page 443, entry [112]Open original source
خروج رسول الله ﷺ للعمرة ثم خرج رسول الله ﷺ للعمرة في هلال ذي القعدة سنة ست، فمنعته قريش من دخول مكة عنوة. فأقام في الحديبيّة، وكان ابن الكلبي يقول «الحديبية» - فيخففها - وأرسل رسول الله ﷺ إلى قريش: «إنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا لسوق البدن إلى محلها، فننحرها ثم ننصرف». فأبوا إلا منعه، ووجهوا إليه سهيل بن عمرو، من بني عامر بن لؤي، ومكرز بن حفص، وحويطب بن عبد العزى. فسألوه أن ينصرف في عامه، ويعود في قابل فيقيم في مكة ثلاثة أيام لا يزيد عليها ثم ينصرف. فأجابهم إلى ذلك، وكتب بينه وبينهم كتابا بخطّ عليّ ﵇، فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: لا أعرف هذا؛ اكتب كما نكتب «باسمك اللهم». وكتب: «هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: «لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك؛ أفترغب عن أبيك؟» فكتب القضية: «باسمك اللهم. هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةمكفوفة. وأنه من أحبّ أن يدخل في عهد محمد وعقده، فعل. وأنه من أحبّ أن يدخل في عهد قريش وعقدها، فعل. وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه، ردّه محمد إليه. وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد، لم يردّوه. وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا في قابل في أصحابه، فيقيم ثلاثا. لا يدخل بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب». شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجرّاح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص. وكتب علي بن أبي طالب (¬١). ونسخ الكتاب نسختين، فوضعت إحداهما عند رسول الله ﷺ، وأخذ الأخرى سهيل بن عمرو. ولما فرغ من كتاب القضية، وثب من هناك من الخزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، وقال بنو بكر: نحن ندخل في عهد قريش ومدّتها. ثم نحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، وحلق، وحلق الناس. ثم انصرف، ونزلت عليه منصرفه من الحديبية: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (¬٢). ويقال إنها نزلت قبل انصرافه من الحديبية. وفي غزاة الحديبية كانت بيعة الرضوان تحت السمرة الخضراء، بايعوا على الموت مع رسول الله ﷺ. وكان خليفته بالمدينة ابن أم مكتوم. ويقالأبو رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، من كنانة. وقوم يقولون استخلفهما جميعا، وكان ابن أم مكتوم على الصلاة. قال الواقدي، قال ابن أبي الزناد، عن أبيه قوله «لا إسلال»، يريد دس السلاح وسله سرا؛ وقوله «لا إغلال»، يقول لا ينطوون على غلّ. والعرب تقول: أغللت في الشيء. وقوله «وعيبة مكفوفة»، أي مشرّجة (¬١). وهذا مثل. وكان رسول الله ﷺ بعث عثمان إلى مكة لتسكينهم وإعلامهم أنه لم يأت لمكروه يريده بهم. فبايع عنه، ومسح يده اليسرى على اليمنى. حدثني هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيدة قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ فقال: على الموت. حدثنا علي، ثنا أبو عبيد، حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة في حديث طويل قال فهادنت قريش رسول الله ﷺ، وصالحته على سنين أربع وعلى أن يأمننّ بعضهم بعضا، على أن لا إغلال ولا إرسال، فمن قدم مكة حاجّا أو معتمرا أو مجتازا إلى اليمن أو الطائف فهو آمن، ومن قدم المدينة من المشركين عامدا للشأم أو المشرق فهو آمن. قال: وأدخل رسول الله ﷺ في عهده بني كعب، وأدخلت قريش في عهدها حلفاءها بني كنانة، وعلى أنه من أتى رسول الله ﷺ ردّه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه إليه.قال أبو عبيد: قوله «لا إرسال»، يقول في غائلة. وقال: يقال أغللت في الإهاب إذا تركت فيه لحما. وحدثني أبو عبيد، ووهب بن بقية قالا: ثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا: كان في شرط رسول الله ﷺ بينه وبين قريش يوم الحديبية أن يرجع عامه هذا، فإذا كان العام القابل دخل مكة ومعه سلاح الراكب، ولا يدخلها إلا بالسيوف في القرب - قال وهب: «في قربها» - فيقيم ثلاثا (¬١).