page 1293, entry [267]Open original source
أمر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈. كان زيد بن علي لسنا خطيبا دخل على هشام بن عبد الملك فقال: إنه ليس أحد بدون أن يوصي بتقوى الله ولا أحد فوق أن يوصى بها. وأقام قبله في خصومة فلما شخص عن بابه كتب إلى عامله على المدينة: «أما بعد فإن زيد بن علي قدم عليّ فرأيته رجلا حوّلا قلّبا خليقا بصوغ الكلام وتمويهه»، وأمره بتفقده والإشراف عليه وحذّره إياه. وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه قال: نازع محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عبد الله بن حسن بن حسن في صدقة علي بن أبي طالب، فوكل محمد أخاه زيد بن علي بالخصومة فكان محمد وعبد الله يتنازعان عند عامل المدينة ابراهيم بن هشام، فقال عبد الله لزيد، وكانت أمه سندية: يا بن السندية الساحرة، أتطمع في الخلافة؟ فانصرف زيد فدخل على عمته فاطمة بنت الحسين بن علي وهي أم عبد الله بن حسن، وأخويه ابراهيم، وحسن بن حسن بن حسن، فشكا فبكى إليها فقالت: إن سبّ أمك فسبّني. فعاد للخصومة فعاد له عبد الله فشتم أمه فقال لهزيد: أو تذكر عبد الله بن الضحاك بن قيس حين كانت أمك تبعث إليه بالعلك الأحمر والأخضر والأصفر فتجيئه فتقول له: فمك. فإذا فتح فاه طرحته فيه، فأخبرها بنوها عبد الله، وحسن، وابراهيم بنو حسن بن حسن بن علي بقول زيد، فغضبت وقالت: كنتم أحداثا فكنت أداريه وأمنّيه أتزوجه لأنه كان يتوعدني إن لم أفعل، حتى كتبت الى يزيد بن عبد الملك فعزله. قال: وشخص ولد الحسن بن علي والحسين إلى هشام بسبب هذه المنازعة، فاجتمع زيد بن علي وحسن بن حسن عنده، فأعان عمر بن علي زيدا على حسن، فقال هشام لعمر: كيف لا تطلب القيام بهذه الصدقة لنفسك؟ فقال حسن: يمنعه من ذلك «خولة والرباب» جرّتاه اللتان كان ينتبذ فيهما، فصبّ أبان بن عثمان ما فيهما على رأسه وهو والي المدينة، وروى بعضهم أن زيدا رأى في منامه أنه أضرم بالعراق نارا ثم أطفأها، فقصها على يحيى ابنه وقد راعته، وورد عليه كتاب هشام في القدوم عليه، فلما أتاه قال له: إلحق بأميرك يوسف بن عمر. فقدم عليه وحذره إياه. المدائني عن ابن جعدبة قال: كان جعفر بن حسن بن الحسن بن علي من رجال بني هاشم، فاختصم ولد الحسن والحسين في وصية علي فقال كل قوم: فينا. فكان زيد يخاصم لولد الحسين، وكان جعفر يخاصم لولد الحسن. المدائني عن جويرية بن أسماء قال: تنازع ولد الحسن والحسين في أموال علي فكان القائم بأمر ولد الحسين زيد، والذي يقوم بأمر ولد الحسنجعفر بن الحسن بن الحسن بن علي، فكانا يختصمان. ثم مات جعفر بن الحسن بن الحسن فقام مقامه عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم جرى بين زيد وخالد (¬١) كلام بالكوفة فخرج هو وعبد الله بن الحسن وعمر بن علي بن أبي طالب ومحمد بن عمر إلى هشام فلما عذب يوسف بن عمر طارقا غلام خالد بن عبد الله القسري، ادعى أن له عند زيد بن علي وعمر، ومحمد بن عمر، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس مالا - وكان داود مع خالد بن عبد الله في أصحابه - وعند أيوب بن سلمة المخزومي ودائع وأموالا فكتب يوسف بذلك إلى هشام فحملهم هشام إليه ولم يحمل المخزومي لأن مخزوما أخواله. وكان عمر مسنا فأمر بالرفق به، وكتب هشام الى يوسف: إن ثبت عليهم حق فخذهم به وإلا فلا تطالبهم بشيء، وسرح هشام معهم رجلا، فلما جمع بينهم وبين طارق قال: إنما التمست أن يكفّ عني العذاب الى أن يذهب الرسول ويحملوا. وما لخالد قبلهم شيء. وقال عمر بن علي: كيف يودعنا من كان يلعننا؟ فخلى سبيلهم، فخرج محمد بن عمر وداود بن علي الى المدينة، وخرج زيد معهما، فاتبعه قوم من أهل الكوفة فدعوه الى أن يبايعوه، فرجع وأقام بالكوفة، فبلغ يوسف أمره فقال: لا أصدق به. لقد كلمت زيدا فرأيت ثمّ نبلا وعقلا ولم يكن ليفسد نفسه. وبلغ هشاما مكان زيد بالكوفة وأنه يدعو الناس، فكتب الىيوسف: أن أحبس الناس في المسجد واحلفهم رجلا رجلا على خبره وأمره حتى تتيقّنه. فلما اجتمعوا سد الأبواب إلا باب الفيل وحده وأحلف الناس وبحثهم عن أمر زيد، ثم إن زيدا قتل فبعث يوسف برأسه الى هشام فنصبه هشام بدمشق، فقال بعض الشعراء صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة … وما كان مهديّ على الجذع يصلب فلما ظهر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على الشام أخذ ذلك الشاعر فجعل يضرب رأسه بعمود بيده حتى نثر دماغه، وأمر فأحرق بالنار. قال وقال الكميت بن زيد الأسدي: دعاني ابن الرسول فلم أجبه … أيا لهفي على القلب الفروق حذار منيّة لا بدّ منها … وهل دون المنية من طريق وقال أيضا: دعاني ابن الرسول فلم أجبه … فلهفي اليوم للرأي الغبين فواندمي على أن لا أكن عاضدت زيدا (¬١) … حفاظا لابن آمنة الأمين وقال الشاعر حين أشخص ريد وداود: يأمن الظبي والحمام ولا يأ … من أهل النبي عند المقام طبت بيتا وطاب أهلك أهلا … أهل بيت النبيّ والإسلام حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف، وقرأت على المدائني عن أشياخ ذكرهم، وأخبرني عبد الله بن صالح ﵀ عن عبثر بنالقاسم بن زبيد، وابن كناسة قالوا: كان زيد بن علي رضي الله تعالى عنه مع خالد بن عبد الله القسري في أصحابه في الكوفة، وخالد والي العراق. وكان داود بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله تعالى عنهم مع خالد أيضا، فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق مكان خالد بلغه أن خالدا أودع زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وداود بن علي بن عبد الله بن العباس مالا، فحلفا على ذلك فقبل يمينهما، وانصرفا إلى مكة فلقيهما نصر بن خزيمة العبسي فدعاهما الى الخروج فأجابه زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال داود لزيد: يا بن عم لا تفعل فإنهم يغرّونك ويسلمونك. قال عبد الله بن صالح في حديثه عن ابن كناسة، وأنشد داود: أنا ابن بجدتهم (¬١) … علما وتجربة فاسأل بسعد تجدني أعلم الناس قالوا: فقال زيد: يا بن عم، كم نصبر لهشام؟ قال داود: نصبر يا أبا الحسين حتى نجد الفرصة. فقال: يا بن عم من أحبّ الحياة ذلّ. ومضى داود لوجهه، ثم رجع الى الكوفة وقد صلب زيد فأراد انزاله فأدركته خيل يوسف فتركه، فقال له سلمة بن كهيل: إن أباك كان خيرا منك، وقد كان بايعه أكثر ممن بايعك، وكان اولئك خير من هؤلاء فامض لوجهك. فلما أتى الى اليمامة كتب هشام الى يوسف إن سلمة كان خيرا لك بالمصر من عشرة آلاف دارع، وقد كان ينبغي لك أن لا تحول بينه وبين الشخوص عن الكوفة.وقد قيل إنه بايعه هو وحجية بن الأجلح الكندي، وقتل حجية معه. عمرو بن محمد عن ابن ادريس عن ليث قال: جاء منصور الى زياد اليامي وهو يبكي ويقول: ابن بنت نبيكم فقال زياد: ما كنت لأخرج إلاّ مع نبي وما أنا بواجده فأمسك. المدائني عن أبي مخنف وغيره: ادعى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد جلده يوسف بن عمر وحلقه، مالا قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله، وسعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن سلمة بن الوليد المخزومي، دفعه أبوه إليهم، فكتب يوسف بن عمر فيهم إلى هشام بن عبد الملك، وزيد بن علي، ومحمد بن عمر يومئذ برصافة هشام (¬١) يخاصمان عبد الله بن حسن بن حسن بن علي في صدقة علي ووصيته، فلما ورد كتاب يوسف على هشام بعث إليهما فذكر لهما ما كتب به يوسف، فأنكرا، فأشخص زيدا ومحمدا إلى يوسف، وأمره أن ينظر فيما ادعى ابن خالد عليهما وعلى أصحابهما، فإن أقام البينة أشخصهم إليه، وإلاّ أخرجهم بعد العصر الى المسجد وأحلفهم على صدقهم، فإن حلفوا خلى سبيلهم. فقدم زيد بن علي الحيرة، فنزل بها على رجل يقال له عبد المسيح، فولد له غلام فسماه عيسى، وناظر يوسف زيدا ومحمد بن عمر وأصحابهما، فقال ابن خالد: ما لي قبلهم شيء، فقال يوسف: أبي كنت تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني استرحت إلى قولي، وقلت تمسك عن عذابي إلى أن تكتب بحمل من حمل.فعذبه حتى ظن أن قد قتله، ثم أخرج زيد وأصحابه إلى المسجد بعد العصر فحلفوا أنه ليس لخالد ولا ليزيد عندهم شيء، وغلّظ عليهم الأيمان وكتب بذلك إلى هشام، فأمره بتخلية سبيلهم وإشخاصهم إلى المدينة. وقد روي أن ابن داود، وزيدا، ومحمد بن عمر كانوا في عسكر هشام، وأن يوسف بن عمر حمل إليه باقيهم فأحلفهم فحلفوا فخلى سبيلهم. قالوا: ولقي زيد بن علي الأبرش الكلبي وهو خارج من عند هشام فقال: إنه والله ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا، فسمعها خادم لهشام، ويقال سمعها الأبرش فأبلغها الأبرش هشاما فاحتملها عليه وقال له: يا زيد أخرج إلى حيث شئت ولا تدخل الكوفة. قالوا: ولحق زيدا بعد شخوصه من الكوفة قوم من الشيعة فقالوا له: أنا نرجو أن تكون المنصور (¬١)، وأن يكون هذا الزمان زمان هلاك بني أمية، فقال له داود حين أراد المضي إلى الكوفة وقد أطّلع على أمره: يا أبا الحسين، إن أهل الكوفة أصحاب علي وأصحاب الحسين فاحذرهم، فلم يقبل ورجع إلى الكوفة مستترا. فقال له محمد بن عمر بن علي: قد صدقك ابن عمك فلا تخرج، فلما أبى مضى إلى المدينة وتركه. قالوا: ولما قدم زيد الكوفة أقبلت الشيعة تختلف إليه وأتته المحكّمة (¬٢) أيضا فبايعوه جميعا حتى أحصى في ديوانه خمسة عشر ألفا، ويقال، اثنا عشر ألفا من أهل الكوفة خاصة، سوى: أهل المدائن، والبصرة، وواسط،والموصل، وخراسان، والري، وجرجان، والجزيرة، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا، وأتى البصرة وأقام بها شهرين. وقد كان وجّه دعاته إلى الآفاق فأجابه ناس من أهل كل ناحية، وكان قد نزل بالكوفة في منزل مولى له يقال له حميد بن دينار في أحمس وفي منزل نصر بن خزيمة العبسي، فبلغ يوسف أنه بالكوفة في عبس فتحوّل إلى بارق فنزل فيهم في منزل نصر بن عبد الرحيم البارقي، ثم تحوّل إلى بني يربوع ثم إلى بني بكر بن وائل، وكتب إلى هلال بن خبّاب فأجابه. وكان إذا بويع قال: أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، وردّ المظالم وإقفال المجمّرة، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعون على هذا؟ فيبايعونه ويضع يده على يد الرجل، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه لتفينّ لنا، ولتنصحنا في السر والعلانية، والرخاء والشدة، والعسرة واليسرة، فيماسح على ذلك. وقرأت في كتاب سالم كاتب هشام كتابا نسخته:» أما بعد فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم، ونحلتهم إياهم عظيم ما هو كائن مما استأثر الله بعلمه دونهم حتى حملوه على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة، وقد قدم زيد بن علي على أمير المؤمنين في خصومه، فرأى رجلا جدلا لسنا حوّلا قلّبا، خليقا بصوغ الكلام وتمويهه واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وكثرة مخارجه في حججه، وبما يدلي به عند الخصام من العلوّ على الخصم بالقوة المؤدية إلى الفلج، فعجّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تدعه العام قبلكمن لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلي به من القرابة برسول الله، وجدهم سبيلا إليه غير متفرقين». وكتب زيد إلى أهل الآفاق كتبا يصف فيها جور بني أمية، وسوء سيرتهم، ويحضّهم على الجهاد ويدعوهم إليه، وقال: لا تقولوا خرجنا غضبا لكم، ولكن قولوا خرجنا غضبا لله ودينه. وبعث زيد بن علي عطاء بن مسلم وهو ابن اخت سالم بن أبي الجعد إلى زبيد اليامي يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أخبره أنّ نصرته حق وحظ، ولكني أخاف أن يخذل كما خذل جده الحسين. وبعث إلى أبي حنيفة فكاد يغشى عليه فرقا، وقال: من أتاه من الفقهاء؟ فقيل له: سلمة بن كهيل ويزيد بن أبي زياد، وهاشم البرند، وأبو هاشم الرماني وغيرهم. فقال: لست أقوى على الخروج، وبعث إليه بمال قواه به. وقد كان سلمة بن كهيل فيما يقال أشد الناس نهيا لزيد عن الخروج، ويقال: إنه بايعه. وبعث زيد إلى سليمان الأعمش فقال: قولوا له إني لا أثق لك بالقوم، ولو وثقت لك بثلاثمائة رجل منهم لغيّرنا لك جوانبها. وكتب إلى الزهري مع رسول له يدعوه إلى الجهاد معه، فقال: أما مادام هشام حيا فلا. فإن أخّرت الخروج إلى ولاية الوليد خرجت معك. وحدثنا يوسف بن محمد، ثنا حكام الرازي عن عنبسة قال: سمعت أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك ولا سعديك، تبايع رجلا من ولد رسول الله ثم تخذله، وكان ممن بايع زيدا.قالوا: وبلغ يوسف بن عمر بيعة من بايع من أهل واسط فحصّنها وتوثق من أبوابها واستدّ عليهم، وكذلك المدائن، وشحن واسطا بالخيول. وكان خليفته على الكوفة الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، فقدم يوسف الكوفة وصار إلى الحيرة فنزل بها، ولما رأى أصحاب زيد المبايعون أن يوسف بن عمر قد علم بأمر زيد وصحّ عنده خبره، وأنه يبحث عنه، ويفحص عن خبره، ويدس إليه، اجتمع إلى زيد جماعة منهم من الرؤساء، فقالوا: يرحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال: كنا أحقّ البريّة بسلطان رسول الله ﷺ فاستأثرا علينا، وقد وليا علينا وعلى الناس فلم يألوا عن العمل بالكتاب والسنّة، ففارقوه ورفضوا بيعته، وقالوا: إن أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين هو الإمام، وجعفر بن محمد إمامنا بعد أبيه، وهو أحق بها من زيد، وإن كان زيد أخاه، فسماهم زيد حين رفضوا بيعته: الرافضة. وقال لهم زيد: وجهوا إلى أبي جعفر رسولا، فإن أمركم بالخروج معي فاخرجوا، فاعتلّوا عليه، ثم قالوا: لو أمرنا بالخروج معك ما خرجنا لأنا نعلم أن ذلك تقية منه واستحياء منك. فقال: كفّوا أيديكم عني. وكان زيد يقول: رفضتني الرافضة كما رفضت الخوارج عليا. ويقال إن طائفة منهم قالوا لمحمد بن علي قبل خروج زيد: إن أخاك زيدا فينا يبايع، فقال بايعوه فهو اليوم أفضلنا، فلما قدم الكوفة كتموا زيدا ما سمعوا من أبي جعفر محمد بن علي أخيه. قالوا: وكتب عبد الله بن حسن إلى زيد: يا بن عم، إن أهل الكوفةقوم نفج (¬١) العلانية خور السريرة، هرج الرخاء جزع عند اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا تشايعهم قلوبهم لا يثوون بغناء فيرجون ولا يثبتون على عداوة فيخافون، ولقد تواترت إليّ كتبهم فصممت عن ندائهم وألبست قلبي غطاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم، وإنما هم كما قال عليّ رحمه الله تعالى: «إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن دعيتم إلى مشاقة أجبتم». وقال علي بن هاشم: إني سمعت زيدا يقول: البراءة من أبي بكر وعمر: البراءة من علي. قالوا: ولما استتبّ لزيد خروجه واعد أصحابه الزيدية الذين وافقوه على تولي أبي بكر وعمر ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، فخرج قبل الأجل، وذلك أنه بلغ يوسف بن عمر أمره، فأمر الحكم أن يجمع وجوه أهل الكوفة في المسجد الأعظم ثم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب ووجوه المقاتلة فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من وجوه العرب والموالي أدركناه في رحله الليلة فبرئت منه الذمة، إئتوا المسجد الأعظم. فأتوا المسجد وطلبوا زيدا في دار إسحاق بن معاوية الأنصاري ثم الأوسي وبلغهم أنه تحول إليها فلم يقدروا عليه وذلك لأنه هرب منها حين بلغه إقبالهم إليها لطلبه. وخرج ليلة الأربعاء لسبع ليال بقين من المحرم سنة إثنتين وعشرين ومائة في جماعة كانوا حوله، وآخرين بعث إليهم رسله فوافوه، وأمر فأشعلتالنيران في الجرادي، فكلما أكلت جرديا رفعوا آخر فلم يزالوا كذلك إلى طلوع الفجر، وكانت ليلة باردة فلم يتتامّ إليه فيها إلا أربعمائة، فقال: أين الناس، أتراهم تخلفوا للبرد؟ فقيل له: لا، ولكنهم جمعوا في المسجد وأغلقت الدروب ليقطعوا عنك. وقد ذكر بعض أهل الكوفة أنه اجتمع إلى زيد أربعة آلاف فلم يصبح إلا وهو في ثلاثمائة أو أقل منها. وقال أبو مخنف فيما حدثني به عباس بن هشام عن أبيه عنه أن زيدا أصبح في مائتين وثمانية عشر رجلا. وقال عوانة: أصبح في مائتين وخمسين. وقيل إن يوسف دس مملوكا خراسانيا ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم فأمره أن يلطأ لبعض الشيعة فيخبر أنه قدم من خراسان حبا لأهل البيت، وأن معه مالا يريد تقويتهم به، فلم يزل يتدسس حتى أدخل على زيد، ثم دل يوسف عليه، فوجه إليه الخيل فخرج زيد ونادى بشعاره، فخرج إليه أقل من ثلاثمائة، فقال: لا تبعد يا داود. قالوا: وكان زيد وجه القاسم بن عبد الله التنعي من حضر موت لينادي بشعار رسول الله ﷺ في الناس وهو: يا منصور أمت، وهو كان شعار زيد الذي واطأ عليه أصحابه، فلقيه جعفر بن عباس بن زيد الكندي فشد عليه وعلى أصحابه فقتل من أصحابه رجلا وارتثّ القاسم، فأتي به يوسف بن عمر فضرب عنقه على باب القصر، فأقبل نصر بن خزيمة العبسي يريد زيدا في جماعة من الزيدية، فلقيه خليفة الحكم بن الصلت فشد عليه نصر بن خزيمة فقتله وانهزم من كان معه.وندب يوسف بن عمر بن الحكم لمحاربة زيد عبيد الله بن عباس بن يزيد الكندي، والأصبغ بن ذؤالة بن لقيم بن لجأ بن حارثة بن زامل الكلبي، وبعث يوسف لمحاربته أيضا: الريان بن سليمة الأراشي من بلي في القيقانية وهم ألفان وثلاثمائة، وهم من أهل السند يقال إنهم بخارية، لقبوا القيقانية. فلما كان من الغد يوم الأربعاء عبأ زيد أصحابه وعليه درع تحت قباء أبيض ومعه سيف ودرقة فجعل على ميمنته نصر بن خزيمة، وعلى ميسرته معاوية بن إسحاق الأنصاري، ثم خطب فذكر أبا بكر وعمر فترحم عليهما، وذكر عثمان وما أحدث، وذمّ معاوية وبني أمية ثم انحاز إلى جبانة الصائديين (¬١) من همدان، وبها خمسمائة فارس من أهل الشام، فحمل عليهم فهزمهم، وكان على فرس له جواد، فوقف على باب رجل ممن بايعه يقال له أنس بن عمرو فناداه يا أنس، قد ﴿جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ﴾ (¬٢)، فلم يجبه ولم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلقكم أن تكونوا فعلتموها فالله حسبكم. ثم أتى زيد الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها فهزمهم وشلهم إلى المقبرة، ويوسف على تل مشرف ينظر إلى زيد وأصحابه وهو في مائتين فلو شاء قتل يوسف قتله، ولكنه صرف عنه. ودعا زيد الناس بالكناسة وناشدهم فلم يجبه إلا رجلان أو ثلاثة، فقال لنصر بن خزيمة: أراها والله حسينية، فقال نصر: إنما علي أن أضرب بسيفي حتى أموت. قالوا: وقال نصر لزيد إن الناس محصورون في المسجد فامض بناإليهم، فخرج زيد معه يريد المسجد، فمر على دار خالد بن عرفطة وبلغ عبيد الله بن عباس الكندي، وكان قائدا من قواد يوسف بالكوفة، إقباله فخرج إليه في أهل الشام الذي كانوا بالكوفة، وأقبل زيد إليه فالتقوا على باب عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري فكاع صاحب لواء عبيد الله، وهو مولى يقال له سلمان، فقال له: احمل يا بن الخبيثة، فحمل حتى انصرف وقد خضّب لواؤه. ويقال إنهم التقوا بجبانة السبيع. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: لما التقوا ضرب واصل الحناط الأحول عبيد الله بن عباس الكندي ضربة وقال: خذها وأنا الغلام الحناط. فقال: والله لأتركنك لا تكيل بقفيز بعدها، وحمل عليه فضربه، فلم يصنع شيئا وانهزم ابن عباس حتى انتهى الى دار عمرو بن حريث. وجاء زيد ومن معه إلى باب الفيل، وجعل نصر بن خزيمة ينادي: يا أهل المسجد اخرجوا من الذل إلى العز، ومن الضلالة إلى الهدى، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في واحد منهما. وأشرف أهل الشام عليهم يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد، وكانت بالكوفة يومئذ مناوشة في نواحيها، وكان منادي زيد ينادي بين يديه: من ألقى سلاحه فهو آمن. وأمر أصحابه أن ينادوا بذلك، وعرض نساء من نساء أهل الكوفة على زيد أن يخرجن فيقاتلن معه فقال: قرن في بيوتكنّ فو الله فما ترجى رجالكم فكيف النساء. ليس على النساء ولا على المرضى قتال. وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياشالهمداني قال: إني لواقف على رأس يوسف قبل قتل زيد إذ قال لي: يا بن عياش إن هذا الزاني ابن الزانية - يعني زيدا - قد خرج بأجمة سالم - وهو يريد جبانة سالم - فقلت: أصلح الله الأمير، أجمة سالم على خمسة عشر فرسخا من الكوفة وأكثر فلعله خرج بجبانة سالم. فقال: نعم ويحك. جبانة سالم. قال: وبلغني أن على شرطته نصر بن سيار، قلت: نصر بن خزيمة العبسي، قال: نعم. فوجّه رسولا يأتيه بخبرهم فقال: قد استقبل نصر بن خزيمة أبا حفص عمر بن عبد الرحمن خليفة الحكم فقتله، قال: وكان يوسف دهره سكران من الخمر لا يفيق. قالوا: ولما نادى زيد أهل المسجد ونودوا له فلم يخرج إليه أحد منهم انصرف إلى ناحية دار الرزق، فوجه يوسف إليه الخيول فجعلت تمر كردوسا كردوسا، ونادى مناديه: إن من جاء برأس الفاسق زيد بن علي فله ألف دينار. فقوتل أشد قتال وصبر أشد صبر. وقدم عامر بن ضبّارة المري على يوسف، أمدّه به هشام حين بلغه أن زيدا بويع، ومعه ثمانية آلاف فانتدب رجل من أصحاب ابن ضبارة من أهل الشام فطلب المبارزة، فبرز له نصر بن خزيمة العبسي، فقال أهل الشام؛ من أنت؟ قال: نصر بن خزيمة العبسي. قال: ما أحد أبغض إلي من أن أصيبه منك، وكان قيسيا - فصاح به الشاميون: فعل الله بك وفعل، وأنّبوه وعيروه، فعطف على نصر فتشاولا ساعة، ثم ضرب كل واحد منهما صاحبه فأثبته، فرجع نصر مثخنا، ورجع الشامي وقد قطع نصر رجله منالفخذ فهو مثخن أيضا، فمات الشامي ومات نصر، وقد عرف مكانه فأتي به يوسف فأمر بصلبه. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن أبيه قال: اجتمع إلى زيد في أول ليلة أربعمائة، ثم أصبح وهم أقل من ثلاثمائة ثم لم تزل يثوب إليه العدة بعد العدة، ودعا نصر بن خزيمة قوما من قيس فتتام مع زيد ألف رجل فلقي بهم من لقي من أصحاب ابن ضبارة. وكانت وقعتهم بجبانة سالم، ويقال بغيرها. قالوا: ولما قتل نصر بن خزيمة وأحاطت الخيول بزيد بن علي قال: إن القيام لهؤلاء الطغاة لغرر فلو لجأنا إلى الحيطان فجعلناها من وراء ظهورنا فلم يأتوا إلا من وجه واحد. فصوبه أصحابه فعطف برأس دابته. فناداه أهل الشام: يا بن أبي تراب، يا بن المنافق، يا بن السندية. إلى أين؟ فلما سمع زيد ذلك كر عليهم فكشفهم، فما رأى الناس قط فارسا أشجع منه، وقد كانوا على ذلك كالمتهيبين لقتله، وكانت مواقعته إياهم عند دار الرزق بالكوفة، فلما كان المساء رمي زيد بسهم في جبهته من يسارها، وذلك الثبت، ويقال في رجله. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تولى حرب زيد بالكوفة عبيد الله بن العباس الكندي والأصبغ بن ذؤالة الكلبي في جماعة بعث بهم إليه يوسف من الحيرة وكان بها وهو يومئذ على العراق، وكان الحكم بن الصلت بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي خليفته على الكوفة، فأهل الكوفة يقولون: رمى زيدا داود بن سليمان بن كيسان مولى بشر بن عمارة بن حسان بن جبار الكلبي، وكيسان صاحب الباب بدمشقوأولاد داود يدفعون ذلك وينتفون منه ويقولون رماه رجل من القيقانية فأصاب جبهته وذلك عند المساء، فدعي له بحجام فنزع النشابه فسالت نفسه معها. وقال أبو مخنف: رمي زيد بسهم في جبهته فبلغ الدماغ فرجع ورجع أصحابه، وأهل الشام يظنون أنهم إنما رجعوا للمساء والليل.