس لهم، فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ولا تؤهلهم لجوارك فليست دارهم لك بدار، واشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو من ذلك، فابتنى مدينته بالأنبار وتحول إليها وبها توفي. وأخذ يوما بيد عبد الله بن حسن فجعل يطوف به فيها وكان له مكرما، وكان ذلك لا يمنعه من حسد، فجعل يتمثل قول الشاعر: ألم تر حوشبا أضحى يبنّي … منازل نفعها لبني بقيله يؤمّل أن يعمّر عمر نوح … وأمر الله يأتي كل ليله فتطيّر أبو العباس وقال: أفّ، لقلّ ما يملك الحسود نفسه ولسانه، فقال عبد الله: اقلني، فقال: لا أقالني الله إذا، اخرج عني، فخرج إلى المدينة. ويقال إنه أنشد هذا الشعر، وقد طوّفه الهاشمية حين استتمّ بناءها.قالوا: واستعمل أبو العباس أبا جعفر المنصور على: الجزيرة، وأرمينية، وأذربيجان، في ذي العقدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وولى يحيى بن محمد بن علي الموصل، فقدم ابو جعفر قرقيسيا وعليها المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، فدعاه إلى الطاعة فأبى، فخلّف عليها مالك بن الهيثم فقتل المنذر وصلبه وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وفي تلك السنة ولد عبد الله بن مالك. ومضى المنصور إلى الرقة فدعاهم فلم يجيبوه، فخلف عليها موسى بن كعب ففتحها وغلب عليها، وسار المنصور في مدن الجزيرة يصالح من دخل في طاعته، ويخلّف على من التوى عليه حتى فتحها، فكان ممن صالح أهل الرها، وأهل نصبين، وأهل دارا. قالوا: وخرج على أبي العباس، والمنصور عامله على الجزيرة، قوم من الخوارج وأميرهم بكر بن حميد الشيباني، فوجه إليهم محقن بن غزوان فهزموهم فأتى رأس عين، وبلغ ذلك أبا جعفر فوجه اليهم مقاتل بن حكيم العكّي، وأتبعه أبو جعفر من كفرتوثى، إلى بعض قرى دارا، فالتقوا فقتل محمد بن سعيد خدينة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكان مع الخوارج، وانهزمت الخوارج؛ واعتصم بكر بجبل دارا، فتوجه اليه العكي فقتله. وأمر أبو جعفر بهدم مدائن الجزيرة إلا حرّان، واستعمل على أرمينية يزيد بن أسيد بن زافر السّلمي، ثم شخص أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوخّها، واستأمن إليه جماعة كانوا في قلعة الكلاب، وقفل منها سنة ست وثلاثين ومائة؛ وعزل يزيد بن أسيد، وولّى أرمينية الحسن بن قحطبة.وقال الهيثم بن عدي: وجّه أبو العباس حين استخلف أبا جعفر في ثلاثين من بني هاشم والفقهاء فيهم الحجاج بن أرطاة، إلى أبي مسلم ليهنؤوه بظهور الإمام وما فتح الله على يديه، ويعلموه ما كان له من الأثر الجميل عند أمير المؤمنين والذي هو عليه من شكره، فلما قدم عليه ابو جعفر وقف على بابه محجوبا ساعات. ثم أذن له ولم يظهر له من التبجيل ما كان يستحقه ولم يؤمّره، فحقد عليه، فلما قدم على أبي العباس قال: إنه لا ملك ولا سلطان حتى تقتل أبا مسلم فقد أفرط في الدالّة وعدا طوره، فأشار إليه أن أسكت. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن علي عن المنصور، حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم بن عدي وغيره قال: أرسل يزيد بن عمر بن هبيرة وهو محصور بواسط إلى المنصور وهو بإزائه: «إني خارج اليك يوم كذا وداعيك الى المبارزة فقد بلغني تجبينك إيّاي»، فكتب إليه المنصور: «يا بن هبيرة إنك امرؤ متعدّ لطورك جار في عنان غيّك، يعدك الشّيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، أفصح رويدا تتمّ الكلمة ويبلغ الكتاب أجله وقد ضرّيت لي، مثلي ومثلك أن أسدا لقي خنزيرا فقال الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك قيل قتل خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة عليّ وإن قلّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت فأعلمت السباع أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربيبدمك»، ولم يمكث ابن هبيرة بعد ذلك إلاّ أيّاما حتى طلب الأمان وضرع إليه. حدثني المدائني قال: قال بعض أهل خراسان لبعض الفزاريين: ما كان أعظم رأس صاحبكم؟! فقال: أمانكم له كان أعظم. وقال أبو الحسن: حصره أبو جعفر تسعة أشهر، ولما قتل أخرج إلى باب المضمار بواسط فصبّ النّفط على جثته وأحرق، وأمر أبو جعفر بهدم مدينة واسط، وقال: حصر ابن هبيرة وما في رأسه بيضاء، فما قتل إلا وقد شاب. قالوا: وكان ابن هبيرة يقول حين حصر: والله لو كان أبو جعفر أعزّ من كليب وائل ما قدر عليّ، ولو كان أشجع من شبيب ما هبته. وقال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: كيف رأيت صنيعي بابن هبيرة؟ قال: تغرير وقد سلّم الله، كنت في خرق وحولك من يطيعه ويموت دونه ويتعصب له من قيس وغيرها، فلو ثاروا لذهب الناس ولكنّ أمركم جديد والناس بين راج وهائب. وقال هشام: خرج ابن هبيرة حين خرج إلى أبي جعفر في جماعة، فيهم جعفر بن حنظلة البهراني، فألقى له الحاجب وسادة وقال: اجلس راشدا يا أبا خالد، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له فدخل على أبي جعفر فالقيت له وسادة فحدّث أبا جعفر ساعة، وكان يركب في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم: ما ذهب سلطان ابن هبيرة بعد، إنه ليأتينا فيتضعضع له العسكر، فليت شعري ما يقول في هذا عبد الجبار وجهور بن مرّار وأشباههم؟! فقال سلاّملابن هبيرة: يقول لك الأمير لا تسر في هذه الجماعة، فلما ركب ركب في ثلاثين، فقال سلام: كأنك تريد المباهاة؟! فقال: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا، فقال: ما هذا باستخفاف ولكن أهل العسكر كرهوا هذا الجمع، فأمر الأمير بهذا نظرا لك، فكان يركب في رجلين وغلامه، وختمت خزانته وبيت ماله ودار الرزق وفيها طعام كثير، وعزم أبو العباس على قتله ووجد له كتاب إلى عبد الله بن حسن، فأمر أبو جعفر عثمان بن نهيك بقتله، فقال: ليقتله رجل من العرب، فندب له خازما، والأغلب، والهيثم بن شعبة. قالوا: وسأل المنصور ابن هبيرة عن أدم كان قسمه، فقال: أيها الرجل توسّع توسّعا قرشيا ولا تضق ضيقا حجازيا فما مثلي يسأل عن أدم ولا يعاتب عليه، وهذا ضرب أخماس لأسداس، وقال له المنصور يوما: يا أبا خالد حدّثنا، فقال: والله لأمحضنك النصيحة إمحاضا، ولأخلصنها لك إخلاصا، إنّ عهد الله لا ينكث وعقده لا يحلّ، وإن امارتكم حديثة، وخلافتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنّبوهم مرارتها، ثم نهض ونهض معه سبعمائة من القيسية، فقال المنصور: لا يعزّ ملك هذا فيه. المدائني عن أبي عمرو القرشي قال: دخل ابن هبيرة على أبي جعفر فجعل يحدّثه وأبو جعفر مزورّ عنه، فجعل ابن هبيرة يقول: عليّ، فأقبل أيها الرجل، فلما خرج قال أبو جعفر، ألا تعجبون من ابن اللخناء وقوله لي.حدثني ابن القتّات قال: قال أبو جعفر لسلم بن قتيبة: ما كلمت عربيا قط أعظم نخوة من ابن هبيرة ولا أحسن عقلا، قال لي يوما وهو يكلمني: اسمع لله أبوك، ثم تداركها فقال: إن عهدنا بالإمرة والولاية قريب فلا تلمني فإنها خرجت مني على غير تقدير فاغفرها، فقلت: قد غفرتها.