page 1100, entry [269]Open original source
باب زهده ﷺ وبذلك يوزن الزهد وبه يحدّ قال الله - تعالى -: ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خير وأبقى. قال بقية بن الوليد، عن الزّبيدي، عن الزّهريّ، عن محمد بن عبد الله بن عبّاس قال: كان ابن عبّاس يحدّث أنّ الله - تعالى - أرسل إلى نبيّه ﷺ ملكا من الملائكة معه جبريل ﵇، فقال الملك: إنّ الله يخيّرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيّا، فالتفت النّبيّ ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: بل أكون عبدا نبيّا. قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متّكئا حتى لقي ربّه - تعالى - (¬١). وقال عكرمة بن عمّار، عن أبي زميل، قال: حدّثني ابن عبّاس، أنّ عمر ﵃ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثّر بجنبه، فقلّبت عيني في خزانة رسول الله ﷺ، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين - أو قال قبضة - من شعير، وقبضة من قرظ، نحو الصّاعين، وإذا أفيق معلّق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله ﷺ: ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟ قلت: يا رسول الله وما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ﷿ ورسوله وخيرته، وهذه خزانتك! وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا، فقال: يا ابن الخطّاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله ﷿. أخرجه مسلم (¬١). وقال معمر، عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبّاس، عن عمر في هذه القصّة، قال: فما رأيت في البيت شيئا يردّ البصر إلاّ أهب ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: أفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا. فقلت: أستغفر الله، وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا من شدّة موجدته عليهنّ حتى عاتبه الله - تعالى - اتفقا عليه من حديث الزّهريّ (¬٢). قرأت على إسماعيل بن عبد الرحمن المعدّل، سنة أربع وتسعين، أخبركم العلاّمة أبو محمد بن قدامة، أنّ شهدة بنت أبي نصر أخبرتهم، قالت: أخبرنا أبو غالب الباقلاّني، قال: أخبرنا أبو عليّ بن شاذان، قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو على سرير مرمول (¬٣) بشريط، وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف، فدخل عليه ناس من أصحابه، فيهم عمر ﵁ فاعوجّ النّبيّ ﷺ اعوجاجة، فرأى عمر أثر الشّريط في جنب النّبيّ ﷺ فبكى، فقال له النّبيّ ﷺ: ما يبكيك؟ قال: كسرى وقيصر يعيثان فيما يعيثان فيه، وأنت على هذا السرير! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، فقال: فهو والله كذلك. إسناده حسن. وقال المسعوديّ، عن عمرو بن مرّة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: اضطجع النّبيّ ﷺ على حصير، فأثّر بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول: بأبي وأمّي ألا آذنتنا فنبسط لك؟ قال: ما لي وللدنيا، إنّما أنا والدّنيا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها (¬١). هذا حديث حسن قريب من الصّحة. وقال يونس، عن الزّهريّ، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: لو أنّ لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن تأتي عليّ ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلاّ شيء أرصده لديني. أخرجه البخاريّ (¬٢). وقال الأعمش، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. أخرجه مسلم والبخاريّ من وجه آخر (¬٣). وقال إبراهيم النخّعيّ، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى توفيّ. أخرجه مسلم (¬٤). وقال الثّوريّ: حدثنا عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، أنّ عائشة قالت: كنّا نخرج الكراع بعد خمس عشرة فنأكله، فقلت: ولم تفعلون؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله. أخرجه البخاري (¬٥). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كنّا يمر بنا الهلال والهلال والهلال، ما نوقد بنار لطعام، إلاّ أنّه التمر والماء، إلاّ أنّ حولنا أهل دور من الأنصار، فيبعثون بغزيرة الشاة إلى النّبيّ ﷺ، فكان للنّبيّ ﷺ من ذلك اللّبن. متّفق عليه (¬٦). وقال همّام: حدثنا قتادة: كنّا نأتي أنس بن مالك، وخبّازه قائم، فقال: كلوا، فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا، حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ. أخرجه البخاريّ (¬٧). وقال هشام الدّستوائيّ، عن يونس، عن قتادة، عن أنس قال: ما أكل النّبيّ ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة (¬١) ولا خبز له مرقّق، فقلت لأنس: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السّفر. أخرجه البخاريّ (¬٢). وقال شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدّث، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين، حتّى قبض. أخرجه مسلم (¬٣). وقال هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس، أنّه مشى إلى النّبيّ ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة. ولقد رهن درعه عند يهوديّ، فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حبّ، وإنهم يومئذ تسعة أبيات. أخرجه البخاريّ (¬٤). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف. متّفق عليه (¬٥). أخبرنا الخضر بن عبد الله بن عمر، وأحمد بن عبد السلام، وأحمد بن أبي الخير، كتابة، أنّ عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب أجاز لهم، قال: أخبرنا عليّ بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو عليّ الصّفّار سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا عبّاد بن عبّاد المهلّبيّ، عن مجالد، عن الشّعبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنيّة، فانطلقت فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: فلانة رأت فراشك، فبعثت إليّ بهذا، فقال: ردّيه يا عائشة، قالت: فلم أردّه، وأعجبني أني يكون في بيتي، حتّى قال ذلك ثلاث مرار، قالت: فقال: ردّيه فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذّهب والفضّة. أخرجه الإمام أحمد في الزّهد (¬١)، عن إسماعيل بن محمد، عن عبّاد بن عبّاد - وهو ثقة - عن مجالد، وليس بالقويّ. وأخرجه محمد بن سعد الكاتب (¬٢)، عن سعيد بن سليمان الواسطيّ، عن عبّاد بن عبّاد. وقال زائدة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أمّ سلمة، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه، فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك ساهم الوجه؟ قال: من أجل الدّنانير السبعة التي أتتنا أمس، وأمسينا ولم ننفقهنّ، فكنّ في خمل الفراش (¬٣). هذا حديث صحيح الإسناد. وقال بكر بن مضر، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل قال: دخلت على عائشة أنا وعروة، فقالت: لو رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستّة دنانير أو سبعة، فأمرني أن أفرّقها، فشغلني وجعه حتى عافاه الله، ثمّ سألني عنها، ثمّ دعا بها فوضعها في كفّه فقال: ما ظنّ نبي الله لو لقي الله وهذه عنده (¬٤). وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ كان لا يدخّر شيئا لغد (¬٥). وقال بكّار بن محمد السّيريني: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ دخل على بلال، فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمرا أدخره، قال: ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن يكون لك بخار في النّار، أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا (¬٦). بكّار ضعيف. وقال معاوية بن سلاّم، عن زيد بن سلام، أنّه سمع أبا سلاّم، قال: حدّثني عبد الله أبو عامر الهوزنيّ قال: لقيت بلالا مؤذّن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: حدّثني كيف كانت نفقة النّبيّ ﷺ، فقال: ما كان له شيء من ذلك، إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه، منذ بعثه الله إلى أن توفيّ، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم، فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إنّ عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلاّ منّي، ففعلت، فلمّا كان ذات يوم، توضأت، ثمّ قمت لأؤذّن بالصّلاة، فإذا المشرك في عصابة من التّجّار، فلمّا رآني قال: يا حبشيّ، قلت: يا لبيه، فتجهّمني، وقال قولا غليظا، فقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب. قال: إنّما بينك وبينه أربع ليال، فآخذك بالذي لي عليك، فإنّي لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك، ولا من كرامة صاحبك، ولكن أعطيتك لتجب لي عبدا، فأردّك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس النّاس، فانطلقت ثمّ أذّنت بالصّلاة، حتّى إذا صلّيت العتمة رجع النّبيّ ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأميّ إنّ المشرك قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتّى يرزق الله رسوله ما يقضي عنّي، فخرجت، حتى أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، واستقبلت بوجهي الأفق، فكلّما نمت انتبهت، فإذا رأيت عليّ ليلا نمت، حتى انشقّ عمود الصّبح الأول، فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى، يدعو: يا بلال أجب رسول الله ﷺ فانطلقت حتّى أتيته، فإذا أربع ركائب عليهنّ أحمالهنّ، فأتيت النّبيّ ﷺ، فاستأذنت، فقال لي النّبيّ ﷺ: أبشر، فقد جاءك الله بقضائك، فحمدت الله، قال: ألم تمرّ على الركائب المناخات الأربع؟ قلت: بلى، قال: فإنّ لك رقابهنّ وما عليهنّ، فإذا عليهنّ كسوة وطعام أهداهنّ له عظيم فدك، فحططت عنهنّ، ثمّ عقلتهنّ، ثمّ عمدت إلى تأذين صلاة الصّبح، حتّى إذا صلّى رسول الله ﷺ خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذني، فناديت وقلت: من كان يطلب رسول الله ﷺ دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي حتّى لم يبق على رسول الله ﷺ دين في الأرض، حتّى فضل عندي أوقيّتان، أو أوقيّة ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامّة النّهار، فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، فسلّمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟ قلت قد قضى الله كلّ شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، فقال: فضل شيء؟ قلت: نعم ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منهما. فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتّى أصبح، وظلّ في المسجد اليوم الثاني، حتّى كان في آخر النّهار جاء راكبان، فانطلقت بهما، فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلّى العتمة دعاني، فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه، فكبّر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت، وعنده ذلك، ثم اتّبعته، حتّى جاء أزواجه، فسلّم على امرأة امرأة، حتّى أتى مبيته. أخرجه أبو داود (¬١) عن أبي توبة الحلبيّ، عن معاوية. وقال أبو الوليد الطّيالسيّ: حدثنا أبو هاشم الزّعفرانيّ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، أنّ أنس بن مالك حدّثه، أنّ فاطمة ﵂ جاءت بكسرة خبز إلى النّبيّ ﷺ فقال: ما هذه؟ قالت: قرص خبزته، فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال: أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام. وقال أبو عاصم، عن زينب بنت أبي طليق قالت: حدّثني حبّان ابن جزء - أو (¬٢) بحر - عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ كان يشد صلبه بالحجر من الغرث (¬٣). وقال أبو غسّان النّهديّ: حدثنا إسرائيل، عن مجالد، عن الشّعبيّ، عن مسروق قال: بينما عائشة تحدّثني ذات يوم إذ بكت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلاّ بكيت أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد. وقال خالد بن خداش: حدثنا ابن وهب، قال: حدّثني جرير بن حازم، عن يونس، عن الحسن قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات، والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته. روى الأربعة ابن سعد (¬١) عن هؤلاء. وقال أبان، عن قتادة، عن أنس، أنّ يهوديّا دعا النّبيّ ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه. وقال أنس: أهدي للنّبيّ ﷺ تمر، فرأيته يأكل منه مقعيا (¬٢) من الجوع. وقالت أسماء بنت يزيد: توفيّ النّبيّ ﷺ ودرعه مرهونة عند يهوديّ على شعير (¬٣).