page 432, entry [108]Open original source
ثم غزاة الخندق وهي غزاة الأحزاب. وكانت في ذي القعدة سنة خمس. وكان سببها أن رسول الله ﷺ لما أجلى بني النضير، أتوا خيبر، فلما قدموها، خرج حييّ بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق اليهودي وغيرهما، حتى أتوا مكة، فدعوا أبا سفيان بن حرب وقريشا إلى قتال رسول الله ﷺ، وأعلموهم أنهم يد لهم عليه، فسرّ أبو سفيان بذلك، وعاقدهم على ما دعوه إليه. ثم أتت اليهود غطفان، فجعلوا لهم تمر خيبر سنة على أن يعينوهم على حرب رسول الله ﷺ. فأنعموا لهم بذلك، وأجابوهم إليه. وكان عيينة بن حصن الفزاري أسرع القوم إلى إجابتهم. ثم أتوا بني سليم بن منصور، فسألوهم مثل ذلك، فأنجدوهم. وساروا في جميع العرب ممن حولهم، فنهضوا معهم. فخرجت قريش فيمن ضوى إليها ولافّها من كنانة وثقيف وغيرهم، ولحقتهم أفناء العرب، عليها قادتها وكبراؤها، وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فندب المسلمين إلى قتال الأحزاب. وخرج فارتاد لعسكر المسلمين موضعا، وأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، ولم تكنالعرب تخندق عليها. فجعل سلعا (¬١) وراء ظهره، وأمر فحفر الخندق أمامه. وجعل المسلمون يتحارسون في عسكرهم. وعرض رسول الله ﷺ عليه وسلم الناس يوم الخندق، فأجاز عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ابن خمس عشرة سنة وأشفّ منها، وأجاز زيد بن ثابت الأنصاري ثم الخزرجي، وأجاز البراء بن عازب الأوسي، وأبا سعيد الخدري ولم يردّهم. ويقال إنه أجازهم قبل ذلك. وكانت قريظة قد امتنعت من المظاهرة على النبي ﷺ، فلم يزل بهم حييّ وأصحابه حتى خرجوا معهم. واشتد خوف المسلمين ممن جاش عليهم من الأحزاب لكثرتهم. وكانوا كما قال الله: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ،﴾ يعني يهود، ﴿وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،﴾ يعني قريشا والعرب. حدثني القاسم بن سلام، عن الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ،﴾ قال: عيينة بن حصن في أهل نجد، ﴿وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،﴾ أبو سفيان في قريش، ﴿وَ رَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ،﴾ قال: الأحزاب؛ ﴿وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ الآية، يعني بني قريظة. ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ،﴾ قال: حصونهم وقصورهم. ﴿وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (¬٢). وقال: وهذا كله في يوم الخندق. قالوا: وكثر كلام المرتابين وظنوا الظنون. وكتب أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ: «باسمك اللهم. أحلف باللات والعزّى وساف ونائلة وهبل،لقد سرت إليك أريد استئصالكم. فأراك قد اعتصمت بالخندق، وكرهت لقاءنا. ولك مني يوم كيوم أحد». وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشمي. فقرأه على النبي ﷺ أبيّ بن كعب. وكتب إليه رسول الله ﷺ: «قد أتانا كتابك، وقديما غرّك يا أحمق بني غالب. وسفيههم بالله الغرور. وسيحول الله بينك وبين ما تريد، ويجعل لنا العاقبة. وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزّى وساف ونائلة وهبل يا سفيه بني غالب». - وكانت طلائع المشركين تطيف بالمسلمين رجاء أن يصيبوا منهم غرّة. فربما تراموا بالنبل والحجارة، واجتمع المشركون يوما، فالتمسوا أن يهجموا خيلهم على المسلمين. فأكرهت جماعة منهم خيلهم، فعبرت الخندق. وكان فيهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، من بني عامر بن لؤي، فبارزه علي ﵇ فقتله. ويقال إنه جرح عليا على رأسه. ويقال إن عليا لم يجرح قطّ. ونجا أصحاب عمرو إلا رجلا سقط في الخندق فتكسر، ورماه المسلمون حتى مات. ثم غدا المشركون في اليوم الثاني جميعا لم يتخلف منهم أحد، فقاتلهم المسلمون من وراء الخندق. ثم إن الله ﵎ نصر المسلمين عليهم بالريح، وكانت ريحا صفراء فملأت عيونهم، فداخلهم الفسل والوهن. وانهزم المشركون وانصرفوا إلى معسكرهم. ودامت الريح عليهم؛ وغشيتهم الملائكة تطمس أيضا أبصارهم. وكان نعيم بن مسعود الأشجعي خرج من المشركين، فأسلم وجعل يخذّل المشركين ويسعى بينهم بما فيه تفريق كلمتهم وألفتهم وصدع شعبهم. فبلغ من ذلك ما التمس بعون الله وتوفيقه (¬١)، وألقى الله بينهم الاختلاف.وقالت غطفان وسليم: والله لمحمد أحبّ إلينا وأولى بنا من يهود؛ فما بالنا نؤذيه وأنفسنا؟ وكانت تلك السنة سنة مجدبة. فجهدوا، وأضرّ مقامهم بكراعهم. فانصرفوا وانصرف الناس. ﴿وَ رَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ *﴾ (¬١). وكان حصار المسلمين في الخندق خمسة عشر يوما. وكان خليفة رسول الله ﷺ في غزاة الخندق ابن أم مكتوم. وحدثنا أبو عبيد، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين، وذلك يوم حفر الخندق. ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن حرب. فحاصروا رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى المسلمين الكرب. فقال رسول الله ﷺ، كما أخبرني سعيد بن المسيب: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشاء ألا تعبد». وأرسل رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن، وهو يومئذ رئيس الكفار من غطفان وهو مع أبي سفيان، يعرض عليه ثلث ثمر نخل المدينة على أن يخذّل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان. فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها حتى أفعل ذلك. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، وإلى سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، فقال: «إنّ عيينة قد سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان ويخذّل بين الأحزاب، وإني أعطيته الثلث، فأبى إلا النصف [فما تريان]»؟ فقالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله. فقال ﷺ: «لوأمرت لم أستأمركما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما؟» قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف. قال رسول الله ﷺ: «فنعم» (¬١). وحدثني الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن يوم الأحزاب فعرض عليه ثلث ثمر نخل المدينة على أن يخذّل الأحزاب ويرجع بالناس، فأبى إلا النصف، فاستشار النبي ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: إن كنت أمرت بشيء فامض له وإلا فإنا لا نرضى أن نعطيهم إلا السيف. قال: فنعم إذا (¬٢). قال وحدثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن أبي نجيح قال: قال سعد بن معاذ وابن عبادة: إن كان هذا في الجاهلية ليمرّ يجرّ سرمه (¬٣) ما يطمع منه في بسرة، فكيف اليوم وقد أعزّنا الله بالإسلام؟ قال: فنعم إذا. حدثني الحسين، عن يحيى، عن ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر عن ابن أبي قتادة: أنهما قالا: ما أصابت العرب حطمة قطّ فقدروا منه على بسرة إلا شرى أو قرى، فكيف الآن؟ (¬٤).حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أدخل النساء يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة، وكان حسان رجلا جبانا فأدخله معهنّ وأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم. فقالت له إحداهن: انزل إلى هذا العلج فاقتله. فقال: ما كنت لأجعل نفسي خطرا لعلج مثله، فاتّزرت بكساء، وأخذت فهرا ونزلت إليه ففلقت رأسه (¬١). ورمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ يوم الخندق بسهم، فانتقض به جرحه منه بعد انقضاء أمر بني قريظة، فمات. وكان حبان بن العرقة لما رماه قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال رسول الله ﷺ: «عرق الله وجهك في النار».