page 1039, entry [217]Open original source
أمر علي بن أبي طالب ﵁ بعد النهروان قالوا: وأمر علي ﵇ الناس بالرحيل من النهروان فقال لهم: إن الله قد أعزّكم وأذهب ما كنتم تخافون عنكم فامضوا من وجهكم هذا إلى الشام. فقال الأشعث بن قيس: يا أمير المؤمنين نفدت سهامنا، وكلّت سيوفنا ونصلت رماحنا؛ فلو أتينا مصرنا حتى نريح ونستعدّ ثم نسير إلى عدونا. فركن الناس إلى ذلك، وكان الأشعث طنينا، وسماه علي عرف النار. قالوا: وسار علي حتى أتى المدائن ثم مضى حتى نزل النخيلة، وجعل أصحابه يدخلون الكوفة حتى بقي في أقل من ثلاثمائة، فلما رأى ذلك دخل الكوفة وقد بطل عليه ما دبّر من اتيان الشام قاصدا إليها من النهروان، فخطب الناس فقال: «أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم ففي جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده ﴿وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ﴾﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾ (¬١) وتوكلوا ﴿عَلَى اللهِ وَ كَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (¬٢) ﴿وَ كَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ (¬٣) فلم يصنعوا شيئا، فتركهم أياما حتى إذا يئس منهم خطبهم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: «يا عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله إثّا قلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا وبالذّلّ والهوان من العزّ والكرامة خلقا، أكلما دعوتكم إلى الجهاد دارت أعينكم في رؤوسكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم قاسية فأنتم أسود الشرى عند الدعة؛ وحين تنادون للبأس ثعالب رواغة، تنتقص أطرافكم فلا تتحاشون ولا ينام عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ساهون. إن لكم عليّ حقا؛ وإن لي عليكم حقا، فأما حقكم فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير فيئكم عليكم، وأن أعلمكم كيلا تجهلوا، وأؤدبكم كيلا تغلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم». وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن جندب بن عبد الله الأزدي أن عليا خطبهم حين استنفرهم إلى الشام بعد النهروان، فلم ينفروا فقال: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. كلامكم يوهن الصمّالصلاب. وفعلكم يطمح فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى الجهاد قلتم: كيت وكيت وذيت وذيت أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير فعل ذي الدّين المطول حيدي حياد، لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجدّ والعزم واستشعار الصبّر، أيّ دار بعد داركم تمنعون، ومع أي إمام بعدي تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصركم ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم وأبدلني بكم من هو خير لي منكم. أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا، وإثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة؛ فيفرق جماعتكم ويبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني فستعلمون حق ما أقول ولا يبعد الله إلا من ظلم وأثم». قالوا وخطبهم بعد ذلك خطبا كثيرة؛ وناجاهم وناداهم فلم يربعوا إلى دعوته (¬١) ولا التفتوا إلى شيء من قوله وكان يقول لهم كثيرا: «إنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا». وقام أبو ايوب الأنصاري وذلك قبل تولية عليّ إياه المدينة بيسير فقال: إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذنان وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم به كرامة بيّنة فاقبلوها حق قبولها، إنه أنزل ابن عم نبيكم بين ظهرانيكم يفقهّكم ويرشدكم ويدعوكم إلى ما فيه الحظ لكم. وأما حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني، وعبد الله بن وهب الهمداني - وهو ابن سبأ-[فإنهمأتوا] عليا ﵇ فسألوه عن أبي بكر وعمرو ﵄ فقال: أوقد تفرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت وكتب كتابا يقرأ على شيعته في كلّ أيام فلم ينتفع بذلك الكتاب، وكان عند ابن سبأ منه نسخة حرّفها. وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد، حدثني صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، عن أبيه، عن أشياخهم: إن معاوية لما بويع وبلغه قتال عليّ أهل النهروان؛ كاتب وجوه من معه مثل الأشعث بن قيس وغيره، ووعدهم ومنّاهم وبذل لهم حتى مالوا إليه وتثاقلوا عن المسير مع علي ﵇ فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله، ويدعو فلا يسمع لدعوته، فكان معاوية يقول: لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا عناء أو قال: ولا عتاد. حدثني يحيى بن معين، حدثنا سليمان بن داود الطيالسي أنبأنا شعبة بن الحجاج، أنبأنا محمد بن عبيد الله الثقفي قال: سمعت أبا صالح يقول: شهدت عليا ووضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقعقع الورق فقال: «اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك، اللهم إني قد مللتهم وملّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير خلقي، وعلى أخلاق لم تكن تعرف لي فأبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرّا مني، ومث (¬١) قلوبهم ميث الملح في الماء». حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن لوط بن يحيى - أبي مخنف: ان عمارة بن عقبة بن أبي معيط كتب إلى معاوية من الكوفة يعلمه أنه خرجعلى عليّ أصحابه ونسّاكهم فسار إليهم فقتلهم فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ووقعت بينهم العداوة وتفرقوا أشد الفرقة، فقال معاوية للوليد بن عقبة: أترضى أخوك بأن يكون لنا عينا - وهو يضحك - فضحك الوليد وقال: إن لك في ذلك حظا ونفعا، وقال الوليد لأخيه عمارة: فإن يك ظني بابن أمّي صادقا … عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر مقيم وقتّال ابن عفان حوله … يمشى بها بين الخورنق والجسر وتمشي رخّي البال منتشر القوى … كأنّك لم تشعر بقتل أبي عمرو ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وحدثني العمري، عن الهيثم بن عدي، عن عوانة وغيره قالوا: لما بلغ معاوية أن عليا يدعو الناس إلى غزوه، وإعادة الحرب بينه وبينه هاله ذلك، فخرج من دمشق معسكرا وبعث إلى نواحي الشام الصرخاء ينادون: إن عليا قد أقبل إليكم وكتب إليهم كتبا قال فيها: «إنا كنا كتبنا بيننا وبين علي كتابا واشترطنا فيه شروطا، وحكمنا الرجلين ليحكما بحكم الكتاب علينا، وإن حكمي أثبتني، وخلعه حكمه، وقد أقبل إليكم ظالما ناكثا باغيا، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (¬١)، فتجهزوا رحمكم الله للحرب بأحسن الجهاز، واستعدوا لها بأكمل العدّة و ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالاً﴾ (¬٢). فاجتمعوا له من كل أوب، وأرادوا المصير إلى صفين ثانية، حتى بلغهم اختلاف أصحاب علي، وكتب إليه بذلك عمارة بن عقبة، فعسكر ينتظر ما يكون، إلى أن جاءه خبر مقتله ﵀.