أبو بكر المالكي - رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية
full-text— · 2 entries
- legacy full passagepage 725, entry [280]7,048 chars
١٩٢ - أبو سعيد محمّد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (**) ﵃ودفن بمقبرة باب نافع (٢) إلى جنب أبيه. كان (٣) ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) (٤) مولده سنة ست وخمسين ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. قال (٥) أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد…
▸ expand full passage (7,048 chars)١٩٢ - أبو سعيد محمّد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (**) ﵃ودفن بمقبرة باب نافع (٢) إلى جنب أبيه. كان (٣) ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) (٤) مولده سنة ست وخمسين ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. قال (٥) أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد محمد بن سحنون: خرج محمد بن سحنون مع الأمير محمد بن أحمد بن الأغلب (٦) إلى سوسة فلما صلّى الصبح جلس بعد الصلاة، فقال لمن حوله: يأتيني اليوم (٧) بشير (٨) من القيروان (يخبرني) (٩) بأن «قراطيس» جاريتي وضعت حملها وأتت بغلام وأنا اسميه-إن شاء الله تعالى-باسمي وأكنيّه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا. فما انتصف النهار حتى أتاه غلام (له) (٩) [فبشّره] (١٠) بأن أم ولده «قراطيس» ولدت غلاما، فنزع ثوبا كان عليه له قدر فرمى به إلى الغلام فلما (أن) (١١) صار الثوب (١٢) إليه (١٣) قال له: اختر أيهما شئت: إن أحببت أن ترد الثوب واعتقك، أو تحبس الثوب وأنت مملوك، فرد الغلام الثوب وأعتقه. وإنما كانت (١٤) رؤيا رآها محمد في المنام.وكان (١٥) أبو سعيد-﵁-أصغر ولد (محمد) (١٦) أمه «قراطيس» (أم ولد محمد) (١٦) قدم بها من مصر في العام الذي (حجّ) (١٦) فيه (١٧)، اشتراها بمصر وذلك أنه سمع بكاء امرأة في الرفقة-في وقت دخولهم مصر-فسأل عن المرأة وشأنها، فأخبر أنها جارية إنسان أندلسي يريد بيعها، فبكت وذكرت أن لها أبوين بالمغرب (١٨) فرقّ لها وبعث في طلب الأندلسي فاشتراها منه وحجّ بها (معه) (١٩) وانصرف بها إلى إفريقية وقال: والله ما أردت شراءها رغبة فيها ولكن (٢٠) لأجمع بينها وبين أبويها فلعل الله أن يجمع بيني وبين أبي فتسرّاها وأولدها أولادا. وكان (٢١) أبو سعيد يقول كثيرا (٢٢): وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (٢٣) وكان كثيرا ما يقول: إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٢٤) ثم يقول: اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ (٢٥) ثم يقول: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (٢٦) ويقول: ابن آدم إنك مسئول. وقيل (٢٧): إن الخضر-﵇-كان يجتمع معه. قال (٢٨) أبو بكر محمد بن محمد بن بشير المؤدب (٢٩): أتيت مرة إلى أبي سعيدفرأيته مستبشرا ومعه أبو يحيى الأطرابلسي والمارندي (٣٠)، فقال-بعد كلام دار بيننا (٣١) -لقد أتاني إنسان طوال، بعيد الخطى من صفته كذا [وكذا] (٣٢) من جهة البرية-يعني السّبخة-فقمت إليه قصدا وهو قاصدي فسلّمت عليه ودار بيني وبينه كلام ووصية، (ثم فارقني) (٣٣). فقلت له: يا أبا سعيد أظنّه (٣٤) الخضر- ﵇ (٣٣) - فقال لي: هو كذلك. فسألناه (٣٥) أن يحكي لنا ما دار بينهما من الكلام/فأبى من ذلك. وجرت (٣٦) عليه محنة على يدي المروذي-لعنة الله عليه-وذلك انه أحضره وقال له: بلغني عنك أشياء كثيرة يجب في أقل منها سفك (الدماء) (٣٧) ولئن لم تلزم العافية وتتبع ما يعنيك لأنزلنّ بك ما تستحقه. ثم أمر حاجبه فقنعه درات يسيرة. قال المؤرخ: فلمت المروذي على فعله به وقلت له: لو صحّ قبله ذنب لوجب عليك حفظه لجده (قدس الله روحه ونور ضريحه) (٣٧) وتستجلب بذلك قلوب الصالحين. [قال] (٣٨) فقال لي: والله ما ضربته إلاّ شفقة عليه ونظرا له وذلك أن المشارقة أكثروا عليّ في أمره، فأردت أن أرضيهم بما فعلت خوفا أن يرفعوا (٣٩) خبره إلى السلطان فيكون في أمره أكثر ممّا كان، (ثم قال) (٤٠): وهل رأيتني (قط) (٤٠) عاقبت أحدا مثل (٤١) ما عاقبته؟ ﵁ وأرضاه-.ومن هذه الطبقة (١): ١٩٣ - أبو علي عبد الله بن محمد بن الفرج (٢) المعروف بابن البناء (٣) مولى الأغلب (٤) -. كان (٥) من أهل الفهم والدراية، والفقه والرواية، كتب لعيسى بن مسكين ثم ولي قضاء قصطيلية (٦)، بارعا في علم القضاء لم يكن في عصره أعلم/ [منه] (٧) [بذلك] (٨)، متفنّنا في علوم شتى، عدلا (٩) في أحكامه، كتب لابن طالب وبه انتفع. مولده سنة (١٠) خمس وثلاثين ومائتين. وكان سبب استكتاب عيسى (١١) إياه أن إبراهيم بن أحمد لما ولاّه بعد محاورة (*) مصادره: طبقات الخشني ١٤٢ (ترجمة عيسى بن مسكين ١٦١ - ١٦٢) المدارك ٥: ٩٨ - ١٠٠، معالم الإيمان ٣١٦: ٢ - ٣١٧، البيان المغرب ١٤٢: ١ (حوادث ٢٩٤).ومراجعة، قال له: عندي مولى لنا قد فقه فأحبّ أن تجعله كاتبا لك، فاستكتبه عيسى بن مسكين وأودعه ودائع، ثم طرأت أزمة شديدة وضيقة عظيمة فقيل لعيسى [بن مسكين] (١٢): ذهبت ودائع الناس التي (١٣) عند ابن البناء فقال: لم؟ فقيل له: رأيناه يقطع الميتة. فوجه إليه عيسى، فقال له: الودائع، فقال له: الساعة آتيك بها، فذهب فأتاه بما عنده من الودائع، فلما رآها عيسى بحالها قال له: تأكل الميتة وهذه عندك؟ فقال له: إن الميتة أحلّت لي مع الاضطرار ولم يحل لي أن أخون أمانتي (١٤). فقال له: ارجع بها. فقال له: والله لا رجعت إليّ (١٥) وامتنع من قبولها وأسلمها إليه. قال (١٦) أبو عبد الله بن الخرّاط: لمّا ولّى إبراهيم بن أحمد أبا علي (١٧) ابن البناء قضاء قصطيلية (١٨) نزل به مثل ما نزل بموسى بن عبد الرحمن القطان مع أهل طرابلس (١٩) فسعى (٢٠) به أهل قصطيلية (١٨) ورفعوا عليه البغي عند ابراهيم/حتى عزله بعد أن كان له مع جماعة من وجوه أهل البلد قصة عجيبةوذلك أنه قدم البريد إلى عامل قصطيلية بعزله وتخشيبه (٢١) ورفعه إلى حبس رقادة فألفى العامل غائبا وكاتبه في مكانه جالسا، فقال الكاتب للبريد: ما الذي جئت به في هذا الكتاب؟ قال: بعزل ابن البناء وتخشيبه (٢٢) ورفعه إلى حبس رقادة فأرسل بالبشرى إلى القوم الذين كانوا لاحوه وبسببهم نزلت به النازلة فأتوا سراعا إلى دار العامل فاختبروا ذلك، فصحّ عندهم ما أتى به البريد في عزله وتخشيبه فاستخفهم ذلك إلى أن قالوا: نسير إليه في مجلس قضائه فنشتمه ونشفي صدورنا منه، فأتوه في مجلس قضائه-ولا علم عنده بما أتى [فيه] (٢٣) من عند الأمير-فصبوا عليه من قوارع السب (ما أحبّوا) (٢٤)، فلم يشك ابن البناء انهم لم يجسروا عليه بذلك إلاّ وقد أيقنوا بعزله. ونظر إلى نفسه في مجلس قضائه لم يصل إليه العزل فقال من (ها) (٢٤) هنا من الأعوان؟ فابتدروه (٢٥) فأمرهم (٢٦) بإمساكهم ثم عصبهم إلى العمود رجلا رجلا فضرب كل واحد منهم ضربا وجيعا ونكّل بهم جميعا وأمر (٢٧) بتقييدهم في الحديد (٢٨) وأودعهم الحبس وساعده القدر فيهم قبل أن يقدم العامل حتى نفذ (٢٩) فيهم ما أحب ثم أتى العامل بأثر ذلك، فأرسل إليه فأوثقه وأرسله إلى رقادة، فلما قدم (إلى) (٣٠) رقادة تولّى مناظرته، بين يدي ابراهيم بن أحمد، [محمد بن] (٣١) عبد الله بن عبدون، فأبان ابن البناء عن نفسه وكشف عن السبة المرفوعة عليه، فرفع ابراهيم [الأمير] (٣٢) رأسه إلىبلاغ الفتى (٣٣) فقال له بالصقلبية (٣٤): إني أرى هذا الرجل-يريد ابن البناء- يستحق أن تنزع قلنسوة القاضي-يعني ابن عبدون-وتجعل على رأسه. ثم بعد ذلك ضمّه [ابراهيم ابن أحمد] (٣٥) إلى كتابة قاضيه عيسى بن مسكين. ومنهم (١): ١٩٤ - عبد الله بن محمد الأعمش (٢) الطرابلسي المتعبد، يعرف بالعازب (*). كان من فضلاء المؤمنين وخيار المتعبدين، روى عن جماعة من العلماء. قال ربيع القطان: قال لي عبد الله المشهور بالعازب: كان عندنا رجل يقال له أبو القاسم الأندلسي (٣) صحب النساك والصالحين، طريقة الفقراء الصادقين وساح في طلب الأولياء-قال عبد الله: وهو ترب (٤) صاحبك علي بن زكرون (٥) إلى طريقالآخرة-فحدثني أبو القاسم/من فيه إلى أذني قال (٦): خرجت أريد الشبلي (٧) الناسك ببغداد فنزلت بها فأردت أن أستريح بدخول الحمام فأتيت صاحب الحمّام لأدخل، فقال لي: يا هذا فيه (٨) [رجل] (٩) من أهل (الله) (١٠) المتقين (١١)، فدفعت إليه درهما لأدخل فأذن لي فدخلت فإذا [أنا] (١٢) بشيخ جالس بين يديه صبي (١٣)، فلما جلست ابتدر (١٤) إليّ وقال لي: أنت أبو القاسم؟ قلت نعم. قال الأندلسي الجائي إلينا؟ قلت: نعم. وأنت أبو فلان (١٥) الشبلي؟ قال (١٦) نعم. فقال (١٧): خذ هذا السطل (فإذا صبّ الماء الحار) (١٨) فاملأه من الميزاب، ففعلت ثم استلقى على ظهره وقال لي صب (١٩) ذلك الماء الحار على بدني، فصببته، فلما فرغ قام فجلس ومسح وجهه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علينا سلطانا [يعني حرارة الماء] (٢٠) ثم خرجنا (من الحمام) (٢١) فإذا ناس عند منزلهينتظرون خروجه فلما رآهم جلس ودعا بالخادم فقال له: هلم بالنار (٢٢)، فأتاه بها تتوقد فبسط كفه وقال له: اجعلها (٢٣) في كفي فجعلها (٢٤) في كفه فلم يزل يلقي عليها (٢٥) بخورا مرة فمرة حتى بخرهم (٢٦) عشرين رجلا واحدا فواحدا ثم ألقاها من كفه ثم مسح كفه بكفه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لها (٢٧) علينا سلطانا.
- legacy full passagepage 725, entry [280]7,048 chars
١٩٢ - أبو سعيد محمّد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (**) ﵃ودفن بمقبرة باب نافع (٢) إلى جنب أبيه. كان (٣) ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) (٤) مولده سنة ست وخمسين ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. قال (٥) أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد…
▸ expand full passage (7,048 chars)١٩٢ - أبو سعيد محمّد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (**) ﵃ودفن بمقبرة باب نافع (٢) إلى جنب أبيه. كان (٣) ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) (٤) مولده سنة ست وخمسين ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. قال (٥) أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد محمد بن سحنون: خرج محمد بن سحنون مع الأمير محمد بن أحمد بن الأغلب (٦) إلى سوسة فلما صلّى الصبح جلس بعد الصلاة، فقال لمن حوله: يأتيني اليوم (٧) بشير (٨) من القيروان (يخبرني) (٩) بأن «قراطيس» جاريتي وضعت حملها وأتت بغلام وأنا اسميه-إن شاء الله تعالى-باسمي وأكنيّه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا. فما انتصف النهار حتى أتاه غلام (له) (٩) [فبشّره] (١٠) بأن أم ولده «قراطيس» ولدت غلاما، فنزع ثوبا كان عليه له قدر فرمى به إلى الغلام فلما (أن) (١١) صار الثوب (١٢) إليه (١٣) قال له: اختر أيهما شئت: إن أحببت أن ترد الثوب واعتقك، أو تحبس الثوب وأنت مملوك، فرد الغلام الثوب وأعتقه. وإنما كانت (١٤) رؤيا رآها محمد في المنام.وكان (١٥) أبو سعيد-﵁-أصغر ولد (محمد) (١٦) أمه «قراطيس» (أم ولد محمد) (١٦) قدم بها من مصر في العام الذي (حجّ) (١٦) فيه (١٧)، اشتراها بمصر وذلك أنه سمع بكاء امرأة في الرفقة-في وقت دخولهم مصر-فسأل عن المرأة وشأنها، فأخبر أنها جارية إنسان أندلسي يريد بيعها، فبكت وذكرت أن لها أبوين بالمغرب (١٨) فرقّ لها وبعث في طلب الأندلسي فاشتراها منه وحجّ بها (معه) (١٩) وانصرف بها إلى إفريقية وقال: والله ما أردت شراءها رغبة فيها ولكن (٢٠) لأجمع بينها وبين أبويها فلعل الله أن يجمع بيني وبين أبي فتسرّاها وأولدها أولادا. وكان (٢١) أبو سعيد يقول كثيرا (٢٢): وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (٢٣) وكان كثيرا ما يقول: إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٢٤) ثم يقول: اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ (٢٥) ثم يقول: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (٢٦) ويقول: ابن آدم إنك مسئول. وقيل (٢٧): إن الخضر-﵇-كان يجتمع معه. قال (٢٨) أبو بكر محمد بن محمد بن بشير المؤدب (٢٩): أتيت مرة إلى أبي سعيدفرأيته مستبشرا ومعه أبو يحيى الأطرابلسي والمارندي (٣٠)، فقال-بعد كلام دار بيننا (٣١) -لقد أتاني إنسان طوال، بعيد الخطى من صفته كذا [وكذا] (٣٢) من جهة البرية-يعني السّبخة-فقمت إليه قصدا وهو قاصدي فسلّمت عليه ودار بيني وبينه كلام ووصية، (ثم فارقني) (٣٣). فقلت له: يا أبا سعيد أظنّه (٣٤) الخضر- ﵇ (٣٣) - فقال لي: هو كذلك. فسألناه (٣٥) أن يحكي لنا ما دار بينهما من الكلام/فأبى من ذلك. وجرت (٣٦) عليه محنة على يدي المروذي-لعنة الله عليه-وذلك انه أحضره وقال له: بلغني عنك أشياء كثيرة يجب في أقل منها سفك (الدماء) (٣٧) ولئن لم تلزم العافية وتتبع ما يعنيك لأنزلنّ بك ما تستحقه. ثم أمر حاجبه فقنعه درات يسيرة. قال المؤرخ: فلمت المروذي على فعله به وقلت له: لو صحّ قبله ذنب لوجب عليك حفظه لجده (قدس الله روحه ونور ضريحه) (٣٧) وتستجلب بذلك قلوب الصالحين. [قال] (٣٨) فقال لي: والله ما ضربته إلاّ شفقة عليه ونظرا له وذلك أن المشارقة أكثروا عليّ في أمره، فأردت أن أرضيهم بما فعلت خوفا أن يرفعوا (٣٩) خبره إلى السلطان فيكون في أمره أكثر ممّا كان، (ثم قال) (٤٠): وهل رأيتني (قط) (٤٠) عاقبت أحدا مثل (٤١) ما عاقبته؟ ﵁ وأرضاه-.ومن هذه الطبقة (١): ١٩٣ - أبو علي عبد الله بن محمد بن الفرج (٢) المعروف بابن البناء (٣) مولى الأغلب (٤) -. كان (٥) من أهل الفهم والدراية، والفقه والرواية، كتب لعيسى بن مسكين ثم ولي قضاء قصطيلية (٦)، بارعا في علم القضاء لم يكن في عصره أعلم/ [منه] (٧) [بذلك] (٨)، متفنّنا في علوم شتى، عدلا (٩) في أحكامه، كتب لابن طالب وبه انتفع. مولده سنة (١٠) خمس وثلاثين ومائتين. وكان سبب استكتاب عيسى (١١) إياه أن إبراهيم بن أحمد لما ولاّه بعد محاورة (*) مصادره: طبقات الخشني ١٤٢ (ترجمة عيسى بن مسكين ١٦١ - ١٦٢) المدارك ٥: ٩٨ - ١٠٠، معالم الإيمان ٣١٦: ٢ - ٣١٧، البيان المغرب ١٤٢: ١ (حوادث ٢٩٤).ومراجعة، قال له: عندي مولى لنا قد فقه فأحبّ أن تجعله كاتبا لك، فاستكتبه عيسى بن مسكين وأودعه ودائع، ثم طرأت أزمة شديدة وضيقة عظيمة فقيل لعيسى [بن مسكين] (١٢): ذهبت ودائع الناس التي (١٣) عند ابن البناء فقال: لم؟ فقيل له: رأيناه يقطع الميتة. فوجه إليه عيسى، فقال له: الودائع، فقال له: الساعة آتيك بها، فذهب فأتاه بما عنده من الودائع، فلما رآها عيسى بحالها قال له: تأكل الميتة وهذه عندك؟ فقال له: إن الميتة أحلّت لي مع الاضطرار ولم يحل لي أن أخون أمانتي (١٤). فقال له: ارجع بها. فقال له: والله لا رجعت إليّ (١٥) وامتنع من قبولها وأسلمها إليه. قال (١٦) أبو عبد الله بن الخرّاط: لمّا ولّى إبراهيم بن أحمد أبا علي (١٧) ابن البناء قضاء قصطيلية (١٨) نزل به مثل ما نزل بموسى بن عبد الرحمن القطان مع أهل طرابلس (١٩) فسعى (٢٠) به أهل قصطيلية (١٨) ورفعوا عليه البغي عند ابراهيم/حتى عزله بعد أن كان له مع جماعة من وجوه أهل البلد قصة عجيبةوذلك أنه قدم البريد إلى عامل قصطيلية بعزله وتخشيبه (٢١) ورفعه إلى حبس رقادة فألفى العامل غائبا وكاتبه في مكانه جالسا، فقال الكاتب للبريد: ما الذي جئت به في هذا الكتاب؟ قال: بعزل ابن البناء وتخشيبه (٢٢) ورفعه إلى حبس رقادة فأرسل بالبشرى إلى القوم الذين كانوا لاحوه وبسببهم نزلت به النازلة فأتوا سراعا إلى دار العامل فاختبروا ذلك، فصحّ عندهم ما أتى به البريد في عزله وتخشيبه فاستخفهم ذلك إلى أن قالوا: نسير إليه في مجلس قضائه فنشتمه ونشفي صدورنا منه، فأتوه في مجلس قضائه-ولا علم عنده بما أتى [فيه] (٢٣) من عند الأمير-فصبوا عليه من قوارع السب (ما أحبّوا) (٢٤)، فلم يشك ابن البناء انهم لم يجسروا عليه بذلك إلاّ وقد أيقنوا بعزله. ونظر إلى نفسه في مجلس قضائه لم يصل إليه العزل فقال من (ها) (٢٤) هنا من الأعوان؟ فابتدروه (٢٥) فأمرهم (٢٦) بإمساكهم ثم عصبهم إلى العمود رجلا رجلا فضرب كل واحد منهم ضربا وجيعا ونكّل بهم جميعا وأمر (٢٧) بتقييدهم في الحديد (٢٨) وأودعهم الحبس وساعده القدر فيهم قبل أن يقدم العامل حتى نفذ (٢٩) فيهم ما أحب ثم أتى العامل بأثر ذلك، فأرسل إليه فأوثقه وأرسله إلى رقادة، فلما قدم (إلى) (٣٠) رقادة تولّى مناظرته، بين يدي ابراهيم بن أحمد، [محمد بن] (٣١) عبد الله بن عبدون، فأبان ابن البناء عن نفسه وكشف عن السبة المرفوعة عليه، فرفع ابراهيم [الأمير] (٣٢) رأسه إلىبلاغ الفتى (٣٣) فقال له بالصقلبية (٣٤): إني أرى هذا الرجل-يريد ابن البناء- يستحق أن تنزع قلنسوة القاضي-يعني ابن عبدون-وتجعل على رأسه. ثم بعد ذلك ضمّه [ابراهيم ابن أحمد] (٣٥) إلى كتابة قاضيه عيسى بن مسكين. ومنهم (١): ١٩٤ - عبد الله بن محمد الأعمش (٢) الطرابلسي المتعبد، يعرف بالعازب (*). كان من فضلاء المؤمنين وخيار المتعبدين، روى عن جماعة من العلماء. قال ربيع القطان: قال لي عبد الله المشهور بالعازب: كان عندنا رجل يقال له أبو القاسم الأندلسي (٣) صحب النساك والصالحين، طريقة الفقراء الصادقين وساح في طلب الأولياء-قال عبد الله: وهو ترب (٤) صاحبك علي بن زكرون (٥) إلى طريقالآخرة-فحدثني أبو القاسم/من فيه إلى أذني قال (٦): خرجت أريد الشبلي (٧) الناسك ببغداد فنزلت بها فأردت أن أستريح بدخول الحمام فأتيت صاحب الحمّام لأدخل، فقال لي: يا هذا فيه (٨) [رجل] (٩) من أهل (الله) (١٠) المتقين (١١)، فدفعت إليه درهما لأدخل فأذن لي فدخلت فإذا [أنا] (١٢) بشيخ جالس بين يديه صبي (١٣)، فلما جلست ابتدر (١٤) إليّ وقال لي: أنت أبو القاسم؟ قلت نعم. قال الأندلسي الجائي إلينا؟ قلت: نعم. وأنت أبو فلان (١٥) الشبلي؟ قال (١٦) نعم. فقال (١٧): خذ هذا السطل (فإذا صبّ الماء الحار) (١٨) فاملأه من الميزاب، ففعلت ثم استلقى على ظهره وقال لي صب (١٩) ذلك الماء الحار على بدني، فصببته، فلما فرغ قام فجلس ومسح وجهه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك علينا سلطانا [يعني حرارة الماء] (٢٠) ثم خرجنا (من الحمام) (٢١) فإذا ناس عند منزلهينتظرون خروجه فلما رآهم جلس ودعا بالخادم فقال له: هلم بالنار (٢٢)، فأتاه بها تتوقد فبسط كفه وقال له: اجعلها (٢٣) في كفي فجعلها (٢٤) في كفه فلم يزل يلقي عليها (٢٥) بخورا مرة فمرة حتى بخرهم (٢٦) عشرين رجلا واحدا فواحدا ثم ألقاها من كفه ثم مسح كفه بكفه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لها (٢٧) علينا سلطانا.