exact linked passagemedium confidencepage 811, entry [1236]7,643 chars
٩٣٩ - بكتمر الساقي [- ٧٣٣] (٦) [٢٩٠ أ] بكتمر الساقي، الأمير سيف الدين المظفّريّ، أحد مماليك المظفّر ركن الدين يبيرس الجاشنكير. ربّاه صغيرا وعرف عنده بمملوك قزمان. ثم أنعم عليه بإمرة في أوّل يوم من شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة في جملة من أنعم عليه [م]، وهم سبعة وعشرون أميرا، ولبسوا الخلع جميعا، وشقّوا …
▸ expand full passage (7,643 chars)▾ collapse
٩٣٩ - بكتمر الساقي [- ٧٣٣] (٦) [٢٩٠ أ] بكتمر الساقي، الأمير سيف الدين المظفّريّ، أحد مماليك المظفّر ركن الدين يبيرس الجاشنكير. ربّاه صغيرا وعرف عنده بمملوك قزمان. ثم أنعم عليه بإمرة في أوّل يوم من شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة في جملة من أنعم عليه [م]، وهم سبعة وعشرون أميرا، ولبسوا الخلع جميعا، وشقّوا القاهرة على العادة التي كانت إذ ذاك، فسخر العامّة بهم وقالوا: يا فرحة لا تمّت! - وذلك أنّ المظفّر كانت أحوال دولته قد اختلّت بقوّة الملك الناصر محمد بن قلاوون وتحرّكه من الكرك لارتجاع ملكه. وكان كذلك، وفرّ المظفّر في سادس عشره وبعث بمن معه من المماليك. فاختصّ السلطانمنهم بكتمر هذا في جماعة، وأثبت عند القضاة أنّ سائر مماليك سلّار وبيبرس اشتروا من بيت المال. فلمّا ثبت ذلك أعتق بكتمر فيمن أعتق، وجعله ساقيا. وكان غريبا في بيت السلطان ليس له خشداشيّة، فكان هو وحده، وسائر الخاصّكيّة حزبا عليه. وعظمت مكانته عند السلطان وزادت محبّته له، وأكثر من الإنعام عليه، وبالغ في تقريبه ورفعة قدره. وقدمت عليه أمّه في سنة ستّ عشرة [وسبعمائة]، فبالغ السلطان في إكرامها والإنعام إليها، وكتب إلى الأمير جوبان وخواجا علي شاه وحكّام دولة بو سعيد ملك العراقين بتجهيز بقيّة أهل بكتمر، وكتب أسماءهم وأماكنهم. وأقبل السلطان بكلّيته عليه، وشغله حبّه له عن غيره من الخاصّكيّة حتى إنّه وعك جسمه مرّة فمرّضه بنفسه، وصار لا يفارقه ساعة واحدة، ويسقيه الشراب ونحوه من الأدوية بيده، ويجلسه معه على الكرسيّ. وإذا قام للضرورة أمره أن يستمرّ جالسا فوق كرسيّ المملكة ولا ينزل عنه حتّى يعود. ولمّا مات طغاي الكبير، وكان الأمير تنكز نائب الشام منتميا إليه، قال السلطان لتنكز: خلّ بكتمر يكون أخاك عوض طغاي واكتب إليه بما يريد. ولمّا استحقّ ولده الختانة عمل له السلطان مهمّا عظيما، وختن معه عدّة من أولاد الأمراء في سنة ثنتي وعشرين، وأقامت الأفراح أربعة [٢٥٨ أ] أيّام. فبلغ ما رماه الأمراء في طشت ابن بكتمر الذي ختن فيه أربعة آلاف وأربعمائة دينار وعشرين دينارا، وما وقع في طشت ابن الأمير طشتمر حمّص أخضر ثلاثة آلاف دينار تنيف قليلا، وفي طشت [ابن] الأمير منكلي بغا الفخريّ نحو الألفين وثمانمائة دينار. وأخذ ذلك جميعه الذي ختنهم. وفي ليلة الجمعة ثالث عشر ذي الحجّة سنة سبع وعشرين عقد الأمير أحمد بن بكتمر السّاقي على قطلو ملك ابنة الأمير تنكز نائب الشام، بإشارة السلطان، وعمل لها مهمّا مدّة سبعة أيّام ذبح فيه خمسة آلاف رأس من الضأن، ومائة بقرة، وخمسون فرسا. وناب المغاني عشرة آلاف دينار. وخلع على جميع [٢٩٠ ب] أرباب الوظائف، وعلى نائب الشام، قام بذلك كلّه السلطان (١). ثمّ توجّه في ركاب السلطان إلى الحجاز في خامس عشر من شوّال سنة اثنتين وثلاثين. فبلغ السلطان عنه أثناء طريقه أنّه قد وافق جماعة من المماليك السلطانيّة على قتله وأخذه الملك لنفسه. فهمّ بالعود إلى مصر وقد تزايد قلقه. ثمّ مضى وهو في غاية القلق حتى نزل خليص (٢) [ف] فرّ نحو ثلاثين مملوكا إلى جهة العراق، فكثر توهّمه من بكتمر وأخذ يداهنه ويلطف بملازمته حتى لم يجد بكتمر فراغا من السلطان أن يجتمع بأهله: فإنّه كان إذا ركب أخذه بجانبه في مدّة سيره، فإذا نزل جلس معه ولا يدعه لحظة واحدة، حتى إنّ الأمير جنكلي ابن البابا بعث بابنه ناصر الدين محمد إلى الأمير بكتمر في حاجة عنّت له، فأقام نحو عشرة أيام يتردّد إلى مخيّمه وهو لا يجده، ثمّ آخر أمره أنّه وحده وقد خرج من عند السلطان فسلّم عليه وأخذ يحادثه، فقال له: دعني حتى أقضي شغلا، وأسمع حديثك- ثمّ دخل الخلاء في خيمة وخرج ليجلس، وإذا بجمداربعث به السلطان في طلبه فأخذ يتوضّأ والجمداريّة تتوالى عليه، فلم يفرغ من وضوءه حتى صار عنده اثنا عشر جمدارا ما منهم إلّا من يستعجله، فقام يمشي وهو يقول: اللهمّ، أرحني بالموت حتى أستريح ممّا أنا فيه! - ولم يتّسع له وقت لسماع كلام ابن البابا حتى دخل على السلطان. فلمّا انقضى موسم الحجّ وعاد السلطان من مكّة ونزل المدينة النبويّة، هبّت في الليل ريح عاصفة أظلم منها الجوّ وأتلفت (١) جميع الخيم، وكثر انزعاج الناس واختبطوا، وصار كلّ أحد لا يهتدي إلى خيمته ويهجم على موضع غير موضعه لشدّة الظلمة وقوّة الرياح. واجتمع المماليك والأمراء حول دهليز السلطان وقد اشتدّ خوفه أن يغتال في تلك الليلة. واتّفق مع ذلك هجوم جماعة على أمير أحمد بن بكتمر تريد قتله- فاتّهم السلطان بأنّه ندبهم لذلك- فلم يتمكّنوا منه، ورعب منهم وغشي عليه. ثمّ وقع الرحيل من المدينة، وبكتمر على عادته مساير السلطان بجانبه، حتى وصلا بئر عليّ. [ف] وجد أحمد بن بكتمر في نفسه ألما تزايد به إلى أن مات بوادي عنتر. ثمّ مات بعده أبوه بكتمر بثلاثة أيّام، فاتّهم السلطان أنّه سمّهما. فحملا ودفنا بعيون القصب (٢) [٢٩١ أ]. وكان يوما مهولا، خرجت فيه أمّ ولد بكتمر بسببه (٣) وصاحت على السلطان بأعلى صوتها: يا ظالم، أين تروح من الله؟ ولدي وزوجي! زوجي كان مملوكك، ولدي، إيش كان بينك وبينه؟ - وكرّرت ذلك حتى سمعها الأمراء، وهو معرض عنها. وذلك في يوم [الجمعة عاشر المحرّم سنة ٧٣٣] (٤). ثمّ نقلا حتى دفنا بتربة بكتمر من القرافة، وعمل اجتماع بها مدّة سبع ليال يقرأ فيها القرآن، واحتفلت زوجته فيها احتفالا زائدا وتصدّقت بمبلغ ثلاثين ألف درهم. فرأى الشيخ زادة، شيخ خانكاه بكتمر في منامه آخر هذه الليالي السبع كأنّ بكتمر السّاقي على عادته في مكانه الذي كان يجلس فيه إذا جاء لزيارته، وعلى يمينه ابنه أحمد، وهو يقول: يا شيخ، كنت في مكان موحش، فسألت الله تعالى أن يخلّصني منه حتى أجيء وأصلّي معكم وتدعو لي. وكان بكتمر قد حظي عند [٢٥٨ ب] السلطان حظوة ما نالها أحد غيره، وعظم شأنه، وصار هو الدولة لا يكاد السلطان يفارقه، إمّا أن يكون بكتمر عنده، أو يكون هو في بيت بكتمر. وأكثر أكله في بيت بكتمر ممّا تطبخه له أمّ أحمد بن بكتمر في قدر فضّة، وينام عندهم حتى ظنّ جماعة أن أحمد ابن السلطان، ممّا يحبّه ويقبّله ويحمله. فشهر ذكر بكتمر بحيث كان لا يهدى إلى السلطان شيء إلّا ويهدى لبكتمر مثله، وغالب ما يحمل إلى السلطان يكون لبكتمر فعظمت أمواله. وكان يجمع خصالا حميدة، ولم يعارض السلطان في أمر من الأمور، وإذا أراد منه أمرا تلطّف فيه حتى يقضيه له. وكان السلطان يرجع إلى رأيه ويميل حيث مال. وكان يلاطف الأمراء ويكثر من الإنعام عليهم وعلى من دونهم حتى ملك حاشية السلطان بإحسانه إليهم. وبلغ من السعادة مبلغا لم يحصل لأحد من أقرانه، وحملت إليه أمّه وإخوته وكثيرمن أهله من بلاد الشرق فتملّوا بنعمته. واتّفق أنّ السلطان في حجّته هذه احتاج إلى مال ليفرّقه على الأمراء، فحمل إليه بكتمر أربعين ألف دينار قرضا. وكان مع السلطان في هذه السفرة ثلاثة آلاف ومائة عليقة في كلّ يوم، وكان مع بكتمر ثلاثة آلاف عليقة. وبلغت خيله مائة طوالة، كل طوالة ستّة أرؤس- سوى ما له من الجشارات (١) - بمائة سائس ومائة سطل. وكانت عليقة خيله في كلّ يوم الف [ا] ومائة عليقة. ووجد له بعد موته ستّة وثلاثون ألف إردبّ غلّة، وحواصل سلاح وغيره، بما ينيف على مائة ألف دينار. وبيعت خيله بعد ما أخذ السلطان منها أربعين فرسا بألفي ألف ومائتي ألف وثمانين ألف درهم، سوى ما في الجشارات، وسوى ما نهبه الخاصّكيّة وأخذوه بمن بخس. ووجد له سرج واحد وسيف واحد قيمتهما ستّمائة ألف أخذهما السلطان. وأخذ له ثلاث [ة] صناديق فيها الجواهر لا يدري ما قيمتها. وأبيع له من سائر الأصناف مدّة أشهر ما بلغ مالا عظيما. وخصّ موسى صيرفيّه ممّا تقاسمه مباشرو ديوانه بعد موته خمسة وعشرون ألف دينار. فانظر إلى مال يسرق منه الصيرفيّ هذا القدر ما يكون جملته؟ وكان بكتمر فيه من الحشمة والرئاسة ورصانة العقل والسكون ما لا يوجد في أحد من أمثاله. وكان [٢٩١ ب] مع هذه المنزلة العالية ليست له حماية ولا رعاية، ولا لغلمانه ذكر، بل يغلق باب إسطبله من المغرب ولا يكاد يوجد به لأحد حسّ. وعمّر القصر الجليل على بركة الفيل، فبلغت نفقة الصنّاع فيه كلّ يوم ألفا وخمسمائة درهم، سوى العجل التي تجرّ الحجارة، فإنّها كانت من عند السلطان، وسوى الحجّارين والفعلة، فإن الحجّارين من عمائر السلطان، والفعلة هم المقيّدون من أرباب السجون، ويبلغ مصروف هذا نحو الألف وخمسمائة أيضا، وأقامت العمارة فيه نحو سنة. وكان قريبا من الناس يتلطّف بهم ويسوسهم أحسن سياسة، ومن دخل في أمره قضى شغله على أكمل الوجوه. وكان السلطان لا يخالفه في شيء، وإذا أنعم على أحد بوظيفة أو إمرة يقول له: رح إلى الأمير بكتمر قبّل يده! وكان يمنع السلطان من مظالم كثيرة ظهرت منه بعد موته. وخرج، في حجّته التي مات فيها، ساقة الناس بتجمّل زائد وحشمة وافرة، فكان ثقله وحاله نظير ما للسلطان، وتزيد عليه الزركش والآلات الذهب. ووجد في خزانته التي حملها معه، بعد موته، خمسمائة تشريف، منها ما هو أطلس بطرز زركش وحوائص وكلوتات ذهب. ولمّا زوّج ابنته من آنوك ابن السلطان حمل شورها من قصره المطلّ على بركة الفيل إلى قلعة الجبل نهارا، وكان شيئا خارجا عن الحدّ في الكثرة، من جملته [٢٥٩ أ] زركش ومصاغ زنة ثمانين قنطارا من ذهب. وكان من جملة مرتّبه على السلطان في كلّ يوم مخفيّتان تحمل [ان] إليه ثمنهما سبعمائة درهم حسابا، عن كلّ مخفيّة ثلاثمائة وخمسون درهما.