القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 943, entry [671]2,789 chars
ذكر أخباره وفضائله وزهده وتعظيم الكبار له رحمه الله تعالى قال عبد بن محمد القروي: كان ربيع لسان أهل إفريقية في الزهد، والرقة، والكلام على الأحوال والمقامات. لا يفوقه في ذلك أحد في وقته، انتفع في ذلك بصحبة أبي الحسن علي بن سهيل الدينوري. وأبي علي بن الكاتب، وأبي علي الروذباري وغيرهم. وحكى الأجدابي، أ…
▸ expand full passage (2,789 chars)ذكر أخباره وفضائله وزهده وتعظيم الكبار له رحمه الله تعالى قال عبد بن محمد القروي: كان ربيع لسان أهل إفريقية في الزهد، والرقة، والكلام على الأحوال والمقامات. لا يفوقه في ذلك أحد في وقته، انتفع في ذلك بصحبة أبي الحسن علي بن سهيل الدينوري. وأبي علي بن الكاتب، وأبي علي الروذباري وغيرهم. وحكى الأجدابي، أنه خرج الى الحج مرتين: الأولى سمع فيها الحديث. والثانية خرج متنكرًا في زي طنجي، حتى لا يؤبه به. ويخلص له عمله. فاجتمع في تلك السفر بجماعة من المتعبدين. وكان أبو علي بن الكاتب يقول: ما رأيت رجلًا جعل رحلته الأولى في أول درجة من هذا العلم. وجعل رحلته الثانية في أعلى درجة إلا ربيعًا القطان. كأنما جاءه الأمر دفعة واحدة، صلة من الله تعالى. وفي كتاب زهرون الطرابلسي إليه: أنتم العلماء بأمر، والطرق إليه والإدلاء عليه. أسأل الله أن يجعلني حسنة من بعض حسناته. وكان أبو مالك الدبّاغ، له حلقة، يجتمع إليه أيضًا فيها أصحابه، في علم الباطن. فكان إذا اختلفوا قام أبو مالك الى حلقة ربيع. فيبحثوا بين يديه، فيسأله عما يريد. وكان قد نحل جسمه، ورق عظمه، من صيام النهار، وقيام الليل. قال بعضهم: كان بعض أهل العلم ينال من ربيع، ويأخذعليه في مجلس وعظه. وكان لا ينقد عليه. فرأيت رجلًا ليس للدنيا عنده ذكر. وعظم حاله وحال مجلسه، وكان جعل على نفسه، أن لا يشبع من طعام، ولا نوم، حتى يقطع الله دولة بني عبيد. وكان مع ذلك ملتزمًا في حانوته، يبيع القطن. وفيه يأتيه من يطلب منه، ويسأله. قال أخوه أحمد: جاء قوم فسألوا ربيعًا عن مسائل. فرأيت أخانا سعيدًا قد اغتم. فسألته عن غمه. فقال من أجل هذا، يأتي إليه قوم يقعدون عنده، فيسألونه عن علم رفيع. فيجيبهم بكلام عال. فإذا قاموا عنه، رجع الى حلقة القطن يبيض فيها، ويطلب الحبة، والخروبة. فذكرت ذلك لربيع فقال عادكم برُّ أريحُ لم تصرخوا؟ وقال بعضهم: كنت يومًا في مجلس، وهو محتفل. فوقع بقلبي شيء فأقلقني ولم أقدر على الصبر، الى خفة الناس. فقمت، فأعدت الكلام فنهرني وقال: اجلس. فغضبت. فقلت له: لا يحل لك كتم العلم. فلم آته أيامًا. ثم قلت لنفسي: إنما وقع الضرر بك حيث قطعت حظك منه، مما يفوتك من الخير. فسرت إليه فوجدت بابه مردودًا بلا حديدة. وكانت علامة جلوسه. فدخلت دون إذن، فوجدته جالسًا على رجليه. فأخذَتْه حالٌ وهو يبكي ويقول: أنت دائي ودوائي. أنت عيدي ومناي. أنت كنزي وعتادي. فبقيت أنظر إليه، وقد هاج. فسلمت عليه فانتبه وقال: مرحبًا بك. وقام وأخذ بأطواقي، وجمعها علي. ثم جلس. وقال: صارت لك نفس تغضب وتندم. فقلت أي شيء أعمل. وقع بقلبي شيء فاحترقت، فقمت إليك أرجو الفرج، وأنت تجلسني. فقال: قد رأيتك، وأحسست الذي بك.فما مسألتك؟ فأخبرته. فقال: تلومني على هذا، وهذه مسألة ينبغي أن لا تذكر قدّام الناس. الجواب فيهما، كذا وكذا. قال أبو محمد يحيى: قلت لربيع: إذا أتى العدو، فقال: العدو إنما هو السارق. والسارق لا يدخل بيتًا خاليًا. إنما يدخل بيتًا عامرًا. ولكن إذا قال لك: هكذا. ومد يديه، يشير الى الدعاء والتضرّع واللجوء الى الله، ﷿ في كشف ما طرأ عليك، منه. فإنه يذهب. قال: وسألنا ربيعًا عن حضور مجلس السبت، فامتنع. فألححنا عليه، فوعد ومضى معنا إليه. وجلس ورأسه بين ركبتيه. ونحن نسمع تنهيده، حتى انصرف. فلما وصل منزله عصر القميص الذي كان عليه عصرًا، من الدموع، وبيّته على الحبل.