القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 440, entry [219]3,340 chars
ذكر شيء من فضائله - وجوده وأخباره قال سحنون: كتب أشهب إلى رجل كان يقع فيه: أما بعد، فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم إني أرتع في حسناتك كما ترعى الشاة الخضر. السلام. وجلس أشهب يومًا بمكة إلى ابن القاسم فسأله رجل عن مسألة، فتكلم فيها عبد الرح…
▸ expand full passage (3,340 chars)ذكر شيء من فضائله - وجوده وأخباره قال سحنون: كتب أشهب إلى رجل كان يقع فيه: أما بعد، فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم إني أرتع في حسناتك كما ترعى الشاة الخضر. السلام. وجلس أشهب يومًا بمكة إلى ابن القاسم فسأله رجل عن مسألة، فتكلم فيها عبد الرحمان فصعّر له أشهب وجهه، وقال ليس هو كذلك. ثم أخذ يفسرها ويحتج فيها. فقال ابن القاسم: الشيخ يقوله، عفاك الله. يعني مالكًا. فقال أشهب: لو قاله ستين مرة. فلم يرادّه بن القاسم. قال أشهب: أتيت الفضيل أستشيره في إتيان الوالي وكيف أتيته فليس أحد يأتيه أقوم بأمره ونهيه مني، وربما قيل وانتفع بذلك المسلمون، فقال لي أنت رجل تسألني عن خاصة نفسك لأنك لا تأتيهم ولا تودهم ولا تود من يودهم. ولا تود من يودّ من يودّهم. قال ابن وضاح: كان أشهب يقول: إنما الورع في المشتبهات وأما الكبائر فكل أحد يتقيها. قال أشهب أمرني أبي أن أتخذ سقاية بموضع سمّاه فبنيتها مرات ويهدمها جيران حسدوني فيها. فأدركني يومًا غمّ ذلك، فقعدت عندها باكيًا مفكرًا، فسمعت صوتًا من الصحراء يقول: ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة الآية، فحرّكت دوابي نحو الصوت فلم أر أحدًا. فعدت إلى موضعي فسمعت الصوت فقمت فلم أر أحدًا. فعدت للقعود فعاد الصوت ثالثة، فعلمت أني المراد فحمدت الله. وقامتلي نية في طلب العلم وبنيتها ووكّلت من يحرسها، بأجرة. فلم يعد أحد إلى خرابها. وقد حكيت مثل هذه الحكاية لليث بن سعد حين بنى داره والله أعلم. وقال ما مرت بي إلا أعوام يسيرة حتى أحتاج أولئك وغيرهم من أهل بلدي إليّ. قال ابن أبي مريم: شيعنا أشهب إلى الرباط ما يملك نصف درهم، فما مات حتى كان ينفق كل يوم على مائدته عشرة مثاقيل. وكان فتح عليه في الدنيا. وقال سحنون: كانت بمصر مجاعة فحضرته يتصدق بالدنانير من الغدوة إلى الليل. ويتصدق بما كان معه من طعام. وذكر عنه سحنون، أنه رآه يتصدق في يوم واحد بألف دينار. وذكر ابن الجزار في كتاب التعريف: أن ابن القاسم ترك كلام أشهب لأنه تقبل خراج مصر. فسأل رجل ابن القاسم عن فيالة أرض مصر، فقال له: لا تجوز. فقال له: فأشهب يتقبلها. فقال له ابن القاسم: افعل أنت ما يفعل أشهب. وتقبل الجامع. وذكر أن رجلًا سأل أشهب عن الحرث في أرض مصر. فقال لا تجوز. فقال له أنت تحرث فيها. فقال له: فأحمل لنفسي ولك أيضًا. وسأل عنها ابن وهب فنهاه. فقال له: فأشهب يفعله. فقال أعطنا آخر كأشهب. يكفل ايتامنا، ويرق لضعفائنا، ونبيح لك أن تحدث في مسجدنا. قال سحنون: كان يتصدق بأضعاف كرائها. قال سحنون: حضرنا أشهب يوم عرفة بجامع مصر، وكان من حالهم إقامتهم بمسجدهم إلى غروب الشمس، يعني للذكر والدعاء كما يفعل أهل عرفة بها، وكان يصلي جالسًا يعني النافلة. وفي جانبه صرة يعطي منها السوّال، فنظرت فإذا بيد سائل دينار، مما أعطاه، فذكرته له، فقال لي وما كنا نعطي من أول النهار، وذكر يونس قال: زعم أشهب أنه سمع سليمانالسائح في مساجد الصحراء يقول: يا رب عبدك سليمان جائع، لم يأكل منذ ثلاث ليال. فلما فرغ سمعته يمضغ فكرهت أن أدخل عليه فأحشمه، وكان للمسجد بابان فخرج من القبلي ودخلنا من آخر. فإذا بأنواء تمر وتمرة منتبذة فأكلتها، فأقمت معصوبًا عشرة أيام لا آكل ولا أشرب. قال سحنون: اجتاز أشهب بابن القاسم يومًا وعلى أشهب ثياب تتقعقع، وتحته بغلة هملاج، فقال ابن القاسم: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون. ثم سكت ساعة وقال بلى: يا رب نصبر ونصبر. وقد نمت هذه الحكاية وهذا الكلام للمزني، وقد مرّ به بنو عبد الحكم في موكبهم بمصر أيضًا والله أعلم. وذكر أن رجلًا من أهل العراق لقي أشهب فقال له العراقي: أنتم تحلون إتيان النساء في أدبارهن، فقال أشهب: أنتم تحرمونه ولكن تعال أحلف لي ما فعلته، واحلف لي أنت بمثله، فلم يفعل العراقي. وذكر أن أشهب بينما هو في أصحابه إذ سمع إنسانًا ينذر بلص، فقام وأخذ سلاحه وخرج يتبعه، فقيل له في ذلك أن مثلك لا يليق به هذا؟ فقال: ما كنت لأتخلَّق بغير ما حبلني الله عليه.