page 1020, entry [216]Open original source
أمر وقعة النهروان حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثني يحيى بن آدم، أنبأنا سفيان، عن الأعمش وغيره، قالوا: خرج علي إلى أهل حروراء فكلمهم وحاجّهم وذلك بعد بعثته ابن عباس إليهم فدخلوا جميعا إلى الكوفة، وكان الرجل منهم يذكر القضية فيخرج فيحكّم، وكان علي يقول: إنا لا نمنعهم الفيء ولا نحول بينهم وبين دخول مساجد الله، ولا نهّيجهم ما لم يسفكوا دما وما لم ينالوا محرما. وحدثني عبد الله بن صالح. عن ابن مجالد بن سعيد، عن أبيه، عن عامر الشعبي قال: لما أراد علي إمضاء أمر أبي موسى الأشعري أتاه حرقوص بن زهير التميمي، وشريح بن أوفى العبسي، وفروة بن نوفل الأشجعي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وجمرة بن سنان الأسدي، وعبد الله بن وهب الراسبي - وكان يقال له: ذو الثفنات لأثر سجوده بوجهه ويديه وشبه ذلك بثفنات البعير - فسألوه أن لا يوجه أبا موسى، وأن يسير إلى الشام، فأبى ذلك وقال: فارقنا القوم على شيء فلا يجوز نقضه. فانصرفواإلى منزل عبد الله بن وهب من فورهم - أو منزل زيد بن حصين - فذكروا من أصيب من أصحاب علي بصفين مثل عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت وأبي الهيثم بن التيهان وأشباههم وذكروا أمر الحكمين، وكفروا من رضي بالحكومة، وبرئوا من علي، ثم مشى، بعض الحرورية إلى بعض، وقال لهم عبد الله بن شجرة: يا قوم اخرجوا إلى المدائن فأقيموا بها حتى يجتمع لكم ما تحاولون أن يجتمع، وفارقوا هذه القرية الظالم أهلها. فقال زيد بن حصين: إن سعد بن مسعود على المدائن وهو يمنعنّها ويحول بينكم وبينها. وعرضوا رئاستهم على وجوههم فلم يقبلوها ودفعوها حتى قبلها ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي، وقال: والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أتركها جزعا من الموت. ثم إنهم مضوا إلى النهروان (¬١). وحدثني عبد الله بن صالح، عن يحيى بن آدم، عن رجل عن مجالد، عن الشعبي قال: بعث علي عبد الله بن عباس إلى الحرورية؛ فقال: يا قوم ماذا نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: ثلاثا: حكم الرجال في دين الله، وقاتل فلم يسب ولم يغنم، ومحا من اسمه حين كتبوا القضية «أمير المؤمنين» واقتصر على اسمه. فقال عبد الله بن عباس: أمّا قولكم: حكم الرجال. فإن الله قد صير حكمه إلى الرجال في أرنب ثمنه ربع درهم وما أشبه ذلك يصيبه المحرم، وفي المرأة وزوجها، فنشدتكم الله أحكم الرجال في بضع المرأة وأرنب بربع درهم أفضل، أم حكمه في صلاحالمسلمين وحقن دمائهم؟ قالوا: بل هذا. قال: وأما قولكم: ولم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة بنت أبي بكر الصديق، قالوا: لا. قال: وأما قولكم: محا من اسمه إمرة المؤمنين. فإن المشركين يوم الحديبية قالوا لرسول الله ﷺ: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ: «امح يا عليّ واكتب محمد بن عبد الله». ورسول الله خير من علي. فرجع منهم ألفان، وأقام الأخرون على حالهم، فلما أراد على توجيه الأشعري إلى الشام لإمضاء القضية، أتاه حرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن حصين، وزرعة بن البرّج الطائيان في جماعة فسألوه أن لا يوجه أبا موسى، وأن يسير بهم إلى الشام، فيقاتلوا معاوية وعمرو بن العاص، فأبى ذلك. وسار أبو موسى في شهر رمضان، فاجتمع المحكمة في منزل زيد بن حصين الطائي فبايعوا عبد الله بن وهب، وكان يدعى ذا الثفنات - شبه أثر سجود بجبهته وأنفه ويديه وركبتيه بثفنات البعير - وكانت بيعتهم له لعشر خلون من شوال. ثم خرجوا فتوافوا بالنهروان، وأقبلوا يحكمون، فقال علي: إنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة، ولا بد من أمير يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع الفاجر، ويبلغ الكتاب الأجل، وإنها لكلمة حق يعتزون بها الباطل، فإن تكلموا حججناهم وان سكتوا غممناهم. فلما تفرق الحكمان كتب علي إليهم وهم مجتمعون بالنهروان: إن الحكمين تفرقا على غير رضا، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، وسيروا بنا إلى الشام للقتال، فأبوا ذلك وقالوا: لا حتى تتوب وتشهد على نفسك بالكفر. فأبى.وكان مسعر بن فدكي توجه إلى النهروان في ثلاثمائة من المحكمة؛ فمر ب «بهرسير» (¬١) وعليها عدي بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، فخرج إليهم ليمنعهم، فقتله أشرس بن عوف الشيباني، فطعنه فقال: خذها من ابن عم لك مفارق؛ لولا نصرة الحق كان بك ضنينا. ويقال إنه سلم من طعنته وبقي بعد علي وولاه الحسن بهرسير، وكان فيمن أتى أشرس بن عوف - حين خرج بعد النهروان - فضربه وقال: خذها من ابن عمّ لك شان. ولقوا عبد الله بن خبّاب بن الأرت، ومعه أم ولد له يسوق بها، فأخذوه وذبحوه وأم ولده، فأرسل إليهم علي، أن ابعثوا إليّ بقاتل ابن الحارث وابن خباب حتى أترككم وأمضي إلى الشام. فأبوا وقالوا: كلنا قتله. فسار إليهم في محرم سنة ثمان وثلاثين فدعاهم، فاعتزل بعضهم فلم يقاتلوه، وبقي الآخرون فقاتلهم بالنهروان فقتلوا لتسع خلون من صفر، سنة ثمان وثلاثين، وقتل عبد الله بن وهب الراسبي قتله زياد بن خصفة وهانئ بن الخطاب الهمداني جميعا. ويقال: إن شبث بن ربعي شاركهما في قتله، وكان شبث على ميسرة علي، وكان فيمن رجع عن التحكيم بعد محاجة ابن عباس المحكمة. وقتل شريح بن [أبى] أوفى. واعتزل ابن الكواء فلم يقاتل عليا، وقتل حرقوص بن زهير. وقتل ذو الثدية وكانت في عضده شامة كهيئة الثدي. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف لوط بن يحيىعن عبد الملك بن أبي حرة الحنفي: ان وجوه الخوارج اجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم ودعاهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق وإن أمرّ وضرّ، وقال: اخرجوا بنا معشر اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض السواد، وبعض كور الجبل، منكرين لهذه البدع المكروهة. ثم قام حرقوص بن زهير السعدي فتكلم وتكلموا جميعا بذم الدنيا والدعاء إلى رفضها والجد في طلب الحق وانكار البدع والظلم، وعرضوا رئاستهم على غير واحد منهم فأبوها، وقبلها عبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه وذلك ليلة الجمعة لعشر ليال بقين من شوال سنة سبع وثلاثين، في منزل زيد بن حصين. وقال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح أن الحرورية اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي بعد أن ولّوا أمرهم عبد الله بن وهب، وبعد شخوص أبي موسى للحكومة، فقال ابن وهب: إن هؤلاء القوم قد خرجوا لإمضاء حكمهم حكم الضلال، فاخرجوا بنا رحمكم الله إلى بلدة نبعد بها من مكاننا هذا، فإنكم أصبحتم بنعمة ربكم أهل الحق. فقال شريح: فما تنتظرون؟ أخرجوا بنا إلى المدائن لننزلها ونبعث إلى اخواننا من أهل البصرة فيوافونا، فأشار عليهم زيد بن حصين ألا يعتمدوا دخول المدائن؛ وأن يخرجوا وحدانا مستخفين لئلا يرى لهم جماعة فتتّبع وأن ينزلوا بجسر المدائن، فعملوا على ذلك وكتبوا إلى من بالبصرة من اخوانهم يستنهضونهم، وبعثوا بالكتاب مع رجل من بني عبس. وخرج زيد بن حصين وشريح بن أوفى من منزليهما على دابتيهما،وخرج الناس وترافدوا بالمال والعتاد وخرج عتريس بن عرقوب الشيباني صاحب عبد الله بن مسعود؛ مع الخوارج فاتبعه صيفي بن فشيل الشيباني في رجال من قومه فطلبوه ليردوه فلم يقدروا عليه. وحدثني حفص بن عمر، عن الهيثم، عن المجالد وغيره، قالوا: كان أول من خرج شريح بن أوفى صلاة الغداة وهو يتلو ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ (¬١) فخرج قومه من المسجد ليمنعوه، فقال: والله لا يعرض لي أحد منكم إلا أنفذت رمحي فيه. فقالوا: أبعدك الله إنّما أشفقنا عليك. وخرج زيد بن حصين وهو يقرأ: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (¬٢) فلما عبر الفرات قرأ ﴿وَ لَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (¬٣) ثم تتابعوا يخرجون، وخرج القعقاع بن نفر الطائي فاستعان عليه أخوه حكم بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة برجال فحبسوه - وحكم هذا جد الطرماح الشاعر ابن حكيم بن حكم - وكان يقال للقعقاع الطرماح الأكبر فقال: إني لمقتاد جوادي فقاذف … به وبنفسي اليوم إحدى المتالف فيارب إن كانت وفاتي فلا تكن … على شرجع (¬٤) تعلوه خضر المطارف ولكن أكن يومي شهيدا بعصبة … يصابون في فج من الأرض خائف ليصبح لحدي بطن نسر مقيله … بجوّ السماء في نسور عواكف يوافون من شتى ويجمع بينهم … تقى الله نزالون عند التزاحففي أبيات. وقوم يقولون: إن هذا الشعر للطرماح الأصغر. وذلك باطل. وخرج عتريس بن عرقوب الشيباني، وخرج في طلبه صيفي بن فشيل الشيباني ابن عمه في جماعة من قومه ليردوه؛ ففاتهم. وخرج زيد بن عدي بن حاتم، فاتبعه أبوه عدي بن حاتم ففاته، فلم يقدر عليه، فانصرف عدي إلى علي بخبرهم. وقوم يقولون: ان الذي خرج فاتبعه عدى ابنه طريف. وذلك باطل، قتل طريف مع علي يوم الجمل وفقئت عين أبيه وقتل طرفة مع علي يوم النهروان، والذي خرج مع الحرورية زيد بن عدي. وخرج كعب بن عميرة فاشترى فرسا وسلاحا وقال: هذا عتادي للحروب وإنّني … لآمل أن ألقى المنية صابرا وبالله حولي واحتيالي وقوتي … إذا لقحت حربّ تشيب الحزاورا (¬١) وما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة … أهمّ بأن ألقى الكماة مغاورا وأصنع للهيجاء محبوكة القزا (¬٢) … معقربة الأ نساء تحسب طائرا إذا عضّها سوطي تمطت ملحة … بأروع مختال يروق النواظرا في أبيات. فقال له عبد الله بن وهب: جزيت خيرا، فربّ سريعة موت تنجيك من النار وتوردك موردا لا تظمأ بعده. فأخذه أهل بيته فحبسوه حتى قتل أهل النهروان، فقال في محبسه: أعوذ بربي أن أعود لمثل ما … هممت به يا عمرو ما حنت الابلفيا عمرو ثق بي واتق الله وحده … فقد خفت أن أردى بما عضني الكبل في أبيات. وخرج عبيدة بن خالد المحاربي وهو يتمثل بشعر شعبة بن عريض: إن امرءا أمن الحوادث سالما … ورجا الحياة كضارب بقداح فأراد عمّه ردّه فأبى. وحدثني عباس بن هشام عن أبي مخنف، عن أبي روق الهمداني عن عامر الشعبي. وعن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك جبر بن نوف وغيرهما: قالوا: لما هرب أبو موسى إلى مكة، ورجع ابن عباس واليا على البصرة، وأتت الخوارج النهروان، خطب علي النّاس بالكوفة فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وهذه الحكومة بأمري، ونخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما أردتم فكنت وأنتم كما قال أخو هوازن (¬١). أمرتهم أمري بمنعرج اللوا … فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد (¬٢) الا إن الرجلين اللذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما، وارتأيا الرأي قبل أنفسهما، فأماتا ما أحيا القرآن، وأحييا ما أمات القرآن؛ ثم اختلفا في حكمهما، فكلاهما لا يرشد ولا يسدد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، وتأهّبواللسير، وأصبحوا في معسكركم يوم الاثنين إن شاء الله. حدثني وهب بن بقية، عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي عن أبي مجلز: أن عليا نهى أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثا، فمروا بعبد الله بن خبّاب فأخذوه، فمر بعضهم بتمرة ساقطة من نخلة فأخذها واحد فأدخلها فمه، فقال بعضهم: بما استحللت هذه التمرة؟ فألقاها من فيه، ثم مروا بخنزير فقتله بعضهم فقالوا له: بما استحللت قتل هذا الخنزير وهو معاهد؟ فقال لهم ابن خباب: ألا أدلّكم على من هو أعظم حرمه من الخنزير؟ قالوا: من هو؟ قال: أنا. فقتلوه، فبعث علي إليهم: ابعثوا إليّ بقاتل ابن خباب. فقالوا: كلنا قتله. فأمر بقتالهم. وبعث علي إلى الخوارج أن سيروا إلى حيث شئتم، ولا تفسدوا في الأرض فإني غير هائجكم ما لم تحدثوا حدثا، فساروا حتى أتوا النهروان وأجمع عليّ على إتيان صفين، وبلغ معاوية، فسار حتى أتى صفين. وكتب علي إلي الخوارج بالنهروان: «أما بعد فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه فإني أريد المسير إلى الشام». فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إماما وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك، فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم؛ فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة وقد كان عسكر بها - حين جاء خبر الحكمين - إلى الشام، وكتب إلى أهل البصرة في النهوض معه، فأتاه الأحنف بن قيس في ألف وخمسمائة، وأتاه جارية بن قدامة في ثلاثة ألاف. ويقال: إن ابن قدامة جاء في خمسة آلاف. ويقال: في أكثر من ذلك. فوافاه بالنخيلة،فسار بهم علي إلي الأنبار، وأخذ على قرية «شاهي» ثم على «دباها» من الفلوجة، ثم إلى «دمما». وكان الخوارج الذين قدموا من البصرة مع مسعر بن فدكي استعرضوا الناس في طريقهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأته على حمار له، فدعوه وانتهروه ورعّبوه وقالوا له: من أنت؟ فقال: رجل مؤمن قالوا: فما اسمك؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله ﷺ. فكفوا عنه، ثم قالوا له: ما تقول في علي؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وقد حدثني أبي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل فيصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا». فقالوا: والله لنقتلنك قتلة ما قتلها أحد، وأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت رطبة منها فقذفها بعضهم في فيه، فقال له رجل منهم: أبغير حلها ولا ثمن لها؟ فألقاها من فيه واخترط سيفه وجعل يهزه فمرّ به خنزير لذمي فقتله بسيفه، فقال له بعض أصحابه: إن هدا لمن الفساد في الأرض. فطلب صاحب الخنزير حتى أرضاه، فقال ابن خباب: لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع إني لآمن من شرّكم. قال: فجاؤوا به فأضجعوه على شفير نهر وألقوه على الخنزير المقتول فذبحوه عليه، فصار دمه مثل الشراك قد امذقرّ (¬١) في الماء، وأخذوا امرأته فبقروا بطنها وهي تقول: أما تتقون الله؟ وقتلوا ثلاث نسوة كنّ معها. فبلغ عليا خبر ابن خباب وامرأته والنسوة، وخبر سوادي لقوه بنفّر فقتلوه، فبعث عليّ إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليتعرف حقيقة ما بلغهعنهم، فلما أتى النهروان وقرب منهم خرجوا إليه فقتلوه، وبلغ ذلك عليا ومن معه؛ فقالوا له: ما تركنا هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالاتنا بما نكره، سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل المغرب، فإن هؤلاء أحضر عداوة وأنكى حدّا - والثبت: انه بعث ابن الحارث رجلا من أصحابه، لأن الحارث بن مرّة قتل بالقيقان من أرض السند في سنة اثنتين وأربعين - وقام الأشعث بن قيس فكلمه بمثل ذلك، فنادى عليّ بالرحيل، فأتاه مسافر بن عفيف الأزدي فقال: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة. فقال له: ولم أتدري ما في بطن هذه الفرس؟ قال: ان نظرت علمت. فقال علي: إن من صدقك في هذا القول يكذّب بكتاب الله لأن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (¬١) وتكلم في ذلك بكلام كثير، وقال: لئن بلغني أنك تنظر في النجوم لأخلدنّك الحبس مادام لي سلطان، فو الله ما كان لمحمد منجّم ولا كاهن، أو كما قال: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم أنهم دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب مذعورا، فقالوا له: أنت ابن صاحب رسول الله فهل سمعت من أبيك عن رسول الله حديثا؟ قال: نعم سمعته يقول قال رسول الله ﷺ: «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والماشي خير من الساعي، فإذا أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل». قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك عن رسول الله؟ قال: نعمفقدموه فقتلوه فسال دمه حتى كأنه شراك نعل قد امذقرّ في الماء، وبقروا بطن أم ولده. وأتى عليّ المدائن وقد قدمها قيس بن سعد بن عبادة، وكان عليّ قدمه إليها. ثم أتى عليّ النهروان فبعث إلى الخوارج أن أسلموا لنا قتلة ابن خباب ورسولي والنسوة لأقتلهم ثم أنا تارككم إلى فراغي من أمر أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلى ما هو خير لكم وأملك بكم. فبعثوا إليه أنه ليس بيننا وبينك إلا السيف إلا أن تقرّ بالكفر وتتوب كما تبنا فقال علي: أبعد جهادي مع رسول الله ﷺ وإيماني أشهد على نفسي بالكفر؟ ل ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (¬١) ثم قال: يا شاهدا لله عليّ فاشهد … آمنت بالله ولي أحمد من شك في الله فإني مهتد وكتب إليهم: «أما بعد فإني أذكركم أن تكونوا من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا بعد أن أخذ الله ميثاقكم على الجماعة، وألف بين قلوبكم على الطاعة، وأن ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ (¬٢). ودعاهم إلى تقوى الله والبرّ ومراجعة الحق، فكتب إليه ابن وهب الراسبي ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (¬٣) ان الله بعث محمدا بالحق وتكفل له بالنصر كما بلغ رسالاته، ثم توفاه إلى رحمته، وقام بالأمر بعده أبو بكر بما قد شهدته وعاينته متمسكا بدين الله مؤثرا لرضاه حتىأتاه أمر ربّه، فاستخلف عمر، فكان من سيرته ما أنت عالم به، لم تأخذه في الله لومة لائم، ختم الله له بالشهادة، وكان من أمر عثمان ما كان حتى سار إليه قوم قتلوه لما آثر الهوى وغيّر حكم الله، ثم استخلفك الله على عباده فبايعك المؤمنون وكنت لذلك عندهم أهلا، لقرابتك بالرسول، وقدمك في الإسلام، ووردت صفين غير مداهن ولا وان، مبتذلا نفسك في مرضاة ربك فلما حميت الحرب وذهب الصالحون: عمار بن ياسر، وأبو الهيثم بن التيهان، وأشباههم اشتمل عليك من لافقه له في الدين ولا رغبة في الجهاد؛ مثل الأشعث بن قيس وأصحابه واستنزلوك حتى ركنت إلى الدنيا، حين رفعت لك المصاحف مكيدة فتسارع إليهم الذين استنزلوك، وكانت منا في ذلك هفوة ثم تداركنا الله منه برحمته، فحكمت في كتاب الله وفي نفسك، فكنت في شك من دينك وضلال عدوك وبغيه عليك، كلا والله يا بن أبي طالب، ولكنكم ﴿ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ (¬١) وقلت: لي قرابة من الرسول وسابقة في الدين فلا يعدل الناس بي معاوية، فالآن فتب إلى الله وأقرّ بذنبك، فإن تفعل نكن يدك على عدوك، وإن أبيت ذلك فالله يحكم بيننا وبينك. قالوا: وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فناداهم فقال: يا عباد الله اخرجوا إلينا طلبتنا وانهضوا إلى عدوكم وعدونا معا. فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أبدا أو تأتونا بمثل عمر. فقال: والله ما نعلم على الأرض مثل عمر إلا أن يكون صاحبنا، وقال لهم علي: «يا قوم انه قد غلب عليكم اللجاج والمراء واتّبعتم اهواءكم فطمحبكم تزيين الشيطان لكم وأنا أنذركم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الغائط وأثناء هذا النهر». فلم يزل يعظهم ويدعهم فلما لم ير عندهم انقيادا - وكان في أربعة عشر ألفا - عبّأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدي الكندي وعلى ميسرته شبث بن ربعي وعلى الخيل أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري، وعلى الرجال أبا قتادة الأنصاري - واسمه النعمان بن ربعي بن بلدمة الخزرجي - وعلى أهل المدينة وهم سبعمائة - أو ثمانمائة - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري. ثم بسط لهم عليّ الأمان ودعاهم إلى الطاعة، فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما ندري على ما نقاتل عليا؟ فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين (¬١) والدسكرة، وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين إلى الكوفة، وأتى مسعر بن فدكي التميمي راية أبي أيوب الأنصاري في ألف، واعتزل عبد الله بن الحوساء - ويقال: ابن أبي الحوساء الطائي - في ثلاثمائة وخرج إلى عليّ منهم ثلاثمائة فأقاموا معه، وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجّالة. واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاثمائة، واعتزل أبو مريم السعدي في مائتين؛ واعتزل غيرهم؛ حتى صار مع ابن وهب الراسبي ألف وثمانمائة فارس، ورجالة يقال: إنهم ألف وخمسمائة. وقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم. ونادى جمرة بن سنان: روحوا إلى الجنة، فقال ابن وهب: والله ما ندري أنروح إلى الجنة أم إلى النار وتنادى الحرورية: الرواح إلى الجنة معاشر المخبتين وأصحاب البرانس المصلين، فشدوا على أصحاب علي شدّة واحدة؛ فانفرقت خيل عليمنفرقين: فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة. وأقبلوا نحو الرجالة فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل حتى كأنهم معزى يتقى المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة، ونهض علي إليهم من القلب بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أهمدوا في ساعة. وقتل أبو أيوب الأنصاري زيد بن حصين الطائي. ويقال: بل قتله قيس بن سعد، واختصم هانئ بن خطاب وزيد بن خصفة التميمي في قتل عبد الله بن وهب الراسبي، فادّعى كل واحد منهما قتله، وقتل حنش بن ربيعة حرقوص بن زهير السعدي، وقتل عبد الله بن دجن الخولاني عبد الله بن شجرة السلمي. وكان على ميمنة الخوارج زيد بن حصين، وعلى ميسرتهم عبد الله بن شجرة. ووقف جمرة بن سنان الأسدي في ثلاثمائة، فوقف عليّ بإزائه الأسود بن يزيد المرادي في ألفين. ويقال: أقل من ذلك. وصار شريح بن أوفى العبسي إلى جانب جدار فقاتله على ثلمته قوم من همدان مليا من النهار، وهو يرتجز ويقول: قد علمت جارية عبسية … ناعمة في أهلها مكفيّة أني سأحمي ثلمتي العشية فشدّ عليه قيس بن معاوية المرهبي فضربه فقطع رجله، فأقبل يضاربهم ويقول: الفحل يحمي شوله معقولا … تمنعني نفسي أن أزولا ثم شدّ عليه أيضا قيس بن معاوية فقتله، فقال الشاعر: اقتتلت همدان يوما ورجل … اقتتلوا من غدوة حتى الأصلففتح الله لهمدان الزجل وكان من رجز ابن أوفى يومئذ: أضربهم ولو أرى أبا حسن … ضربته بالسيف حتى يطمئن ومن رجزه أيضا: أضربهم ولو أرى عليا … جالدته أبيض مشرفيا حدثني روح بن عبد المؤمن حدثني عارم بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم قال: قال رجل يوم النهروان وهو يرتجز: أضربهم ولا أرى عليا … ولم أكن عن قتلهم ونيا أكسوهم أبيض مشرفيا قال: وقال آخر: أضربهم ولا أرى أبا حسن … ها إن هذا حزن من الحزن قال: ولم يقتل من أصحاب علي إلا عشرة نفر أو أقل، وكان ممن قتل معه عروة بن إنّاف بن شريح الطائي. والصلت بن قتادة بن سلمة بن خلادة الكندي من ولد حوت بن الحارث. وروى بعضهم ان الذي قاتل على الثلمة عبد الرحمن بن قيس الحداني. والثبت: ان شريح بن أوفى الذي قاتل عليها. وقاتل عدان بن المغذّذ وهو يقول: ليس من الموت نجاة للفتى … صبرا أبا المنهال صبرا للقضا إن مصير الخلق طرّا للبلى … وليس ينجيك حذار من ردى فاركب لك الخيرات أطراف القنا … واصبر فإن الصبر أولى بالفتى فقتل:وقتل مع علي أيضا زائدة بن سمير بن عبد الله بن نهاز المرادي. قالوا: ووجد علي ﵇ ممن به رمق أربعمائة فدفعهم إلى عشائرهم ولم يجهز عليهم، وردّ الرقيق على أهله حين قدم الكوفة وقسم الكراع والسلاح وما قوتل به بين أصحابه. ووجد عدي بن حاتم ابنه الذي خرج مع الحرورية قتيلا فدفنه بالنهروان. وقتل جواد بن بشر - وهو أخو الزبرقان بن بدر - مع الخوارج، وقتل يزيد بن عاصم المحاربي وأربعة إخوة له معه، وقتل جمرة بن سنان الأسدي. وشهد ابن الكواء النهروان وكان ممن اعتزل. ويقال: إنه اعتزل قبل أن يصيروا إلى النهروان. وكان مقتل أهل النهروان لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين. وقال ابن الكلبي: استعمل عليّ على الكوفة حين شخص عنها وحارب أهل النهروان، هانئ بن هوذة بن عبد يغوث بن عمرو بن عدي النخعي. قالوا: وطلب علي ذا الثدية فوجد في حفيرة دالية مع القتلى وكانت في عضده شامة تمتدّ كهيئة الثدي، عليها شعر كشعر شارب السنور، وكان مخدجا وكان يسمّى نافعا. وروي عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، عن علي عن النبي ﷺ قال: «إن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم فيهم رجل مخدج اليد». وقال أبو مريم: والله إن كان المخدج لمعنا يومئذ في المسجد، وكان يجالس عليا في الليل والنهار، ولقد كان فقيرا يشهد طعام علي.وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد، قال: قام علي بالنهروان فقال: إن نبي الله قال: «سيخرج قوم يتكلمون بكلام الحق لا يجاوز حلوقهم، يخرجون من الحق خروج السهم - أو مروق السهم - سيماهم أن فيهم رجلا مخدج اليد، في يده شعرات سود». فإن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، فطلب فوجد فخرّ عليّ وأصحابه سجودا. وروى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن غلام لأبي جحيفة السوائي قال: لما قتل علي أهل النهروان جعل لا يستقر جالسا ويقول: ويحكم أطلبوا رجلا ناقص اليدين في يديه (¬١) عظم طرفها حلمة كحلمة الثدي من المرأة؛ عليها خمس شعرات - أو سبع شعرات - رؤوسها معقفة، قالوا: قد طلبناه فلم نجده. فقال: أليس هذا النهروان؟ قالوا: بلى. قال: فو الله ما كذبت ولا كذبت فاطلبوه، فطلبناه فوجدناه قتيلا في ساقية، ففرح عليّ فرحا شديدا. وقال الأخنس بن العيزاز الطائي ثم السنبسي يرثي أهل النهروان من الخوارج ويذكر زيد بن حصين: إلى الله أشكو أن كل قبيلة … من الناس قد أفنى الجلاد خيارها سقى الله زيدا كلما ذر شارق … واسكن من جنات عدن قرارها وقال حبيب بن خدرة في قصيدة له طويلة: يا رب إنهم عصوك وحكّموا … في الدين كل ملعن جبار يدعو الى سبل الضلالة والردى … والحق أبلج مثل ضوء نهارفهم يرون سبيل طاغيهم هدى … وأرى سبيلهم سبيل النار يا رب باعد في الولاية بيننا … إني على ما يفعلون لزار وسبيل يوم النهر حين تتابعوا … متوازرين على رضا الجبار وقال في قصيدة له: ألا ليتني يا أم صفوان لم أؤب … وغودرت في القتلى بصفين ثاويا فو الله رب الناس ما هاب معشر … على النهر في الله المنايا القواضيا تذكرت زيدا منهم وابن حاتم … فتى كان يوم الروع أروع ماضيا وروي أن النبي ﷺ قسم دنانير فسأله المخدج فلم يعطه فقال: والله ما عدلت في القسم، فقال: «ويلك فمن يعدل»؟ حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، أنبأنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعت عاصما يقول: إن حرورية على عهد علي قالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: إنه كذلك ولكنهم يقولون: لا إمرة. ولا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع الكافر، ويبلغ الكتاب أجله.