Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدَزْبة، يُكني أبا عبد الله وبَرْدَزْبة مَجُوسي

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدَزْبة، يُكني أبا عبد الله وبَرْدَزْبة مَجُوسي

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

4 books · 5 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
3
Strong identity entries
0
Chronology hints
2
Attribute hints
5
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

4 books · 5 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

3 exact linked passages2 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

ابن حجر العسقلاني - تهذيب التهذيب - ط الرسالة

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagehigh confidencevol. 9, page 40, entry 5311,199 chars
    ### $ 53 ت س الترمذي والنسائي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن ~~بردزبة وقيل بزرويه وقيل بن الأحنف الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري روى ~~عن عبيد الله بن موسى ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعفان وأبي عاصم النبيل ~~ومكي بن إبراهيم وأبي المغيرة وأبي مسهر وأحمد بن خالد الوهبي وخلق كثير ~~سواهم م…
    ▸ expand full passage (11,199 chars)
    ### $ 53 ت س الترمذي والنسائي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن ~~بردزبة وقيل بزرويه وقيل بن الأحنف الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري روى ~~عن عبيد الله بن موسى ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعفان وأبي عاصم النبيل ~~ومكي بن إبراهيم وأبي المغيرة وأبي مسهر وأحمد بن خالد الوهبي وخلق كثير ~~سواهم ممن سمع من التابعين فمن بعدهم إلى أن كتب عن أقرانه وعن تلامذته روى ~~عنه الترمذي في الجامع كثيرا ومسلم في غير الجامع وروى النسائي في الصيام ~~عن محمد بن إسماعيل عن حفص بن عمر بن الحارث عن حماد حديثا هكذا وقع غير ~~منسوب في عامه الروايات عنه وفي أصل الصوري الذي كتبه عن بن النحاس عن حمزة ~~عن النسائي ثنا محمد بن إسماعيل وهو أبو بكر الطبراني ووقع في رواية أن ~~السني وحده عن النسائي ثنا محمد بن إسماعيل البخاري وقد روى النسائي الكثير ~~عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهو بن علية وهو يشارك البخاري في كثير من ~~شيوخه وروى في كتاب الكنى عن عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف عن ~~البخاري عدة أحاديث فهذه قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاري وروى عن ~~البخاري أيضا أبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا وصالح بن ~~محمد الأسدي وأبو بشر ms2892 الدولابي ومحمد بن عبد الله الحضرمي والقاسم بن زكريا ~~وابن أبي عاصم وابن خزيمة وعمير بن محمد بن بجير وحسين بن محمد القباني ~~وأبو عمرو الخفاف النيسابوري والحسين بن محمد بن حاتم بن عبيد العجلي وعبد ~~الله بن ناجيه والفضل بن العباس PageV09P041 الرازي وأبو قريش محمد بن جمعه ~~القهستاني وأبو بكر بن أبي داود وأبو محمد بن صاعد والحسين بن إسماعيل ~~المحاملي وهو آخر من حدث عنه ببغداد ومحمد بن يوسف الفربري راوي الصحيح عنه ~~ورواة كتبه المصنفه عنه عبد الله بن محمد بن الأشقر وعبد الله بن أحمد بن ~~عبد السلام ومحمود بن إسحاق الخزاعي ومحمد بن سليمان بن فارس وخلق كثير ~~وأخر من حدث عنه بالصحيح أو طلحة منصور بن محمد بن على البزدوي النسفي الذي ~~مات سنة 329 قال بكير بن نمير سمعت الحسن بن الحسين البزار ببخاري يقول ~~رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير ولد في شوال ~~سنة 194 وتوفي يوم السبت لغرة شوال سنة 256 عاش اثنتين وستين سنة الا ثلاثة ~~عشر يوما وقال أحمد بن سيار المروزي محمد بن إسماعيل طلب العلم وجالس الناس ~~ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه وقال ~~أبو العباس بن سعيد لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب ~~تاريخ محمد بن إسماعيل وقال عامر بن المنتجع سمعت أبا بكر المديني قال كنا ~~يوما بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس فمر ~~إسحاق بحديث وكان دون الصحابي عطاء الكيخاراني فقال إسحاق يا أبا عبد الله ~~إيش كيخاران قال قريه باليمن كان معاوية بعث هذا الرجل من الصحابة إلى ~~اليمن فسمع منه عطاء حديثين فقال له إسحاق يا أبي عبد الله كأنك قد شهدت ~~القوم وقال إبراهيم بن معقل الثقفي سمعت محمد بن إسماعيل يقول كنت عند ~~إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي ~~صلى الله ms2893 عليه وسلم فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب يعني الجامع ~~قال إبراهيم وسمعته يقول ما أدخلت في كتابي الجامع الا ما صح وتركت من ~~الصحاح محال الطول وقال الكشميهني سمعت الفربري يقول قال لي محمد بن ~~إسماعيل ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا الا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين ~~وقال جعفر بن الفضل بن خنزابة سمعت محمد بن موسى المأموني قال سئل أبو ~~PageV09P042 عبد الرحمن يعني النسائي عن العلاء وسهيل فقال هما خير من فليح ~~ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل وقال جعفر بن ~~محمد القطان إمام الجامع بأرمينيه سمعت محمد بن إسماعيل يقول كتبت عن ألف ~~شيخ وأكثر ما عندي حديث إلا واذكر إسناده وقال بكير بن نمير كان محمد بن ~~إسماعيل يصلي ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى صلاته قال ~~انظروا إيش هذا الذي اذاني في صلاتي فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في شعبة ~~عشر موضعا ولم يقطع صلاته وقال أبو بكر الأعين كتبنا عن محمد بن إسماعيل ~~على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة وقال حاشد بن إسماعيل كنت ~~بالبصرة فقدم محمد بن إسماعيل فقال محمد بن بشار دخل اليوم سيد الفقهاء ~~وقال أبو قريش محمد بن جمعه سمعت بندارا محمد بن بشار يقول حفاظ الدنيا ~~اربعه فذكره فيهم وقال البوشنجي سمعت بندارا يقول ما قدم علينا مثل محمد بن ~~إسماعيل وقال يوسف بن ريحان سمعت محمد بن إسماعيل يقول كان علي بن المديني ~~يسألني عن شيوخ خراسان إلى أن قال كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضي وقال ~~الفربري سمعت محمد بن إسماعيل يقول ما استصغرت نفسي عند أحد الا عند علي ~~وربما كنت أغرب عليه وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاري حدثني حامد بن أحمد ~~قال ذكر العلي بن المديني قول محمد بن إسماعيل ما تصاغرت نفسي عند أحد الا ~~عند علي بن المديني فقال ذروا قوله ما ms2894 رأى مثل نفسه وقال الفربري سمعت محمد ~~بن أبي حاتم وراق محمد بن إسماعيل قال سمعته يقول ذاكرني أصحاب عمرو بن علي ~~بحديث فقلت لا أعرفه فسروا بذلك وصاروا إلى عمرو بن علي فقالوا له ذاكرنا ~~محمد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه فقال عمرو بن علي حديث لا يعرفه محمد بن ~~إسماعيل ليس بحديث قال محمد بن أبي حاتم وسمعته يقول كان إسماعيل بن أبي ~~أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه وقال أبو مصعب محمد بن ~~إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من بن حنبل وقال عامر بن المنتجع عن أحمد بن الضؤ ~~سمعت أبا بكر بن أبي شيبه ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان ما رأينا مثل ~~محمد بن إسماعيل وقال محمود بن النضر الشافعي PageV09P043 دخلت البصرة ~~والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه ~~على أنفسهم وقال بن عدي كان بن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول الكبش ~~النطاح وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول انتهي الحفظ إلى أربعة ~~من أهل خراسان فذكره فيهم وقال أيضا سمعت أبي يقول ما أخرجت خراسان مثل ~~محمد بن إسماعيل وقال صالح بن محمد الأسدي محمد بن إسماعيل أعلمهم بالحديث ~~وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة وقال أبو ~~العباس الدغولي كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل المسلمون بخير ما بقيت ~~لهم وليس بعدك خير حين نفتقد وقال أبو بكر محمد بن حرب سألت أبا زرعة عن ~~محمد بن حميد فقال تركه أبو عبد الله يعني البخاري قال فذكرت ذلك للبخاري ~~فقال بره لنا قديم وقال الفضل بن العباس الرازي رجعت مع محمد بن إسماعيل ~~مرحلة وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه فما امكنني وأنا أغرب على ~~أبي زرعة عدد شعر رأسه وقال إسحاق بن أحمد بن زيرك سمعت محمد بن إدريس ~~الرازي أبا حاتم يقول محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق قال ms2895 وسمعته في ~~سنة سبع وأربعين يقول يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه فقدم ~~محمد بن إسماعيل بعد أشهر وقال صالح بن سيار سمعت نعيم بن حماد يقول محمد ~~بن إسماعيل فقيه هذه الأمة وقال عبدان بن عثمان ما رأيت بعيني شابا أبصر ~~منه وقال محمد بن سلام هو الذي ليس مثله وقال يحيى بن جعفر لو قدرت أن ازيد ~~في عمره لفعلت وقال محمد بن العباس الضبي سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ ~~يقول كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البلد يعني بخاري أن ~~خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله فيقرا الجامع والتاريخ على أولاده ~~فامتنع فسأله أن يعقد لاولاده مجلسا لا يحضره غيرهم فامتنع أيضا ~~PageV09P044 فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره حتى تكلموا في مذهبه ~~ونفاه عن البلد فدعا عليهم فاستجيب له وقال بن عدي سمعت عبد القدوس بن عبد ~~الجبار السمرقندي يقول جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك قريه من قرى سمرقند ~~على فرسخين منها وكان له بها اقرباء فنزل عندهم قال فسمعته ليله من الليالي ~~يدعو اللهم أنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك قال فما تم الشهر ~~حتى قبضه الله في سنة ست وخمسين ومائتين في شوال قلت مناقبه كثيرة جدا قد ~~جمعتها في كتاب مفرد ولخصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعاليق ~~الجامع الصحيح ومن ذلك قال الحاكم سمعت أبا الطيب يقول سمعت بن خزيمة يقول ~~ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ ~~له من البخاري قال وسمعت أبا عبد الله الحافظ يعني بن الأخرم يقول سمعت أبي ~~يقول رأيت مسلم بن الحجاج بني يدي البخاري وهو يسأله سؤال الصبي المتعلم ~~قال وسئل أبو عبد الله يعني بن الأخرم عن حديث فقال أن البخاري لم يخرجه ~~فقال له السائل قد خرجه مسلم فقال أبو عبد الله أن البخاري كان أعلم من ms2896 ~~مسلم ومنك ومني وقال ولما ورد البخاري نيسابور قال محمد بن يحيى الذهلي ~~اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه فذهب الناس إليه حتى ظهر الخلل في ~~مجلس محمد بن يحيى فتكلم فيه بعد ذلك وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ~~رأيت العلماء بالحرمين والعراقيين فما رأيت فيهم أجمع منه قال الحاكم وسمعت ~~أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت محمد بن نعيم يقول سألت محمد بن ~~إسماعيل لما وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان فقال قول وعمل يزيد وينقص ~~والقرآن كلام الله غير مخلوق وأفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ~~على هذا حييت وعليه أموت وابعث إن شاء الله تعالى وقال غنجار في تاريخ ~~بخاري قال له أبو عيسى الترمذي قد جعلك الله زين هذه الأمة يا أبا عبد الله ~~وقال في الجامع لم أر في معنى العلل والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل وقال ~~إسحاق بن راهويه يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشاب فإنه لو ~~PageV09P045 كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لأحتاج الناس إليه لمعرفته ~~بالحديث وفقهه وقال حاشد بن عبد الله سمعت المسندي يقول محمد بن إسماعيل ~~إمام فمن لم يجعله إماما فاتهمه وقال أيضا رأيت محمد بن رافع وعمرو بن ~~زرارة عند محمد بن إسماعيل يسالانه عن علل الحديث فلما قام قالا لمن حضر لا ~~تخدعوا عن أبي عبد الله فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر وقال الحسين بن محمد بن ~~حاتم المعروف بعبيد العجل له ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل ومسلم لم يكن ~~يبلغه ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم يستمعان قوله وذكر له قصه محمد بن يحيى معه ~~فقال ما لمحمد بن يحيى ولمحمد بن إسماعيل كان محمد أمة من الأمم وأعلم من ~~محمد بن يحيى بكذا وكذا كان دينا فاضلا يحسن كل شيء وقال بن أبي حاتم سمع ~~منه أبي وأبو زرعة ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر ~~عندهم ms2897 أن لفظه بالقرآن مخلوق وقال محمد بن نصر المروزي سمعت محمد بن ~~إسماعيل يقول من قال عني إني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب وإنما قلت ~~افعال العباد مخلوقه وقال أبو عمر والخفاف حدثنا التقي النقي العالم الذي ~~لم أر مثله محمد بن إسماعيل وهو أعلم بالحديث من إسحاق وأحمد وغيرهما ~~بعشرين درجه ومن قال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنه وقال مسلمة في الصله كان ~~ثقة جليل القدر عالما بالحديث وكان يقول بخلق القرآن فأنكر ذلك عليه علماء ~~خراسان فهرب ومات وهو مستخف قال وسمعت بعض أصحابنا يقول سمعت العقيلي لما ~~ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم فامتحنوه وكلهم قال كتابك صحيح الا أربعة أحاديث قال العقيلي والقول ~~فيها قول البخاري وهي صحيحه قال مسلمة وألف علي بن المديني كتاب العلل وكان ~~ضنينا به فغاب يوما في بعض ضياعه فجاء البخاري إلى بعض بنية ورغبه بالمال ~~على أن يرى الكتاب يوما واحدا فأعطاه له فدفعه إلى النساخ فكتبوه له ورده ~~إليه فلما حضر على تكلم بشيء فأجابه البخاري بنص كلامه مرارا ففهم القضيه ~~واغتنم لذلك فلم يزل مغموما حتى مات بعد يسير واستغني البخاري عنه بذلك ~~الكتاب وخرج إلى خراسان ووضع كتابه الصحيح فعظم شأنه وعلا ذكره وهو أول من ~~وضع في الإسلام كتابا صحيح فصار الناس له تبعا بعد ذلك قلت إنما أوردت كلام ~~مسلمة هذا لأبين فساده فمن ذلك إطلاقي بأن البخاري كان يقول بخلق القرآن ~~وهو شيء لم يسبقه إليه أحد وقد قدمنا ما يدل على بطلان ذلك وأما القصه التي ~~حكاها فيما يتعلق بالعلل لابن المديني فإنها غنية عن الرد لظهور فسادها ~~وحسبك أنها بلا إسناد وأن البخاري لما مات علي كان مقيما ببلاده وأن العلل ~~لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري فلو كان ضنينا بها لم ~~يخرجها إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الا خلوقه والله الموفق وقال صالح ~~جزه قال ms2898 لي أبو زرعة الرازي يا أبا علي نظرت في كتاب محمد بن إسماعيل هذا ~~أسماء الرجال يعني التاريخ فإذا فيه خطا كثير فقلت له بليه أنه رجل كل من ~~يقدم عليه من العراق من أهل بخاري نظر في كتبهم فإذا رأى اسما لا يعرفه ~~وليس عنده كتبه وهم لا يضبطون ولا ينقطعون فيضعه في كتابه خطا وإلا فما ~~رأيت خراسانيا أفهم منه وأما ما رجحه المصنف من أن النسائي لم يلق البخاري ~~فهو مردود فقد ذكره في أسماء شيوخه الذين لقيهم وقال فيه ثقة مأمون صاحب ~~حديث كيس وروينا في كتاب الإيمان لأبي عبد الله بن منده حديثا رواه عن حمزة ~~عن النسائي حدثني محمد بن إسماعيل البخاري وكونه روى عن الخفاف عنه لا يمنع ~~أن يكون لقيه بل الظاهر أنه لم يكثر عنه فاحتاج أن يأخذ عن بعض أصحابه ~~والله أعلم وسيأتي في آخر ### |||| من اسمه محمد بن إسماعيل زيادة في هذه ~~PageV09P046

تاج الدين ابن السبكي - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 545, entry [96]22,950 chars
    ٥٠ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة بن بردزبه بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مَكْسُورَة مُهْملَة ثمَّ زاى سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء ابْن بذذبه بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة ثمَّ ذال ثَانِيَة مُعْجمَة سَاك…
    ▸ expand full passage (22,950 chars)
    ٥٠ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة بن بردزبه بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مَكْسُورَة مُهْملَة ثمَّ زاى سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء ابْن بذذبه بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة ثمَّ ذال ثَانِيَة مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة ثمَّ هَاء هَذَا مَا كُنَّا نَسْمَعهُ من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد ﵀ وَقيل بدل بردزبه الْأَحْنَف وَقيل غير ذَلِك هُوَ إِمَام الْمُسلمين وقدوة الْمُوَحِّدين وَشَيخ الْمُؤمنِينَ والمعول عَلَيْهِ فى أَحَادِيث سيد الْمُرْسلين وحافظ نظام الدّين أَبُو عبد الله الجعفى مَوْلَاهُم البخارى صَاحب الْجَامِع الصَّحِيح وساحب ذيل الْفضل للمستميح (علا عَن الْمَدْح حَتَّى مَا يزان بِهِ ... كَأَنَّمَا الْمَدْح من مِقْدَاره يضع) (لَهُ الْكتاب الذى يَتْلُو الْكتاب هدى ... هذى السِّيَادَة طودا لَيْسَ ينصدع) (الْجَامِع الْمَانِع الدّين القويم وَسنة ... الشَّرِيعَة أَن تغتالها الْبدع) (قاصى الْمَرَاتِب دانى الْفضل تحسبه ... كَالشَّمْسِ يَبْدُو سناها حِين ترْتَفع) (ذلت رِقَاب جَمَاهِير الْأَنَام لَهُ ... فكلهم وَهُوَ عَال فيهم خضعوا) (لَا تسمعن حَدِيث الحاسدين لَهُ ... فَإِن ذَلِك مَوْضُوع ومنقطع) (وَقل لمن رام يحكيه اصطبارك لَا ... تعجل فَإِن الذى تبغيه مُمْتَنع) (وهبك تأتى بِمَا يحْكى شكالته ... أَلَيْسَ يحْكى محيا الْجَامِع البيع)كَانَ وَالِده أَبُو الْحسن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم من الْعلمَاء الورعين سمع مَالك بن أنس وَرَأى حَمَّاد بن زيد وَصَالح بن الْمُبَارك وَحدث عَن أَبى مُعَاوِيَة وَجَمَاعَة روى عَنهُ أَحْمد بن حَفْص وَقَالَ دخلت عَلَيْهِ عِنْد مَوته فَقَالَ لَا أعلم فى جَمِيع مالى درهما من شُبْهَة قَالَ أَحْمد بن حَفْص فتصاغرت إِلَى نفسى عِنْد ذَلِك ولد البخارى سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَنَشَأ يَتِيما وَأول سَمَاعه سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَحفظ تصانيف ابْن الْمُبَارك وحبب إِلَيْهِ الْعلم من الصغر وأعانه عَلَيْهِ ذكاؤه المفرط ورحل سنة عشر وَمِائَتَيْنِ بعد أَن سمع الْكثير بِبَلَدِهِ من مُحَمَّد بن سَلام البيكندى وَمُحَمّد بن يُوسُف البيكندى وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندى وَهَارُون ابْن الْأَشْعَث وَطَائِفَة وَسمع ببلخ من مكى بن إِبْرَاهِيم وَيحيى بن بشر الزَّاهِد وقتيبة وَجَمَاعَة وبمرو من على بن الْحسن بن شَقِيق وعبدان وَجَمَاعَة وبنيسابور من يحيى بن يحيى وَبشر بن الحكم وَإِسْحَاق وعدة وبالرى من إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْحَافِظ وَغَيره وببغداد من شُرَيْح بن النُّعْمَان وَعَفَّان وَطَائِفَة وبالبصرة من أَبى عَاصِم النَّبِيل وَبدل بن المحبر وَمُحَمّد بن عبد الله الأنصارى وَغَيرهم وبالكوفة من أَبى نعيم وطلق بن غَنَّام وَالْحسن بن عَطِيَّة وخلاد بن يحيى وَقبيصَة وَغَيرهموبمكة من الحميدى وَعَلِيهِ تفقه عَن الشافعى وبالمدينة من عبد الْعَزِيز الأويسى ومطرف بن عبد الله وبواسط ومصر ودمشق وقيسارية وعسقلان وحمص من خلائق يطول سردهم ذكر أَنه سمع من ألف نفس وَقد خرج عَنْهُم مشيخة وَحدث بهَا وَلم نرها وفى تَارِيخ نيسابور للْحَاكِم أَنه سمع بالجزيرة من أَحْمد بن الْوَلِيد بن الورتنيس الحرانى وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله بن زُرَارَة الرقى وَعَمْرو بن خَالِد وَأحمد بن عبد الْملك بن وَاقد الحرانى وَهَذَا وهم فَإِنَّهُ لم يدْخل الجزيرة وَلم يسمع من أَحْمد بن الْوَلِيد إِنَّمَا روى عَن رجل عَنهُ وَلَا من ابْن زُرَارَة إِنَّمَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله الذى يرْوى عَنهُ هُوَ إِسْمَاعِيل بن أَبى أويس وَأما ابْن وَاقد فَإِنَّهُ سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد وَعَمْرو بن خَالِد سمع مِنْهُ بِمصْر نبه على هَذَا شَيخنَا الْحَافِظ المزى فِيمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ وَأكْثر الْحَاكِم فى عد شُيُوخه وَذكر الْبِلَاد الَّتِى دَخلهَا ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا سميت من كل نَاحيَة جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين ليستدل بذلك على عالى إِسْنَاده فَإِن مُسلم بن الْحجَّاج لم يدْرك أحدا مِمَّن سميتهم إِلَّا أهل نيسابور وَاعْتَرضهُ شَيخنَا الذهبى كَمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ بِأَنَّهُ أدْرك أَحْمد وَعمر بن حَفْص يعْنى وهما مِمَّن عد الْحَاكِم ذكر أَبُو عَاصِم العبادى أَبَا عبد الله فى كِتَابه الطَّبَقَات وَقَالَ سمع من الزعفرانى وأبى ثَوْر والكرابيسى قلت وتفقه على الحميدى وَكلهمْ من أَصْحَاب الشافعىقَالَ وَلم يرو عَن الشافعى فى الصَّحِيح لِأَنَّهُ أدْرك أقرانه والشافعى مَاتَ مكتهلا فَلَا يرويهِ نازلا وروى عَن الْحُسَيْن وأبى ثَوْر مسَائِل عَن الشافعى قلت وَذكر الشافعى فى موضِعين من صَحِيحه فى بَاب فى الرِّكَاز الْخمس وفى بَاب تَفْسِير الْعَرَايَا من الْبيُوع ورقم شَيخنَا المزى فى التَّهْذِيب للشافعى بِالتَّعْلِيقِ وَذكر هذَيْن المكانين حدث البخارى بالحجاز وَالْعراق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَكتب عَنهُ المحدثون وَمَا فى وَجهه شَعْرَة روى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم والترمذى وَمُسلم خَارج الصَّحِيح وَمُحَمّد بن نصر المروزى وَصَالح بن مُحَمَّد جزرة وَابْن خُزَيْمَة وَأَبُو الْعَبَّاس السراج وَأَبُو قُرَيْش مُحَمَّد بن جُمُعَة وَيحيى بن مُحَمَّد بن صاعد وَأَبُو حَامِد بن الشرقى وَخلق وَآخر من روى عَنهُ الْجَامِع الصَّحِيح مَنْصُور بن مُحَمَّد البزدوى الْمُتَوفَّى سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَآخر من زعم أَنه سَمعه مِنْهُ موتا أَبُو طهير عبد الله بن فَارس البلخى الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَآخر من روى حَدِيثه عَالِيا خطيب الْموصل فى الدُّعَاء للمحاملى بَينه وَبَينه ثَلَاثَة رجال وَأما كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح فأجل كتب الْإِسْلَام وأفضلها بعد كتاب الله وَلَا عِبْرَة بِمن يرجح عَلَيْهِ صَحِيح مُسلم فَإِن مقَالَته هَذِه شَاذَّة لَا يعول عَلَيْهَاقَالَ ابْن عدى سَمِعت الْحسن بن الْحُسَيْن الْبَزَّار يَقُول رَأَيْت البخارى شَيخا نحيفا لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة إِلَّا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَقَالَ أَحْمد بن الْفضل البلخى ذهبت عينا مُحَمَّد فى صغره فرأت أمه إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَالَ يَا هَذِه قد رد الله على ابْنك بَصَره بِكَثْرَة بكائك أَو دعائك فَأصْبح وَقد رد الله عَلَيْهِ بَصَره وَعَن جِبْرِيل بن مِيكَائِيل سَمِعت البخارى يَقُول لما بلغت خُرَاسَان أصبت ببصرى فعلمنى رجل أَن أحلق رأسى وأغلفه بالخطمى فَفعلت فَرد الله على بصرى رَوَاهَا غُنْجَار فى تَارِيخه وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم الْوراق قلت للبخارى كَيفَ كَانَ بَدْء أَمرك قَالَ ألهمت حفظ الحَدِيث فى الْمكتب ولى عشر سِنِين أَو أقل وَخرجت من الْكتاب بعد الْعشْر فَجعلت أختلف إِلَى الداخلى وَغَيره فَقَالَ يَوْمًا فِيمَا يقْرَأ على النَّاس سُفْيَان عَن أَبى الزبير عَن إِبْرَاهِيم فَقلت لَهُ إِن أَبَا الزبير لم يرو عَن إِبْرَاهِيم فانتهرنى فَقلت لَهُ ارْجع إِلَى الأَصْل فَدخل ثمَّ خرج فَقَالَ لى كَيفَ يَا غُلَام قلت هُوَ الزبير بن عدى عَن إِبْرَاهِيم فَأخذ الْقَلَم منى وَأَصْلحهُ وَقَالَ صدقت فَقَالَ للبخارى بعض أَصْحَابه ابْن كم كنت قَالَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة فَلَمَّا طعنت فى سِتّ عشرَة سنة حفظت كتب ابْن الْمُبَارك ووكيع وَعرفت كَلَام هَؤُلَاءِ ثمَّ خرجت مَعَ أمى وأخى أَحْمد إِلَى مَكَّة فَلَمَّا حججْت رَجَعَ أخى بهَا وَتَخَلَّفت فى طلب الحَدِيث فَلَمَّا طعنت فى ثمانى عشرَة سنة جعلت أصنف قضايا الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأقاويلهم وَذَلِكَ أَيَّام عبيد الله بن مُوسَى وصنفت كتاب التَّارِيخ إِذْ ذَاك عِنْد قبر النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلمفى الليالى المقمرة وَقل اسْم فى التَّارِيخ إِلَّا وَله عندى قصَّة إِلَّا أَنى كرهت تَطْوِيل الْكتاب وَقَالَ عمر بن حَفْص الْأَشْقَر كُنَّا مَعَ البخارى بِالْبَصْرَةِ نكتب الحَدِيث ففقدناه أَيَّامًا ثمَّ وَجَدْنَاهُ فى بَيت وَهُوَ عُرْيَان وَقد نفد مَا عِنْده فجمعنا لَهُ الدَّرَاهِم وكسوناه وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البخارى سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول لقِيت أَكثر من ألف رجل من أهل الْحجاز وَالْعراق وَالشَّام ومصر وخراسان إِلَى أَن قَالَ فَمَا رَأَيْت وَاحِدًا مِنْهُم يخْتَلف فى هَذِه الْأَشْيَاء أَن الدّين قَول وَعمل وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سمعته يَقُول دخلت بَغْدَاد ثمانى مَرَّات كل ذَلِك أجالس أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ لى آخر مَا ودعته يَا أَبَا عبد الله تتْرك الْعلم وَالنَّاس وَتصير إِلَى خُرَاسَان فَأَنا الْآن أذكر قَول أَحْمد وَقَالَ أَبُو بكر الْأَعْين كتبنَا عَن البخارى على بَاب مُحَمَّد بن يُوسُف الفريابى وَمَا فى وَجهه شَعْرَة وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وراق البخارى سَمِعت حاشد بن إِسْمَاعِيل وَآخر يَقُولَانِ كَانَ البخارى يخْتَلف مَعنا إِلَى السماع وَهُوَ غُلَام فَلَا يكْتب حَتَّى أَتَى على ذَلِك أَيَّامًا فَكُنَّا نقُول لَهُ فَقَالَ إنَّكُمَا قد أكثرتما على فاعرضا على مَا كتبتما فأخرجنا إِلَيْهِ مَا كَانَ عندنَا فَزَاد على خَمْسَة عشر ألف حَدِيث فقرأها كلهَا على ظهر قلب حَتَّى جعلنَا نحكم كتبنَا من حفظه ثمَّ قَالَ أَتَرَوْنَ أَنى اخْتلف هدرا وأضيع أيامى فَعرفنَا أَنه لَا يتقدمه أحد قَالَا فَكَانَ أهل الْمعرفَة يعدون خَلفه فى طلب الحَدِيث وَهُوَ شَاب حَتَّى يغلبوه على نَفسه ويجلسوه فى بعض الطَّرِيق فيجتمع عَلَيْهِ أُلُوف أَكْثَرهم مِمَّن يكْتب عَنهُ وَكَانَ شَابًّا لم يخرج وَجههقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم وَسمعت سليم بن مُجَاهِد يَقُول كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَقَالَ لى لَو جِئْت قبل لرأيت صَبيا يحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ فَخرجت فى طلبه فَلَقِيته فَقلت أَنْت الذى تَقول أَنا أحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ نعم وَأكْثر وَلَا أجيئك بِحَدِيث عَن الصَّحَابَة أَو التَّابِعين إِلَّا عرفت مولد أَكْثَرهم ووفاتهم ومساكنهم وَلست أروى حَدِيثا من حَدِيث الصَّحَابَة أَو التَّابِعين إِلَّا ولى فى ذَلِك أصل أحفظه حفظا عَن كتاب الله أَو سنة رَسُول الله ﷺ قَالَ غُنْجَار حَدثنَا أَبُو عَمْرو أَحْمد بن مُحَمَّد المقرى حَدثنَا مُحَمَّد بن يَعْقُوب ابْن يُوسُف البيكندى سَمِعت على بن الْحُسَيْن بن عَاصِم البيكندى يَقُول قدم علينا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَاجْتَمَعْنَا عِنْده فَقَالَ بَعْضنَا سَمِعت إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يَقُول كأنى أنظر إِلَى سبعين ألف حَدِيث من كتابى فَقَالَ مُحَمَّد أَو تعجب من هَذَا لَعَلَّ فى هَذَا الزَّمَان من ينظر إِلَى مائتى ألف حَدِيث من كِتَابه قَالَ وَإِنَّمَا عَنى بِهِ نَفسه وَقَالَ ابْن عدى حَدَّثَنى مُحَمَّد بن أَحْمد القومسى سَمِعت مُحَمَّد بن خميرويه يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح وأحفظ مائتى ألف حَدِيث غير صَحِيح وَقَالَ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة مَا رَأَيْت تَحت أَدِيم السَّمَاء أعلم بِالْحَدِيثِ من مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل البخارى وَقَالَ ابْن عدى سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون أَن البخارى قدم بَغْدَاد فَاجْتمع أَصْحَاب الحَدِيث فعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا لإسناد هَذَاوَإسْنَاد هَذَا لمتن هَذَا ودفعوا إِلَى كل وَاحِد عشرَة أَحَادِيث ليلقوها على البخارى فى الْمجْلس فَاجْتمع النَّاس وانتدب أحدهم فَقَالَ وَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْعشْرَة فَقَالَ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ حَتَّى فرغ من الْعشْرَة فَكَانَ الْفُقَهَاء يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ الرجل فهم وَمن كَانَ لَا يدرى قضى عَلَيْهِ بِالْعَجزِ ثمَّ انتدب آخر فَفعل كَفعل الأول والبخارى يَقُول لَا أعرفهُ إِلَى فرَاغ الْعشْرَة أنفس وَهُوَ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ فَلَمَّا علم أَنهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فإسناده كَذَا وَكَذَا والثانى كَذَا وَكَذَا وَالثَّالِث إِلَى آخر الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وَفعل بالثانى مثل ذَلِك إِلَى أَن فرغ فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ وَقَالَ يُوسُف بن مُوسَى المروروذى كنت بِجَامِع الْبَصْرَة إِذْ سَمِعت مناديا يُنَادى يَا أهل الْعلم لقد قدم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى فَقَامُوا فى طلبه وَكنت فيهم فَرَأَيْت رجلا شَابًّا يصلى خلف الأسطوانة فَلَمَّا فرغ أَحدقُوا بِهِ وسألوه أَن يعْقد لَهُم مَجْلِسا للإملاء فأجابهم فَلَمَّا كَانَ من الْغَد اجْتمع كَذَا وَكَذَا ألف فَجَلَسَ وَقَالَ يَا أهل الْبَصْرَة أَنا شَاب وَقد سألتمونى أَن أحدثكُم وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِأَحَادِيث عَن أهل بلدكم تستفيدون الْكل حَدثنَا عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أَبى رواد بلديكم حَدثنَا أَبى حَدثنَا شُعْبَة عَن مَنْصُور وَغَيره عَن سَالم بن أَبى الْجَعْد عَن أنس أَن أَعْرَابِيًا قَالَ يَا رَسُول الله الرجل يحب الْقَوْم ... الحَدِيث ثمَّ قَالَ لَيْسَ هَذَا عنْدكُمْ إِنَّمَا عنْدكُمْ عَن غير مَنْصُور وأملى مَجْلِسا على هَذَا النسققَالَ يُوسُف وَكَانَ دخولى الْبَصْرَة أَيَّام مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَبى الشَّوَارِب وَقَالَ الترمذى لم أر أحدا بالعراق وَلَا بخراسان فى معنى الْعِلَل والتاريخ وَمَعْرِفَة الْأَسَانِيد أعلم من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَقَالَ إِسْحَاق بن أَحْمد الفارسى سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم من دخل الْعرَاق وَمُحَمّد بن يحيى أعلم من بخراسان الْيَوْم وَمُحَمّد بن أسلم أورعهم وَعبد الله الدارمى أثبتهم وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ انْتهى الْحِفْظ إِلَى أَرْبَعَة من أهل خُرَاسَان أَبُو زرْعَة وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل والدارمى وَالْحسن بن شُجَاع البلخى وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم كَانَ البخارى أحد الْأَئِمَّة فى معرفَة الحَدِيث وَجمعه وَلَو قلت إنى لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه فى الْمُبَالغَة وَالْحسن لرجوت أَن أكون صَادِقا أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ إِذْنا خَاصّا قَالَ قَرَأت على عمر بن القواس أخْبركُم أَبُو الْقَاسِم بن الحرستانى حضورا أخبرنَا جمال الْإِسْلَام أخبرنَا ابْن طلاب أخبرنَا ابْن جَمِيع حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن آدم حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف البخارى قَالَ كنت عِنْد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بمنزله ذَات لَيْلَة فأحصيت عَلَيْهِ أَنه قَامَ وأسرج ليستذكر أَشْيَاء يعلقها فى ليله ثمانى عشرَة مرّة وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم الْوراق كَانَ أَبُو عبد الله إِذا كنت مَعَه فى سفر يجمعنا بَيت وَاحِد إِلَّا فى القيظ أَحْيَانًا فَكنت أرَاهُ يقوم فى لَيْلَة وَاحِدَة خمس عشرَة مرّة إِلَى عشْرين مرّة فى كل ذَلِك يَأْخُذ القداحة فيورى نَارا ويسرج ثمَّ يخرج أَحَادِيث فَيعلم عَلَيْهَا ثمَّ يضع رَأسه وَكَانَ يصلى وَقت السحر ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَكَانَ لَا يوقظنى فى كل مَا يقوم فَقلت لَهُ إِنَّك تحمل على نَفسك فى كل هَذَا وَلَا توقظنى قَالَ أَنْت شَاب وَلَا أحب أَن أفسد عَلَيْك نومك وَقَالَ الفربرى قَالَ لى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَا وضعت فى الصَّحِيح حَدِيثا إِلَّا اغْتَسَلت قبل ذَلِك وَصليت رَكْعَتَيْنِوَقَالَ إِبْرَاهِيم بن معقل سمعته يَقُول كنت عِنْد إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَقَالَ رجل لَو جمعتم كتابا مُخْتَصرا للسنن فَوَقع ذَلِك فى قلبى فَأخذت فى جمع هَذَا الْكتاب قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ روى من وَجْهَيْن ثابتين عَن البخارى أَنه قَالَ أخرجت هَذَا الْكتاب من نَحْو سِتّمائَة ألف حَدِيث وصنفته فى سِتّ عشرَة سنة وَجَعَلته حجَّة فِيمَا بينى وَبَين الله وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن معقل سمعته يَقُول مَا أدخلت فى الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ وَتركت من الصِّحَاح لأجل الطول وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم قلت لَهُ تحفظ جَمِيع مَا فى المُصَنّف قَالَ لَا يخفى على جَمِيع مَا فِيهِ وَلَو نشر بعض إسنادى هَؤُلَاءِ لم يفهموا كتاب التَّارِيخ وَلَا عرفوه ثمَّ قَالَ صنفته ثَلَاث مَرَّات وَقد أَخذه ابْن رَاهَوَيْه فَأدْخلهُ على عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير أَلا أريك سحرًا فَنظر فِيهِ عبد الله فتعجب مِنْهُ وَقَالَ لست أفهم تصنيفه وَقَالَ الفربرى حَدَّثَنى نجم بن الفضيل وَكَانَ من أهل الْفَهم قَالَ رَأَيْت النبى ﷺ فى النّوم خرج من قَرْيَة وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل خَلفه فَإِذا خطا خطْوَة يخطو مُحَمَّد وَيَضَع قدمه على قدمه وَيتبع أَثَره وَقَالَ خلف الْخيام سَمِعت أَبَا عَمْرو أَحْمد بن نصر الْخفاف يَقُول مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم فى الحَدِيث من أَحْمد وَإِسْحَاق بِعشْرين دَرَجَة وَمن قَالَ فِيهِ شئ فَعَلَيهِ منى ألف لعنة وَلَو دخل من هَذَا الْبَاب لملئت مِنْهُ رعْبًا وَقَالَ أَبُو عِيسَى الترمذى كَانَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عِنْد عبد الله بن مُنِير فَلَمَّا قَامَ من عِنْده قَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله جعلك الله زين هَذِه الْأمة قَالَ أَبُو عِيسَى اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِوَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفرى فى تَارِيخ نسف وَذكر البخارى لَو جَازَ لى لفضلته على من لقى من مشايخه ولقلت مَا لقى بِعَيْنِه مثل نَفسه وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَواص رَأَيْت أَبَا زرْعَة كالصبى جَالِسا بَين يدى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يسْأَله عَن علل الحَدِيث وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْقطَّان سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول كتبت عَن ألف شيخ أَو أَكثر عَن كل وَاحِد مِنْهُم عشرَة آلَاف وَأكْثر مَا عندى حَدِيث إِلَّا أذكر إِسْنَاده قلت فَارق البخارى بُخَارى وَله خمس عشرَة سنة وَلم يره مُحَمَّد بن سَلام البيكندى بعد ذَلِك وَقد قَالَ سليم بن مُجَاهِد كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَقَالَ لَو جِئْت قبل لرأيت صَبيا يحفظ سبعين ألف حَدِيث فَخرجت حَتَّى لحقته فَقلت أَنْت تحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ نعم وَأكْثر وَلَا أجيبك بِحَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا عرفت مولد أَكْثَرهم ووفاتهم ومساكنهم وَلست أروى حَدِيثا من حَدِيث الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا ولى من ذَلِك أصل أحفظه حفظا عَن كتاب أَو سنة وَقَالَ بَعضهم كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندى فَدخل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَلَمَّا خرج قَالَ مُحَمَّد بن سَلام كلما دخل على هَذَا الصبى تحيرت والتبس على أَمر الحَدِيث وَلَا أَزَال خَائفًا مَا لم يخرج وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سَمِعت مُحَمَّد بن يُوسُف يَقُول كنت عِنْد أَبى رَجَاء يعْنى قُتَيْبَة فَسئلَ عَن طَلَاق السَّكْرَان فَقَالَ هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن المدينى وَابْن رَاهَوَيْه قد ساقهم الله إِلَيْك وَأَشَارَ إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ مَذْهَب مُحَمَّد أَنه إِذا كَانَ مغلوب الْعقل لَا يذكر مَا يحدث فى سكره أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ من أمره شئوَسمعت عبد الله بن سعيد يَقُول لما مَاتَ أَحْمد بن حَرْب النيسابورى ركب مُحَمَّد وَإِسْحَاق يشيعان جنَازَته فَكنت أسمع أهل الْمعرفَة بنيسابور ينظرُونَ وَيَقُولُونَ مُحَمَّد أفقه من إِسْحَاق وَعَن الفربرى رَأَيْت النبى ﷺ فى الْمَنَام فَقَالَ لى أَيْن تُرِيدُ فَقلت أُرِيد البخارى فَقَالَ أقرأه منى السَّلَام وَكَانَ البخارى يخْتم الْقُرْآن كل يَوْم نَهَارا وَيقْرَأ فى اللَّيْل عِنْد السحر ثلثا من الْقُرْآن فمجموع ورده ختمة وَثلث ختمة وَكَانَ يَقُول أَرْجُو أَن ألْقى الله وَلَا يحاسبنى باغتياب أحد وَكَانَ يصلى ذَات يَوْم فلسعه الزنبور سبع عشرَة مرّة وَلم يقطع صلَاته وَلَا تغير حَاله وَعَن الإِمَام أَحْمد مَا أخرجت خُرَاسَان مثل البخارى وَقَالَ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدورقى البخارى فَقِيه هَذِه الْأمة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرازى وَقد خرج البخارى إِلَى الْعرَاق مَا خرج من خُرَاسَان أحفظ مِنْهُ وَلَا قدم الْعرَاق أعلم مِنْهُ قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله سَمِعت أَبَا نصر أَحْمد بن مُحَمَّد الْوراق يَقُول سَمِعت أَبَا حَامِد أَحْمد بن حمدون يَقُول سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج وَجَاء إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى فَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ دعنى حَتَّى أقبل رجليك يَا أستاذ الأستاذين ومسند الْمُحدثين وَيَا طَبِيب الحَدِيث فى علله حَدثَك مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا مخلد بن يزِيد الحرانى قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ حَدَّثَنى مُوسَى ابْن عقبَة عَن سُهَيْل بن أَبى صَالح عَن أَبِيه عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النبى ﷺ فَقَالَ البخارى وَحدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين قَالَا حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ حَدَّثَنى مُوسَى بن عقبَة عَن سُهَيْل بن أَبى صَالح عَن أَبِيه عَنأَبى هُرَيْرَة عَن النبى ﷺ فى كَفَّارَة الْمجْلس أَن يَقُول إِذا قَامَ من مَجْلِسه (سُبْحَانَكَ رَبنَا وَبِحَمْدِك) فَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا حَدِيث مليح وَلَا أعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد فى الدُّنْيَا حَدِيثا غير هَذَا إِلَّا أَنه مَعْلُول حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب حَدثنَا سُهَيْل عَن عون بن عبد الله قَوْله قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا أولى وَلَا نذْكر لمُوسَى بن عقبَة مُسْندًا عَن سُهَيْل وَهُوَ سُهَيْل بن ذكْوَان مولى جوَيْرِية وهم إخْوَة سُهَيْل وَعباد وَصَالح بَنو أَبى صَالح وهم من أهل الْمَدِينَة وَقَالَ نسج بن سعيد كَانَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخارى إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان تَجْتَمِع إِلَيْهِ أَصْحَابه فيصلى بهم وَيقْرَأ فى كل رَكْعَة عشْرين آيَة وَكَذَلِكَ إِلَى أَن يخْتم الْقُرْآن وَكَانَ يقْرَأ فى السحر مَا بَين النّصْف إِلَى الثُّلُث من الْقُرْآن فيختم عِنْد السحر فى كل ثَلَاث لَيَال وَكَانَ يخْتم بِالنَّهَارِ فى كل يَوْم ختمة وَيكون ختمة عِنْد الْإِفْطَار كل لَيْلَة وَيَقُول عِنْد كل ختم دَعْوَة مستجابة وَقَالَ بكر بن مُنِير سَمِعت البخارى يَقُول أَرْجُو أَن ألْقى الله وَلَا يحاسبنى أَنى اغتبت أحدا قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ يشْهد لهَذِهِ الْمقَالة كَلَامه فى الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِنَّهُ أبلغ مَا يَقُول فِي الرجل الْمَتْرُوك أَو السَّاقِط فِيهِ نظر أَو سكتوا عَنهُ وَلَا يكَاد يَقُول فلَان كَذَّاب وَلَا فلَان يضع الحَدِيث وَهَذَا من شدَّة ورعه قلت وأبلغ تَضْعِيفه قَوْله فى الْمَجْرُوح مُنكر الحَدِيث قَالَ ابْن الْقطَّان قَالَ البخارى كل من قلت فِيهِ مُنكر الحَدِيث فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُوَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب سُئِلَ الْعَبَّاس بن الْفضل الرازى الصايغ أَيهمَا أحفظ أَبُو زرْعَة أَو البخارى فَقَالَ لقِيت البخارى بَين حلوان وبغداد فَرَجَعت مَعَه مرحلة وجهدت أَن أجئ بِحَدِيث لَا يعرفهُ فَمَا أمكن وَأَنا أغرب على أَبى زرْعَة عدد شعرى وَقَالَ أَبُو عَمْرو أَحْمد بن نصر الْخفاف مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أعلم بِالْحَدِيثِ من إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا بِعشْرين دَرَجَة وَمن قَالَ فِيهِ شَيْئا فمنى عَلَيْهِ ألف لعنة ثمَّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التقى النقى الْعَالم الذى لم أر مثله وَقَالَ مُحَمَّد بن يَعْقُوب الأخرم سَمِعت أَصْحَابنَا يَقُولُونَ لما قدم البخارى نيسابور استقبله أَرْبَعَة آلَاف رجل على الْخَيل سوى من ركب بغلا أَو حمارا وَسوى الرجالة وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فى الكنى عبد الله بن الديلمى أَبُو بسر وَقَالَ البخارى وَمُسلم فِيهِ أَبُو بشر بشين مُعْجمَة قَالَ الْحَاكِم وَكِلَاهُمَا أَخطَأ فى علمى إِنَّمَا هُوَ أَبُو بسر وخليق أَن يكون مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل مَعَ جلالته ومعرفته بِالْحَدِيثِ اشْتبهَ عَلَيْهِ فَلَمَّا نَقله مُسلم من كِتَابه تَابعه على زلته وَمن تَأمل كتاب مُسلم فى الْأَسْمَاء والكنى علم أَنه مَنْقُول من كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَا يزِيد عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا مَا يسهل عده وتجلد فى نَقله حق الجلادة إِذْ لم ينْسبهُ إِلَى قَائِله وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فى التَّارِيخ كتاب لم يسْبق إِلَيْهِ وَمن ألف بعده شَيْئا من التَّارِيخأَو الْأَسْمَاء أَو الكنى لم يسْتَغْن عَنهُ فَمنهمْ من نسبه إِلَى نَفسه مثل أَبى زرْعَة وأبى حَاتِم وَمُسلم وَمِنْهُم من حَكَاهُ عَنهُ فَالله يرحمه فَإِنَّهُ الذى أصل الْأُصُول وَذكر الْحَاكِم أَبُو أَحْمد كلَاما سوى هَذَا وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم رَأَيْت أَبَا عبد الله اسْتلْقى على قَفاهُ يَوْمًا وَنحن بفربر فى تصنيف كتاب التَّفْسِير وأتعب نَفسه يَوْمئِذٍ فَقلت إنى أَرَاك تَقول إنى مَا أتيت شَيْئا بِغَيْر علم قطّ مُنْذُ عقلت فَمَا الْفَائِدَة فى الاستلقاء قَالَ أتعبنا أَنْفُسنَا الْيَوْم وَهَذَا ثغر من الثغور خشيت أَن يحدث حدث من أَمر الْعَدو فَأَحْبَبْت أَن أستريح وآخذ أهبة فَإِن غافصنا الْعَدو كَانَ بِنَا حراك وَكَانَ يركب إِلَى الرمى فَمَا أعلم أَنى رَأَيْته فى طول مَا صحبته أَخطَأ سَهْمه الهدف إِلَّا مرَّتَيْنِ وَكَانَ لَا يسْبق وسمعته يَقُول مَا أردْت أَن أَتكَلّم بِكَلَام فِيهِ ذكر الدُّنْيَا إِلَّا بدأت بِحَمْد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ قَالَ وَكَانَ لأبى عبد الله غَرِيم قطع عَلَيْهِ مَالا كثيرا فَبَلغهُ أَنه قدم آمل وَنحن بفربر فَقُلْنَا لَهُ ينبغى أَن تعبر وتأخذه بِمَالك فَقَالَ لَيْسَ لنا أَن نروعه ثمَّ بلغ غَرِيمه فَخرج إِلَى خوارزم فَقُلْنَا ينبغى أَن تَقول لأبى سَلمَة الكشانى عَامل آمل ليكتب إِلَى خوارزم فى أَخذه فَقَالَ إِن أخذت مِنْهُم كتابا طمعوا منى فى كتاب وَلست أبيع دينى بدنياى فجهدنا فَلم يَأْخُذ حَتَّى كلمنا السُّلْطَان عَن غير أمره فَكتب إِلَى والى خوارزم فَلَمَّا بلغ أَبَا عبد الله ذَلِك وجد وجدا شَدِيدا وَقَالَ لَا تَكُونُوا أشْفق على من نفسى وَكتب كتابا وَأَرْدَفَ تِلْكَ الْكتب بكتب وَكتب إِلَى بعض أَصْحَابه بخوارزم أَن لَا يتَعَرَّض لغريمهفَرجع غَرِيمه وَقصد نَاحيَة مرو فَاجْتمع التُّجَّار وَأخْبر السُّلْطَان فَأَرَادَ التَّشْدِيد على الْغَرِيم فكره ذَلِك أَبُو عبد الله وَصَالح غَرِيمه على أَن يُعْطِيهِ كل سنة عشرَة دَرَاهِم شَيْئا يَسِيرا وَكَانَ المَال خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَلم يصل من ذَلِك إِلَى دِرْهَم وَلَا إِلَى أَكثر مِنْهُ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول مَا توليت شِرَاء شئ قطّ وَلَا بَيْعه قلت فَمن يتَوَلَّى أَمرك فى أسفارك قَالَ كنت أكفى أَمر ذَلِك وَذكر بكر بن مُنِير أَنه حمل إِلَى البخارى بضَاعَة أنفذها إِلَيْهِ ابْنه أَحْمد فَاجْتمع بِهِ بعض التُّجَّار فطلبوها مِنْهُ بِرِبْح خَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ انصرفوا اللَّيْلَة فَجَاءَهُ من الْغَد تجار آخَرُونَ فطلبوها مِنْهُ بِرِبْح عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ إنى نَوَيْت البارحة بيعهَا للَّذين أَتَوا البارحة قلت وَقَالَ مُحَمَّد بن أَبى حَاتِم سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول مَا ينبغى للْمُسلمِ أَن يكون بِحَالَة إِذا دعى لم يستجب لَهُ قَالَ وسمعته يَقُول خرجت إِلَى آدم بن أَبى إِيَاس فتخلفت عَنى نفقتى حَتَّى جعلت أتناول الْحَشِيش وَلَا أخبر بذلك أحدا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث آتانى أت لم أعرفهُ فناولنى صرة دَنَانِير وَقَالَ أنْفق على نَفسك وَسمعت سليم بن مُجَاهِد يَقُول مَا رَأَيْت بعينى مُنْذُ سِتِّينَ سنة أفقه وَلَا أورع وَلَا أزهد فى الدُّنْيَا من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَاعْلَم أَن مَنَاقِب أَبى عبد الله كَثِيرَة فَلَا مطمع فى اسْتِيعَاب غالبها والكتب مشحونة بِهِ وَفِيمَا أوردناه مقنع وبلاغ

شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت بشار

full-text

— · 2 entries

  • legacy full passagepage 6076, entry [8794]38,376 chars
    محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، الإمام العلم أبو عبد الله الجعفي، مولاهم، البخاري، صاحب الصحيح والتصانيف. ولد في شوال سنة أربع وتسعين، وأول سماعه سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحبب إليه العلم من الصغر. وأعانه عليه ذكاؤه المفرط. ونشأ يتيمًا، وكان أبوه من العلماء الورعين ق…
    ▸ expand full passage (38,376 chars)
    محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، الإمام العلم أبو عبد الله الجعفي، مولاهم، البخاري، صاحب الصحيح والتصانيف. ولد في شوال سنة أربع وتسعين، وأول سماعه سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحبب إليه العلم من الصغر. وأعانه عليه ذكاؤه المفرط. ونشأ يتيمًا، وكان أبوه من العلماء الورعين قال أبو عبد الله البخاري: سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك. قلت: وحدث عن أبي معاوية، وجماعة. روى عنه: أحمد بن حفص، ونصر بن الحسين. قال أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. قال أحمد: فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك. قلت: وربت أبا عبد الله أمه. ورحل سنة عشر ومائتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته: محمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي،وعبد الله بن محمد المسندي، ومحمد بن غرير، وهارون بن الأشعث، وطائفة، وسمع ببلخ من: مكي بن إبراهيم، ويحيى بن بشر الزاهد، وقتيبة، وجماعة. وكان مكي أحد من حدثه عن ثقات التابعين. وسمع بمرو من: علي بن الحسن بن شقيق، وعبدان، ومعاذ بن أسد، وصدقة بن الفضل، وجماعة. وسمع بنيسابور من: يحيى بن يحيى، وبشر بن الحكم، وإسحاق، وعدة. وبالري من: إبراهيم بن موسى الحافظ، وغيره. وببغداد من: محمد بن عيسى ابن الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومعاوية بن عمرو الأزدي، وطائفة. وقال: دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشر. وسمع بالبصرة من: أبي عاصم النبيل، وبدل بن المحبر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي، وعمرو بن عاصم الكلابي، وعبد الله بن رجاء الغداني، وطبقتهم. وبالكوفة من: عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وطلق بن غنام، والحسن بن عطية وهما أقدم شيوخه موتًا؛ وخلاد بن يحيى، وخالد بن مخلد، وفروة بن أبي المغراء، وقبيصة، وطبقتهم. وبمكة من: أبي عبد الرحمن المقرئ، والحميدي، وأحمد بن محمد الأزرقي، وجماعة. وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسي، ومطرف بن عبد الله، وأبي ثابت محمد بن عبيد الله، وطائفة. وبواسط من: عمرو بن عون، وغيره. وبمصر من: سعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن صالح الكاتب، وسعيد بن تليد، وعمرو بن الربيع بن طارق، وطبقتهم، وبدمشق من أبي مسهر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النضر الفراديسي، وجماعة. وبقيسارية من: محمد بن يوسف الفريابي. وبعسقلان: من آدم بن أبي إياس. وبحمص من: أبي المغيرة، وأبي اليمان، وعلي بن عياش، وأحمد بن خالد الوهبي، ويحيى الوحاظي. وذكر أنه سمع من ألف نفس. وقد خرج عنهم مشيخة وحدث بها، لم نرها. وحدث بالحجاز، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر. وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة. روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم قديمًا. وروى عنه من أصحاب الكتب: الترمذي، والنسائي، على نزاع في النسائي، والأصح أنه لم يرو عنه شيئًا. وروى عنه: مسلم في غير الصحيح، ومحمد بن نصر المروزي الفقيه، وصالح بن محمد جزرة الحافظ، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومطين، وأبوالعباس السراج، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو قريش محمد بن جمعة، ويحيى بن محمد بن صاعد، وإبراهيم بن معقل النسفي، ومهيب بن سليم، وسهل بن شاذويه، ومحمد بن يوسف الفربري، ومحمد بن أحمد بن دلويه، وعبد الله بن محمد الأشقر، ومحمد ابن هارون الحضرمي، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وأبو علي الحسن بن محمد الداركي، وأحمد بن حمدون الأعمشي، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمود بن عنبر النسفي، ومطين (¬١)، وجعفر بن محمد بن الحسن الجروي، وأبو حامد بن الشرقي، وأخوه أبو محمد عبد الله، ومحمد بن سليمان بن فارس، ومحمد بن المسيب الأرغياني، ومحمد بن هارون الروياني، وخلق. وآخر من روى عنه الجامع الصحيح: منصور بن محمد البزدوي المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وآخر من زعم أنه سمع من البخاري موتًا أبو ظهير عبد الله بن فارس البلخي المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مائة. وآخر من روى حديثه عاليًا: خطيب الموصل في الدعاء للمحاملي؛ بينه وبينه ثلاثة رجال. وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى. وهو أعلى شيء في وقتنا إسنادًا للناس. ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه، فكيف اليوم؟ فلو رحل الشخص لسماعه من مسيرة ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. وأنا أدري أن طائفة من الكبار يستقلون عقلي في هذا القول، ولكن: ما يعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها ومن جهل شيئًا عاداه، ولا قوة إلا بالله. فصل نقل ابن عدي (¬٢) وغيره أن مغيرة بن بردزبه المجوسي جد البخاري أسلم على يد والي بخارى يمان الجعفي جد المحدث عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجعفي المسندي. فولاؤه للجعفيين بهذا الاعتبار. وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: أخرج أبو عبد الله ولده بخطأبيه بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. وقال ابن عدي (¬١): سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول: رأيت البخاري شيخًا نحيفًا، ليس بالطويل ولا بالقصير. عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. وقال أحمد بن الفضل البلخي: ذهبت عينا محمد في صغره، فرأت أمه إبراهيم ﵇، فقال: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك أو دعائك. فأصبح وقد رد الله عليه بصره. وعن جبريل بن ميكائيل: سمعت البخاري يقول: لما بلغت خراسان أصبت ببصري، فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي، ففعلت، فرد الله علي بصري. رواها غنجار في تاريخه (¬٢). وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق: قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ قال: ألهمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل. وخرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل. فدخل ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت. فقال للبخاري بعض أصحابه: ابن كم كنت؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء. ثم خرجت مع أبي وأخي أحمد إلى مكة. فلما حججت رجع أخي بها وتخلفت في طلب الحديث. فلما طعنت في ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى. وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة. وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة. إلا أني كرهت تطويل الكتاب. وقال عمرو بن حفص الأشقر: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أيامًا، ثم وجدناه في بيت وهو عريان وقد نفذ ما عنده. فجمعنا له الدراهم وكسوناه.وقال عبد الرحمن بن محمد البخاري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لقيت أكثر من ألف رجل، أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخراسان، إلى أن قال: فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بغداد ثمان مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟! فأنا الآن أذكر قول أحمد. وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة. وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام، فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام. فكنا نقول له، فقال: إنكما قد أكثرتما علي، فاعرضا علي ما كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد. قالا: فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابا لم يخرج وجهه. وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعت سليم بن مجاهد يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث. قال: فخرجت في طلبه فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم. ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. قال غنجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقرئ، قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف البيكندي قال: سمعت علي بن الحسين بن عاصم البيكندي يقول: قدم علينا محمد بن إسماعيل، فاجتمعنا عنده، فقال بعضنا: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي.فقال محمد: أوتعجب من هذا؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه. قال: وإنما عنى به نفسه. وقال ابن عدي (¬١): حدثني محمد بن أحمد القومسي، قال: سمعت محمد بن خمرويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح (¬٢)، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري. وقال ابن عدي: سمعت عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد فاجتمع أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس. فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فقال، وسأله عن حديث من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز. ثم انتدب آخر ففعل كفعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. إلى أن فرغ العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول، فقال: أما حديثك الأول فإسناده كذا وكذا، والثاني كذا وكذا، والثالث … إلى آخر العشرة. فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالثاني مثل ذلك إلى أن فرغ، فأقر له الناس بالحفظ. وقال يوسف بن موسى المروروذي: كنت بجامع البصرة إذ سمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري. فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًا يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم. فلما كان من الغد اجتمع كذا كذا ألف، فجلس للإملاء، وقال: يا أهل البصرة أنا شاب، وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد بلديكم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس أن أعرابيًاقال: يا رسول الله الرجل يحب القوم … الحديث. ثم قال: هذا ليس عندكم، إنما عندكم عن غير منصور. وأملى مجلسًا على هذا النسق. قال يوسف: وكان دخولي البصرة أيام محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب. وقال محمد بن حمدون بن رستم: سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله. وقال الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال إسحاق بن أحمد الفارسي: سمعت أبا حاتم يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله الدارمي أثبتهم. وعن أحمد بن حنبل قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان: أبو زرعة، ومحمد بن إسماعيل، والدارمي، والحسن بن شجاع البلخي. وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه. ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن لرجوت أن أكون صادقًا. قرأت على عمر ابن القواس: أخبركم أبو القاسم بن الحرستاني حضورًا، قال: أخبرنا جمال الإسلام، قال: أخبرنا ابن طلاب، قال أخبرنا ابن جميع، قال: حدثني أحمد بن محمد بن آدم، قال: حدثني محمد بن يوسف البخاري قال: كنت عند محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة، فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة. وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا. فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارًا ويسرج، ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها، ثم يضع رأسه. وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة. وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا ولا توقظني! قال: أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك. وقال الفربري: قال لي محمد بن إسماعيل، ما وضعت في الصحيححديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (¬١). وقال إبراهيم بن معقل: سمعته يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال رجل: لو جمعتم كتابًا مختصرًا للسنن. فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب. وعن البخاري، قال: أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته ست عشرة سنة. وجعلته حجة فيما بيني وبين الله. رويت من وجهين ثابتين، عن. وقال إبراهيم بن معقل: سمعته يقول: ما أدخلت في الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لأجل الطول. وقال محمد بن أبي حاتم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ جميع ما في المصنف؟ قال: لا يخفى علي جميع ما فيه، ولو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كتاب التاريخ ولا عرفوه. ثم قال: صنفته ثلاث مرات. وقد أخذه ابن راهويه فأدخله على عبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأمير ألا أريك سحرًا. فنظر فيه عبد الله، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه. وقال الفربري: حدثني نجم بن الفضل، وكان من أهل الفهم، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم خرج من قرية ومحمد بن إسماعيل خلفه، فإذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على قدمه ويتبع أثره. وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم في الحديث من أحمد وإسحاق بعشرين درجة، ومن قال: فيه شيء، فمني عليه ألف لعنة. ولو دخل من هذا الباب لملئت منه رعبًا. وقال أبو عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلما قام من عنده، قال: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى: استجيب له فيه. وقال جعفر بن محمد المستغفري في تاريخ نسف، وذكر البخاري: لو جاز لي لفضلته على من لقي من مشايخه، ولقلت: ما رأى بعينه مثل نفسه. دخل نسف سنة ست وخمسين وحدث بها بجامعه الصحيح، وخرج إلىسمرقند لعشر بقين من رمضان، ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر. وقال الحاكم: أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام. قال محمد بن أبي حاتم: بلغني أن أبا عبد الله شرب البلاذر للحفظ، فقلت له: هل من دواء يشربه الرجل للحفظ؟ فقال: لا أعلم. ثم أقبل علي وقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر. وذلك أني كنت بنيسابور مقيمًا، فكان يرد إلي من بخارى كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن في الكتب، فكنت أكتب إلى بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامي، فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي، ولم أقرئهن سلامي. وما أقل ما يذهب عني في العلم. يعني: ما أقل ما يذهب عنه من العلم لمداومة النظر والاشتغال، وهذه قراباته قد نسي أسماءهن. وغالب الناس بخلاف ذلك؛ فتراهم يحفظون أسماء أقاربهم ومعارفهم ولا يحفظون إلا اليسير من العلم. قال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: لم تكن كتابتي للحديث كما يكتب هؤلاء. كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وعلة الحديث إن كان فهمًا، فإن لم يكن فهمًا سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته. فأما الآخرون فإنهم لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون. وسمعت العباس الدوري يقول: ما رأيت أحدًا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل. كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إلا قلعه. ثم قال لنا عباس: لا تدعوا شيئًا من كلامه إلا كتبتموه. سمعت إبراهيم الخواص مستملي صدقة يقول: رأيت أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث. فصل: في ذكائه وسعة علمه قال جعفر بن محمد القطان إمام كرمينية فيما رواه عنه مهيب بن سليم أنه سمع محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده. وقال محمد بن أبي حاتم: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة فقال: ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب عبد الله بن المباركخمسة أو نحوه، وفي كتابي هذا خمس مائة حديث أو أكثر. وسمعت أبا عبد الله يقول: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به. قال محمد بن أبي حاتم: سمعت سليم بن مجاهد يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مائة مما يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن. وقد ذكرت حكاية البغداديين في مثل هذا. وقال الفربري: سمعت أبا عبد الله يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني، وربما كنت أغرب عليه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة. وسمعته يقول: ما كتبت حكاية قط كنت أتحفظها. وسمعته يقول: لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة. فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله؟ قال: نعم. وسمعته يقول: كنت في مجلس الفريابي، فقال: حدثنا سفيان، عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد. فلم يعرف أحد في المجلس أبا عروة، ولا أبا الخطاب. قال: أما أبو عروة فمعمر، وأبو الخطاب قتادة. قال: وكان الثوري فعولًا، لهذا يكني المشهورين. قال محمد بن أبي حاتم: قدم رجاء الحافظ فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حيث بلغك، وفي أي شيء نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولم أستعد لذلك، فإن أحببت أن تسأل عن شيء فافعل. فجعل يناظره في أشياء فبقي رجاء لا يدري، ثم قال له أبو عبد الله: هل لك في الزيادة؟ فقال استحياء وخجلًا منه: نعم. قال: سل إن شئت. فأخذ في أسامي أيوب، فعد نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكت، فظن رجاء أن قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله فاتك خير كثير. فزيف أبو عبد الله في أولئك سبعة، وأغرب عليه نحوأكثر من ستين رجلًا. ثم قال له رجاء: كم رويت في العمامة السوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: نروي نحوًا من أربعين حديثًا. فخجل رجاء ويبس ريقه. وسمعت أبا عبد الله يقول: دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ. وقال ابن أبي حاتم وراق أبي عبد الله: قال أبو عبد الله: سئل إسحاق بن إبراهيم عمن طلق ناسيًا، فسكت. فقلت: قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم (¬١). وإنما يراد مباشرة هذه الثلاث: العمل والقلب، أو الكلام والقلب، وهذا لم يعتقد بقلبه. فقال إسحاق: قويتني. وأفتى به. قال: وسمعت أبا عبد الله البخاري يقول: ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في عامة كتب الرأي، وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثًا صحيحًا إلا كتبته، إلا ما لم يظهر لي. وسمعت بعض أصحابي يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندي، فدخل محمد بن إسماعيل، فلما خرج قال محمد بن سلام: كلما دخل علي هذا الصبي تحيرت والتبس علي أمر الحديث، ولا أزال خائفًا ما لم يخرج. فصل: في ثناء الأئمة على البخاري قلت: فارق البخاري بخارى وله خمس عشرة سنة، ولم يره محمد بن سلام بعد ذلك، فقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث. فخرجت حتى لحقته فقلت: أنت تحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم أو أكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب أو سنة (¬٢).وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت؛ فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم. وسمعته يقول لمحمد بن إسماعيل: لولا أنت ما استطبت العيش ببخارى. وسمعت محمد بن يوسف يقول: كنت عند أبي رجاء، يعني قتيبة، فسئل عن طلاق السكران فقال: هذا أحمد بن حنبل، وابن المديني، وابن راهويه قد ساقهم الله إليك. وأشار إلى محمد بن إسماعيل. وكان مذهب محمد أنه إذا كان مغلوب العقل لا يذكر ما يحدث في سكره أنه لا يجوز عليه من أمره شيء. وسمعت عبد الله بن سعيد يقول: لما مات أحمد بن حرب النيسابوري ركب محمد وإسحاق يشيعان جنازته، فكنت أسمع أهل المعرفة بنيسابور ينظرون ويقولون: محمد أفقه من إسحاق. سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول: سمعت عبدان يقول: ما رأيت بعيني شابًا أبصر من هذا. وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل. سمعت صالح بن مسمار يقول: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف: سمعت أحمد بن عبد السلام يقول: ذكرنا قول البخاري لعلي ابن المديني، يعني: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي ابن المديني، فقال علي: دعوا هذا فإن محمد بن إسماعيل لم ير مثل نفسه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسروا بذلك وأخبروا عمرًا. فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. قال: وسمعت حاشد بن عبد الله يقول: قال لي أبو مصعب الزهري: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من أحمد بن حنبل. فقيل له: جاوزت الحد. فقال للرجل: لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث. وسمعت علي بن حجر يقول: أخرجت خراسان ثلاثة: أبو زرعة،ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم. وقال أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت محمد بن بشار يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل. وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة فقدم محمد بن إسماعيل فقال بندار: اليوم دخل سيد الفقهاء. وقال أيضا: سمعت يعقوب الدورقي يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وجاء من غير وجه عن عبد الله الدارمي، قال: محمد بن إسماعيل أبصر مني. وقال حاشد بن إسماعيل الحافظ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل. وقال مسبح بن سعيد البخاري: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: قد رأيت العلماء بالحجاز والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل (¬١). وقال محمد بن حمدون الأعمشي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله. وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل (¬٢).وقال صالح بن محمد جزرة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وقال إسحاق بن زبرك: سمعت أبا حاتم في سنة سبع وأربعين ومائتين يقول: يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه. ولا قدم العراق أعلم منه. فقدم علينا البخاري. وقال أبو بكر الخطيب (¬١): سئل العباس بن الفضل الرازي الصائغ: أيهما أحفظ، أبو زرعة أو البخاري؟ فقال: لقيت البخاري بين حلوان وبغداد، فرحلت معه مرحلة وجهدت أن أجيء بحديث لا يعرفه فما أمكن، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعري. وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجة. ومن قال فيه شيئًا فمني عليه ألف لعنة (¬٢). ثم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله. وقال عبد الله بن حماد الآملي: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرجالة. وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: عبد الله ابن الديلمي أبو بسر، وقال البخاري ومسلم فيه: أبو بشر بشين معجمة. قال الحاكم: وكلاهما أخطأ، في علمي إنما هو أبو بسر، وخليق أن يكون محمد بن إسماعيل مع جلالته ومعرفته بالحديث اشتبه عليه، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه على زلته. ومن تأمل كتاب مسلم في الأسماء والكنى علم أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل حذو القذة بالقذة، حتى لا يزيد عليه فيه إلا ما يسهل عده. وتجلد في نقله حق الجلادة، إذ لم ينسبه إلى قائله. وكتاب محمد بن إسماعيل في التاريخ كتاب لم يسبق إليه. ومن ألف بعده شيئا من التاريخ أو الأسماء والكنى لم يستغنعنه، فمنهم من نسبه إلى نفسه مثل أبي زرعة، وأبي حاتم، ومسلم. ومنهم من حكاه عنه. فالله يرحمه، فإنه الذي أصل الأصول. وذكر الحكم أبو أحمد كلامًا سوى هذا. فصل: في ديانته وصلاحه قال مسبح بن سعيد: كان البخاري يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاثة ليال بختمة. وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا. قلت: يشهد لهذه المقالة كلامه، ﵀، في التجريح والتضعيف، فإنه أبلغ منا. يقول في الرجل المتروك أو الساقط: فيه نظر أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلان كذاب، ولا فلان يضع الحديث. وهذا من شدة ورعه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. قال: وكان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت: أراك تحمل على نفسك فلو توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك (¬١). وقال غنجار: سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد المقرئ يقول: سمعت بكر بن منير يقول: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: انظروا أيش آذاني. وقال محمد بن أبي حاتم: دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان، فلما صلى بهم الظهر قام يتطوع. فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه وقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت القميص شيئًا؟ فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها. وقال محمد بن أبي حاتم: رأيت أبا عبد الله استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير وأتعب نفسه يومئذ، فقلت له: إني أراكتقول إني ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت، فما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: أتعبنا أنفسنا اليوم، وهذا ثغر من الثغور، وخشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإن غافصنا (¬١) العدو كان منا حراك. وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أعلمني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، فكان يصيب الهدف في كل ذلك. وكان لا يسبق. وسمعته يقول: ما أكلت كراثًا قط ولا القنابرى (¬٢). قلت: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أؤذي من معي من نتنهما. قلت: فكذلك البصل النيء؟ قال: نعم. وسمعته يقول: ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه. وقال له بعض أصحابه: يقولون: إنك تناولت فلانًا. قال: سبحان الله، ما ذكرت أحدًا بسوء، إلا أن أقول ساهيًا. قال: وكان لأبي عبد الله غريم قطع عليه مالا كثيرًا. فبلغه أنه قدم آمل ونحن عنده بفربر، فقلنا له: ينبغي أن تعبر وتأخذه بمالك. فقال: ليس لنا أن نروعه. ثم بلغ غريمه فخرج إلى خوارزم، فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني عامل آمل ليكتب إلى خوارزم في أخذه. فقال: إن أخذت منهم كتابًا طمعوا مني في كتاب ولست أبيع ديني بدنياي. فجهدنا، فلم يأخذ حتى كلمنا السلطان عن غير أمره، فكتب إلى والي خوارزم. فلما بلغ أبا عبد الله ذلك وجد وجدًا شديدًا، وقال: لا تكونوا أشفق علي من نفسي. وكتب كتابًا وأردف تلك الكتب بكتب. وكتب إلى بعض أصحابه بخوارزم أن لا يتعرض لغريمه، فرجع غريمه، وقصد ناحية مرو، فاجتمع التجار، وأخبر السلطان، فأراد التشديد على الغريم، فكره ذلك أبو عبد الله فصالح غريمه على أن يعطيه كل سنة عشرة دراهم شيئًا يسيرًا. وكان المال خمسة وعشرين ألفًا. ولم يصل من ذلك المال إلى درهم، ولا إلى أكثر منه. وسمعت أبا عبد الله يقول: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه. قلت: فمن يتولى أمرك في أسفارك؟ قال: كنت أكفى ذلك. وقال لي يومًا بفربر: بلغني أن نخاسًا قدم بجَوارٍ، فتصير معي؟ قلت:نعم. فصرنا إليه، فأخرج جواري حسانًا صباحًا، ثم أخرج من خلالهن جارية خزرية دميمة، فمس ذقنها وقال: اشتر لنا هذه. فقلت: هذه دميمة قبيحة لا تصلح. واللاتي نظرنا إليهن يمكن شراءهن بثمن هذه. فقال: اشترها، فإني مسست ذقنها، ولا أحب أن أمس جارية، ثم لا أشتريها. فاشتراها بغلاء خمسمائة درهم على ما قال أهل المعرفة. ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إلى نيسابور. وروى بكر بن منير، وابن أبي حاتم، واللفظ لبكر، قال: حمل إلى البخاري بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد. فاجتمع به بعض التجار وطلبوها بربح خمسة آلاف درهم. فقال: ارجعوا الليلة. فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوها منه بربح عشرة آلاف درهم، فقال: إني نويت البارحة بيعها للذين أتوا البارحة. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبينت ذلك أيها الشيخ من نفسك أو جربت؟ قال: نعم، دعوت ربي ﷿ مرتين، فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي أو يعجل لي في الدنيا. ثم قال: ما حاجة المسلم إلى البخل والكذب؟ وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدًا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك. وسمعت سليم بن مجاهد يقول: ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه ولا أورع ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل. فصل: في صفته وكرمه قال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير (¬١). وقال محمد بن أبي حاتم: دخل أبو عبد الله الحمام بفربر، وكنت أنا في مشلح الحمام أتعاهد ثيابه. فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها، ثم ناولته الخف،فقال: مسست شيئًا فيه شعر النبي ﷺ. فقلت: في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني، فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة. وكانت لأبي عبد الله قطعة أرض يكريها كل سنة بسبع مائة درهم. وكان ذلك المكتري ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين، لأنه كان معجبًا بالقثاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانًا؛ فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانًا. وسمعته يقول: كنت أستغل كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقت كل ذلك في طلب العلم. فقلت: كم بين مثل من ينفق على هذا الوجه، وبين من كان خلوًا من المال، فجمع وكسب من العلم (¬١). وكنا بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطًا مما يلي بخارى. فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك. وكان ينقل اللبن، فكنت أقول له: إنك تكفى. فيقول: هذا الذي ينفعنا. ثم أخذنا ننقل الزنبرات (¬٢) معه، وكان ذبح لهم بقرة، فلما أدركت القدور دعا الناس إلى الطعام، وكان بها مائة نفس أو أكثر، ولم يكن علم أنه اجتمع ما اجتمع. وكنا أخرجنا معه من فربر خبزًا بثلاثة دراهم أو أقل، فألقينا بين أيديهم، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفة صالحة. وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء بدرهم. وقال لي مرة: أحتاج في السنة إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم. وكان يتصدق بالكثير. يناول الفقير من أصحاب الحديث ما بين العشرين إلى الثلاثين، وأقل وأكثر، من غير أن يشعر بذلك أحد. وكان لا يفارقه كيسه. ورأيته ناول رجلًا صرة فيها ثلاثمائة درهم. وكنت اشتريت منزلًا بتسع مائة وعشرين درهمًا. فقال لي: ينبغي أن تصير إلى نوح الصيرفي وتأخذ منه ألف درهم وتحضرها. ففعلت، فقال: خذها فاصرفها في ثمن البيت. فقلت: قد قبلت منك. وشكرته. وأقبلنا على الكتابة. وكنا في تصنيف الجامع. فلما كان بعد ساعة، قلت: عرضت لي حاجة لا أجترئ رفعها إليك. فظن أني طمعت في الزيادة، فقال: لا تحتشمني وأخبرني بما تحتاج، فإني أخاف أن أكون مأخوذًا بسببك. قلت له: كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ آخى بين أصحابه،فذكر حديث سعد وعبد الرحمن. فقلت له: قد جعلتك في حل من كل ما تقول، ووهبتك المال الذي عرضته علي، عنيت المناصفة، وذلك أنه قال: لي جوار وامرأة، وأنت عزب، فالذي يجب علي أن أناصفك لنستوي في المال وغيره، وأربح عليك في ذلك. فقلت له: قد فعلت، رحمك الله، أكثر من ذلك، إذ أنزلتني من نفسك ما لم تنزل أحدًا، وحللت منك محل الولد. ثم حفظ علي حديثي الأول، وقال: ما حاجتك؟ قلت: تقضيها؟ قال: نعم، وأسر بذلك. قلت: هذه الألف تأمر بقبوله وتصرفه في بعض ما تحتاج إليه فقبله، وذلك أنه ضمن إجابة قضاء حاجتي. ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف الجامع وكتبنا منه ذلك اليوم شيئًا كثيرًا إلى الظهر. ثم صلينا الظهر، وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئًا. فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش، فتوهم في ملالًا؛ وإنما كان بي الحصر، غير أني لم أكن أقدر على القيام، وكنت أتلوى اهتمامًا بالحصر. فدخل أبو عبد الله المنزل، وأخرج إلي كاغدة فيها ثلاثمائة درهم، وقال: أما إذ لم تقبل ثمن المنزل فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك. فجهد بي، فلم أقبل، ثم كان بعد أيام، كتبنا إلى الظهر أيضًا، فناولني عشرين درهمًا وقال: اصرفها في شري الحصر. فاشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه، وبعثت ب إليه، وأتيت فقال: بيض الله وجهك ليس فيك حيلة. فلا ينبغي لنا أن نعني أنفسنا. فقلت: إنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة فأي رجل يبر خادمه بما تبرني!. قصته مع الذهلي قال الحسن بن محمد بن جابر: قال لنا محمد بن يحيى الذهلي لما ورد البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس الذهلي، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه. وقال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمعوا عليه، حسده بعض المشايخ، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه. فلما حضر الناس قام إليه رجل وقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه ولم يجبه. فأعادالسؤال، فأعرض عنه: ثم أعاد، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة. فشغب الرجل وشغب الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله. قال محمد بن يوسف الفربري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ: إن الله يصنع كل صانع وصنعته (¬١). وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق. قال الله تعالى: ﴿هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وقال: يقال فلان حسن القراءة ورديء القراءة. ولا يقال: حسن القرآن، ولا رديء القرآن، وإنما ينسب إلى العباد القراءة؛ لأن القرآن كلام الرب، والقراءة فعل العبد. وليس لأحد أن يشرع في أمر الله بغير علم، كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا وألفاظنا به شيء واحد. والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء. فقيل له: إن التلاوة فعل القارئ وعمل التالي. فرجع وقال: ظننتهما مصدرين. فقيل له: هلا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك؟ ولو بعثت إلى من كتب عنك واسترددت ما أثبت وضربت عليه. فزعم أن كيف يمكن هذا؟ وقال: قلت ومضى قولي. فقيل له: كيف جاز لك أن تقول في الله شيئًا لا تقوم به شرحًا وبيانًا؟ إذ لم تميز بين التلاوة والمتلو. فسكت إذ لم يكن عنده جواب. وقال أبو حامد الأعمشي: رأيت البخاري في جنازة سعيد بن مروان، والذهلي يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، ويمر فيه البخاري مثل السهم،فما أتى على هذا شهر حتى قال الذهلي: ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يأتنا. فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه. فأقام البخاري مدة وخرج إلى بخارى. قال أبو حامد ابن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته وحيث تصرف. فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ. ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وبانت منه امرأته. يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وجعل ماله فيئًا. ومن وقف فقد ضاهى الكفر. ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم. ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. وقال الفربري: سمعت البخاري يقول: إني لأستجهل من لا يكفر الجهمية. قال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، قال: سمعت محمد بن شاذك يقول: دخلت على البخاري فقلت: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد. فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء. فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة. رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. عنى مسألة اللفظ. وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف: كنا يومًا عند أبي إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول. قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت البخاري فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله ههنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور، وقومس، والري، وهمذان، وبغداد، والكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، أني قد قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور مافعلوا به. استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا فليستقبله. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فقال لنا الذهلي: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل حروري، وكل رافضي وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان. قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا. فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقال بعضهم: لم يقل. حتى تواثبوا، فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم. وكان قد نزل في دار البخاريين. وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول، خصوصًا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة. وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير. يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال: فأخبرت أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه، فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع ونادى عليه ومنع الناس عنه انقطع أكثرهم غير مسلم. فقال الذهلي يومًا: ألا من قال بالفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس. وبعث إلى الذهلي بما كتب عنه على ظهر حمال. وتبعه في القيام أحمد بن سلمة. قال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبد الله، فقال: إن فلانًا يكفرك فقال: قال النبي ﷺ: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما (¬١).وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل (¬١): قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه: أبي، وأبو زرعة؛ وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. وقال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: سمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم البخاري بخارى نصب له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبقي أيامًا، فكتب محمد بن يحيى الذهلي إلى أمير بخارى خالد بن أحمد: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه. فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج. قال أحمد بن منصور: فحدثني بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فقلت: يا أبا عبد الله كيف ترى هذا اليوم من يوم دخولك؟ فقال: لا أبالي إذا سلم ديني. فخرج إلى بيكند، فسار الناس معه حزبين: حزب له وحزب عليه، إلى أن كتب إليه أهل سمرقند، فسألوه أن يقدم عليهم، فقدم إلى أن وصل بعض قرى سمرقند، فوقع بين أهل سمرقند فتنة بسببه. قوم يريدون إدخاله البلد، وقوم يأبون، إلى أن اتفقوا على دخوله. فاتصل به ما وقع بينهم، فخرج يريد أن يركب، فلما استوى على دابته، قال: اللهم خر لي، ثلاثًا، فسقط ميتًا. وحضره أهل سمرقند بأجمعهم. هذه حكاية منقطعة شاذة. وقال بكر بن منير بن خليد البخاري: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي متولي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب الجامع، والتاريخ، وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت له إلى شيء منه حاجة فليحضر في مسجدي أو في داري. وإن لم يعجبه هذا فإنه سلطان، فليمنعني من الجلوس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم. فكان هذا سبب الوحشة بينهما. وقال أبو بكر بن أبي عمرو البخاري: كان سبب منافرة البخاري أن خالدابن أحمد خليفة الطاهرية ببخارى سأله أن يحضر منزله فيقرأ الجامع، والتاريخ على أولاده، فامتنع، فراسله بأن يعقد مجلسًا خاصًا لهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدًا. فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد، فدعا عليهم. فلم يأت إلا شهر حتى ورد أمر الطاهرية بأن ينادى على خالد في البلد. فنودي عليه على أتان، وأما حريث فابتلي بأهله، ورأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلان فابتلي بأولاده. رواها الحاكم عن محمد بن العباس الضبي عن أبي بكر هذا. قلت: كان حريث من كبار فقهاء الرأي ببخارى. قال محمد بن واصل البيكندي: من الله علينا بخروج أبي عبد الله ومقامه عندنا حتى سمعنا منه هذه الكتب، وإلا من كان يصل إليه؟ وبمقامه في فربر وبيكند بقيت هذه الآثار وتخرج الناس به. قال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: جاء البخاري إلى قرية خرتنك على فرسخين من سمرقند، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك. فما تم الشهر حتى مات، وقبره بخرتنك. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله، يقول: أقام أبو عبد الله عندنا أيامًا فمرض، واشتد به المرض حتى وجه رسولًا إلى سمرقند في إخراج محمد. فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده، ورجل آخر معي يقود الدابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت. فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضى ﵀، فسال منه من العرق شيء لا يوصف. فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن: كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة. ففعلنا ذلك. فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أيامًا. ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون. وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر، حتى ظهر القبر، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس، وغلبنا على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشبًا مشبكًا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر. وأما ريح الطيب فإنه تداوم أيامًا كثيرة، حتى تحدث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك. وظهرعند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره، وأظهروا التوبة والندامة. قال محمد: ولم يعش غالب بعده إلا القليل ودفن إلى جانبه. وقال خلف الخيام: سمعت مهيب بن سليم يقول: مات عندنا أبو عبد الله ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين، وكان في بيت وحده. فوجدناه لما أصبح وهو ميت. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا ذر يقول: رأيت في المنام محمد بن حاتم الخلقاني، فسألته، وأنا أعرف أنه ميت، عن شيخي: هل رأيته؟ قال: نعم، رأيته. ثم سألته عن محمد بن إسماعيل البخاري فقال: رأيته. وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير. وقال أبو علي الغساني الحافظ (¬١): حدثنا أبو الفتح نصر بن الحسن التنكتي السمرقندي؛ قدم علينا بلنسية عام أربعة وستين وأربعمائة قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يسقوا، فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ونستسقي عنده، فعسى الله أن يسقينا. فقال القاضي: نعم ما رأيت. فخرج القاضي والناس معه، واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته. وبين سمرقند وخرتنك نحو ثلاثة أميال. ومناقب أبي عبد الله ﵁ كثيرة، وقد أفردتها في مصنف وفيها زيادات كثيرة هناك، والله أعلم. ٤١٠ - ت ق:
  • legacy full passagepage 6076, entry [8794]38,376 chars
    محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، الإمام العلم أبو عبد الله الجعفي، مولاهم، البخاري، صاحب الصحيح والتصانيف. ولد في شوال سنة أربع وتسعين، وأول سماعه سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحبب إليه العلم من الصغر. وأعانه عليه ذكاؤه المفرط. ونشأ يتيمًا، وكان أبوه من العلماء الورعين ق…
    ▸ expand full passage (38,376 chars)
    محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، الإمام العلم أبو عبد الله الجعفي، مولاهم، البخاري، صاحب الصحيح والتصانيف. ولد في شوال سنة أربع وتسعين، وأول سماعه سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحبب إليه العلم من الصغر. وأعانه عليه ذكاؤه المفرط. ونشأ يتيمًا، وكان أبوه من العلماء الورعين قال أبو عبد الله البخاري: سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك. قلت: وحدث عن أبي معاوية، وجماعة. روى عنه: أحمد بن حفص، ونصر بن الحسين. قال أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. قال أحمد: فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك. قلت: وربت أبا عبد الله أمه. ورحل سنة عشر ومائتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته: محمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي،وعبد الله بن محمد المسندي، ومحمد بن غرير، وهارون بن الأشعث، وطائفة، وسمع ببلخ من: مكي بن إبراهيم، ويحيى بن بشر الزاهد، وقتيبة، وجماعة. وكان مكي أحد من حدثه عن ثقات التابعين. وسمع بمرو من: علي بن الحسن بن شقيق، وعبدان، ومعاذ بن أسد، وصدقة بن الفضل، وجماعة. وسمع بنيسابور من: يحيى بن يحيى، وبشر بن الحكم، وإسحاق، وعدة. وبالري من: إبراهيم بن موسى الحافظ، وغيره. وببغداد من: محمد بن عيسى ابن الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومعاوية بن عمرو الأزدي، وطائفة. وقال: دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشر. وسمع بالبصرة من: أبي عاصم النبيل، وبدل بن المحبر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي، وعمرو بن عاصم الكلابي، وعبد الله بن رجاء الغداني، وطبقتهم. وبالكوفة من: عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وطلق بن غنام، والحسن بن عطية وهما أقدم شيوخه موتًا؛ وخلاد بن يحيى، وخالد بن مخلد، وفروة بن أبي المغراء، وقبيصة، وطبقتهم. وبمكة من: أبي عبد الرحمن المقرئ، والحميدي، وأحمد بن محمد الأزرقي، وجماعة. وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسي، ومطرف بن عبد الله، وأبي ثابت محمد بن عبيد الله، وطائفة. وبواسط من: عمرو بن عون، وغيره. وبمصر من: سعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن صالح الكاتب، وسعيد بن تليد، وعمرو بن الربيع بن طارق، وطبقتهم، وبدمشق من أبي مسهر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النضر الفراديسي، وجماعة. وبقيسارية من: محمد بن يوسف الفريابي. وبعسقلان: من آدم بن أبي إياس. وبحمص من: أبي المغيرة، وأبي اليمان، وعلي بن عياش، وأحمد بن خالد الوهبي، ويحيى الوحاظي. وذكر أنه سمع من ألف نفس. وقد خرج عنهم مشيخة وحدث بها، لم نرها. وحدث بالحجاز، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر. وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة. روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم قديمًا. وروى عنه من أصحاب الكتب: الترمذي، والنسائي، على نزاع في النسائي، والأصح أنه لم يرو عنه شيئًا. وروى عنه: مسلم في غير الصحيح، ومحمد بن نصر المروزي الفقيه، وصالح بن محمد جزرة الحافظ، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومطين، وأبوالعباس السراج، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو قريش محمد بن جمعة، ويحيى بن محمد بن صاعد، وإبراهيم بن معقل النسفي، ومهيب بن سليم، وسهل بن شاذويه، ومحمد بن يوسف الفربري، ومحمد بن أحمد بن دلويه، وعبد الله بن محمد الأشقر، ومحمد ابن هارون الحضرمي، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وأبو علي الحسن بن محمد الداركي، وأحمد بن حمدون الأعمشي، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمود بن عنبر النسفي، ومطين (¬١)، وجعفر بن محمد بن الحسن الجروي، وأبو حامد بن الشرقي، وأخوه أبو محمد عبد الله، ومحمد بن سليمان بن فارس، ومحمد بن المسيب الأرغياني، ومحمد بن هارون الروياني، وخلق. وآخر من روى عنه الجامع الصحيح: منصور بن محمد البزدوي المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وآخر من زعم أنه سمع من البخاري موتًا أبو ظهير عبد الله بن فارس البلخي المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مائة. وآخر من روى حديثه عاليًا: خطيب الموصل في الدعاء للمحاملي؛ بينه وبينه ثلاثة رجال. وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى. وهو أعلى شيء في وقتنا إسنادًا للناس. ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه، فكيف اليوم؟ فلو رحل الشخص لسماعه من مسيرة ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. وأنا أدري أن طائفة من الكبار يستقلون عقلي في هذا القول، ولكن: ما يعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها ومن جهل شيئًا عاداه، ولا قوة إلا بالله. فصل نقل ابن عدي (¬٢) وغيره أن مغيرة بن بردزبه المجوسي جد البخاري أسلم على يد والي بخارى يمان الجعفي جد المحدث عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجعفي المسندي. فولاؤه للجعفيين بهذا الاعتبار. وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: أخرج أبو عبد الله ولده بخطأبيه بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. وقال ابن عدي (¬١): سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول: رأيت البخاري شيخًا نحيفًا، ليس بالطويل ولا بالقصير. عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. وقال أحمد بن الفضل البلخي: ذهبت عينا محمد في صغره، فرأت أمه إبراهيم ﵇، فقال: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك أو دعائك. فأصبح وقد رد الله عليه بصره. وعن جبريل بن ميكائيل: سمعت البخاري يقول: لما بلغت خراسان أصبت ببصري، فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي، ففعلت، فرد الله علي بصري. رواها غنجار في تاريخه (¬٢). وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق: قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ قال: ألهمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل. وخرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل. فدخل ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت. فقال للبخاري بعض أصحابه: ابن كم كنت؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء. ثم خرجت مع أبي وأخي أحمد إلى مكة. فلما حججت رجع أخي بها وتخلفت في طلب الحديث. فلما طعنت في ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى. وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة. وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة. إلا أني كرهت تطويل الكتاب. وقال عمرو بن حفص الأشقر: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أيامًا، ثم وجدناه في بيت وهو عريان وقد نفذ ما عنده. فجمعنا له الدراهم وكسوناه.وقال عبد الرحمن بن محمد البخاري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لقيت أكثر من ألف رجل، أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخراسان، إلى أن قال: فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بغداد ثمان مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟! فأنا الآن أذكر قول أحمد. وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة. وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام، فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام. فكنا نقول له، فقال: إنكما قد أكثرتما علي، فاعرضا علي ما كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد. قالا: فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابا لم يخرج وجهه. وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعت سليم بن مجاهد يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث. قال: فخرجت في طلبه فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم. ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. قال غنجار: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقرئ، قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف البيكندي قال: سمعت علي بن الحسين بن عاصم البيكندي يقول: قدم علينا محمد بن إسماعيل، فاجتمعنا عنده، فقال بعضنا: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي.فقال محمد: أوتعجب من هذا؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه. قال: وإنما عنى به نفسه. وقال ابن عدي (¬١): حدثني محمد بن أحمد القومسي، قال: سمعت محمد بن خمرويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح (¬٢)، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري. وقال ابن عدي: سمعت عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد فاجتمع أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس. فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فقال، وسأله عن حديث من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز. ثم انتدب آخر ففعل كفعل الأول، والبخاري يقول: لا أعرفه. إلى أن فرغ العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول، فقال: أما حديثك الأول فإسناده كذا وكذا، والثاني كذا وكذا، والثالث … إلى آخر العشرة. فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالثاني مثل ذلك إلى أن فرغ، فأقر له الناس بالحفظ. وقال يوسف بن موسى المروروذي: كنت بجامع البصرة إذ سمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري. فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًا يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم. فلما كان من الغد اجتمع كذا كذا ألف، فجلس للإملاء، وقال: يا أهل البصرة أنا شاب، وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد بلديكم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس أن أعرابيًاقال: يا رسول الله الرجل يحب القوم … الحديث. ثم قال: هذا ليس عندكم، إنما عندكم عن غير منصور. وأملى مجلسًا على هذا النسق. قال يوسف: وكان دخولي البصرة أيام محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب. وقال محمد بن حمدون بن رستم: سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله. وقال الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال إسحاق بن أحمد الفارسي: سمعت أبا حاتم يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله الدارمي أثبتهم. وعن أحمد بن حنبل قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان: أبو زرعة، ومحمد بن إسماعيل، والدارمي، والحسن بن شجاع البلخي. وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه. ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن لرجوت أن أكون صادقًا. قرأت على عمر ابن القواس: أخبركم أبو القاسم بن الحرستاني حضورًا، قال: أخبرنا جمال الإسلام، قال: أخبرنا ابن طلاب، قال أخبرنا ابن جميع، قال: حدثني أحمد بن محمد بن آدم، قال: حدثني محمد بن يوسف البخاري قال: كنت عند محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة، فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة. وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا. فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارًا ويسرج، ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها، ثم يضع رأسه. وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة. وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا ولا توقظني! قال: أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك. وقال الفربري: قال لي محمد بن إسماعيل، ما وضعت في الصحيححديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (¬١). وقال إبراهيم بن معقل: سمعته يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال رجل: لو جمعتم كتابًا مختصرًا للسنن. فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب. وعن البخاري، قال: أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته ست عشرة سنة. وجعلته حجة فيما بيني وبين الله. رويت من وجهين ثابتين، عن. وقال إبراهيم بن معقل: سمعته يقول: ما أدخلت في الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لأجل الطول. وقال محمد بن أبي حاتم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ جميع ما في المصنف؟ قال: لا يخفى علي جميع ما فيه، ولو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كتاب التاريخ ولا عرفوه. ثم قال: صنفته ثلاث مرات. وقد أخذه ابن راهويه فأدخله على عبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأمير ألا أريك سحرًا. فنظر فيه عبد الله، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه. وقال الفربري: حدثني نجم بن الفضل، وكان من أهل الفهم، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم خرج من قرية ومحمد بن إسماعيل خلفه، فإذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على قدمه ويتبع أثره. وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم في الحديث من أحمد وإسحاق بعشرين درجة، ومن قال: فيه شيء، فمني عليه ألف لعنة. ولو دخل من هذا الباب لملئت منه رعبًا. وقال أبو عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلما قام من عنده، قال: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى: استجيب له فيه. وقال جعفر بن محمد المستغفري في تاريخ نسف، وذكر البخاري: لو جاز لي لفضلته على من لقي من مشايخه، ولقلت: ما رأى بعينه مثل نفسه. دخل نسف سنة ست وخمسين وحدث بها بجامعه الصحيح، وخرج إلىسمرقند لعشر بقين من رمضان، ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر. وقال الحاكم: أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام. قال محمد بن أبي حاتم: بلغني أن أبا عبد الله شرب البلاذر للحفظ، فقلت له: هل من دواء يشربه الرجل للحفظ؟ فقال: لا أعلم. ثم أقبل علي وقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر. وذلك أني كنت بنيسابور مقيمًا، فكان يرد إلي من بخارى كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن في الكتب، فكنت أكتب إلى بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامي، فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي، ولم أقرئهن سلامي. وما أقل ما يذهب عني في العلم. يعني: ما أقل ما يذهب عنه من العلم لمداومة النظر والاشتغال، وهذه قراباته قد نسي أسماءهن. وغالب الناس بخلاف ذلك؛ فتراهم يحفظون أسماء أقاربهم ومعارفهم ولا يحفظون إلا اليسير من العلم. قال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: لم تكن كتابتي للحديث كما يكتب هؤلاء. كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وعلة الحديث إن كان فهمًا، فإن لم يكن فهمًا سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته. فأما الآخرون فإنهم لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون. وسمعت العباس الدوري يقول: ما رأيت أحدًا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل. كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إلا قلعه. ثم قال لنا عباس: لا تدعوا شيئًا من كلامه إلا كتبتموه. سمعت إبراهيم الخواص مستملي صدقة يقول: رأيت أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث. فصل: في ذكائه وسعة علمه قال جعفر بن محمد القطان إمام كرمينية فيما رواه عنه مهيب بن سليم أنه سمع محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده. وقال محمد بن أبي حاتم: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة فقال: ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب عبد الله بن المباركخمسة أو نحوه، وفي كتابي هذا خمس مائة حديث أو أكثر. وسمعت أبا عبد الله يقول: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به. قال محمد بن أبي حاتم: سمعت سليم بن مجاهد يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مائة مما يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن. وقد ذكرت حكاية البغداديين في مثل هذا. وقال الفربري: سمعت أبا عبد الله يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني، وربما كنت أغرب عليه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة. وسمعته يقول: ما كتبت حكاية قط كنت أتحفظها. وسمعته يقول: لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة. فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله؟ قال: نعم. وسمعته يقول: كنت في مجلس الفريابي، فقال: حدثنا سفيان، عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد. فلم يعرف أحد في المجلس أبا عروة، ولا أبا الخطاب. قال: أما أبو عروة فمعمر، وأبو الخطاب قتادة. قال: وكان الثوري فعولًا، لهذا يكني المشهورين. قال محمد بن أبي حاتم: قدم رجاء الحافظ فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حيث بلغك، وفي أي شيء نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولم أستعد لذلك، فإن أحببت أن تسأل عن شيء فافعل. فجعل يناظره في أشياء فبقي رجاء لا يدري، ثم قال له أبو عبد الله: هل لك في الزيادة؟ فقال استحياء وخجلًا منه: نعم. قال: سل إن شئت. فأخذ في أسامي أيوب، فعد نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكت، فظن رجاء أن قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله فاتك خير كثير. فزيف أبو عبد الله في أولئك سبعة، وأغرب عليه نحوأكثر من ستين رجلًا. ثم قال له رجاء: كم رويت في العمامة السوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: نروي نحوًا من أربعين حديثًا. فخجل رجاء ويبس ريقه. وسمعت أبا عبد الله يقول: دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ. وقال ابن أبي حاتم وراق أبي عبد الله: قال أبو عبد الله: سئل إسحاق بن إبراهيم عمن طلق ناسيًا، فسكت. فقلت: قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم (¬١). وإنما يراد مباشرة هذه الثلاث: العمل والقلب، أو الكلام والقلب، وهذا لم يعتقد بقلبه. فقال إسحاق: قويتني. وأفتى به. قال: وسمعت أبا عبد الله البخاري يقول: ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في عامة كتب الرأي، وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثًا صحيحًا إلا كتبته، إلا ما لم يظهر لي. وسمعت بعض أصحابي يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندي، فدخل محمد بن إسماعيل، فلما خرج قال محمد بن سلام: كلما دخل علي هذا الصبي تحيرت والتبس علي أمر الحديث، ولا أزال خائفًا ما لم يخرج. فصل: في ثناء الأئمة على البخاري قلت: فارق البخاري بخارى وله خمس عشرة سنة، ولم يره محمد بن سلام بعد ذلك، فقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث. فخرجت حتى لحقته فقلت: أنت تحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم أو أكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب أو سنة (¬٢).وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت يحيى بن جعفر البيكندي يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت؛ فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم. وسمعته يقول لمحمد بن إسماعيل: لولا أنت ما استطبت العيش ببخارى. وسمعت محمد بن يوسف يقول: كنت عند أبي رجاء، يعني قتيبة، فسئل عن طلاق السكران فقال: هذا أحمد بن حنبل، وابن المديني، وابن راهويه قد ساقهم الله إليك. وأشار إلى محمد بن إسماعيل. وكان مذهب محمد أنه إذا كان مغلوب العقل لا يذكر ما يحدث في سكره أنه لا يجوز عليه من أمره شيء. وسمعت عبد الله بن سعيد يقول: لما مات أحمد بن حرب النيسابوري ركب محمد وإسحاق يشيعان جنازته، فكنت أسمع أهل المعرفة بنيسابور ينظرون ويقولون: محمد أفقه من إسحاق. سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول: سمعت عبدان يقول: ما رأيت بعيني شابًا أبصر من هذا. وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل. سمعت صالح بن مسمار يقول: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف: سمعت أحمد بن عبد السلام يقول: ذكرنا قول البخاري لعلي ابن المديني، يعني: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي ابن المديني، فقال علي: دعوا هذا فإن محمد بن إسماعيل لم ير مثل نفسه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسروا بذلك وأخبروا عمرًا. فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. قال: وسمعت حاشد بن عبد الله يقول: قال لي أبو مصعب الزهري: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من أحمد بن حنبل. فقيل له: جاوزت الحد. فقال للرجل: لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث. وسمعت علي بن حجر يقول: أخرجت خراسان ثلاثة: أبو زرعة،ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم. وقال أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت محمد بن بشار يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل. وروي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة فقدم محمد بن إسماعيل فقال بندار: اليوم دخل سيد الفقهاء. وقال أيضا: سمعت يعقوب الدورقي يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وجاء من غير وجه عن عبد الله الدارمي، قال: محمد بن إسماعيل أبصر مني. وقال حاشد بن إسماعيل الحافظ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل. وقال مسبح بن سعيد البخاري: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: قد رأيت العلماء بالحجاز والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل (¬١). وقال محمد بن حمدون الأعمشي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله. وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل (¬٢).وقال صالح بن محمد جزرة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وقال إسحاق بن زبرك: سمعت أبا حاتم في سنة سبع وأربعين ومائتين يقول: يقدم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه. ولا قدم العراق أعلم منه. فقدم علينا البخاري. وقال أبو بكر الخطيب (¬١): سئل العباس بن الفضل الرازي الصائغ: أيهما أحفظ، أبو زرعة أو البخاري؟ فقال: لقيت البخاري بين حلوان وبغداد، فرحلت معه مرحلة وجهدت أن أجيء بحديث لا يعرفه فما أمكن، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعري. وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجة. ومن قال فيه شيئًا فمني عليه ألف لعنة (¬٢). ثم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي العالم الذي لم أر مثله. وقال عبد الله بن حماد الآملي: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرجالة. وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: عبد الله ابن الديلمي أبو بسر، وقال البخاري ومسلم فيه: أبو بشر بشين معجمة. قال الحاكم: وكلاهما أخطأ، في علمي إنما هو أبو بسر، وخليق أن يكون محمد بن إسماعيل مع جلالته ومعرفته بالحديث اشتبه عليه، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه على زلته. ومن تأمل كتاب مسلم في الأسماء والكنى علم أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل حذو القذة بالقذة، حتى لا يزيد عليه فيه إلا ما يسهل عده. وتجلد في نقله حق الجلادة، إذ لم ينسبه إلى قائله. وكتاب محمد بن إسماعيل في التاريخ كتاب لم يسبق إليه. ومن ألف بعده شيئا من التاريخ أو الأسماء والكنى لم يستغنعنه، فمنهم من نسبه إلى نفسه مثل أبي زرعة، وأبي حاتم، ومسلم. ومنهم من حكاه عنه. فالله يرحمه، فإنه الذي أصل الأصول. وذكر الحكم أبو أحمد كلامًا سوى هذا. فصل: في ديانته وصلاحه قال مسبح بن سعيد: كان البخاري يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاثة ليال بختمة. وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا. قلت: يشهد لهذه المقالة كلامه، ﵀، في التجريح والتضعيف، فإنه أبلغ منا. يقول في الرجل المتروك أو الساقط: فيه نظر أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلان كذاب، ولا فلان يضع الحديث. وهذا من شدة ورعه. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. قال: وكان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت: أراك تحمل على نفسك فلو توقظني. قال: أنت شاب، ولا أحب أن أفسد عليك نومك (¬١). وقال غنجار: سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد المقرئ يقول: سمعت بكر بن منير يقول: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: انظروا أيش آذاني. وقال محمد بن أبي حاتم: دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان، فلما صلى بهم الظهر قام يتطوع. فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه وقال لبعض من معه: انظر هل ترى تحت القميص شيئًا؟ فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها. وقال محمد بن أبي حاتم: رأيت أبا عبد الله استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير وأتعب نفسه يومئذ، فقلت له: إني أراكتقول إني ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت، فما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: أتعبنا أنفسنا اليوم، وهذا ثغر من الثغور، وخشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإن غافصنا (¬١) العدو كان منا حراك. وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أعلمني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، فكان يصيب الهدف في كل ذلك. وكان لا يسبق. وسمعته يقول: ما أكلت كراثًا قط ولا القنابرى (¬٢). قلت: ولم ذاك؟ قال: كرهت أن أؤذي من معي من نتنهما. قلت: فكذلك البصل النيء؟ قال: نعم. وسمعته يقول: ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه. وقال له بعض أصحابه: يقولون: إنك تناولت فلانًا. قال: سبحان الله، ما ذكرت أحدًا بسوء، إلا أن أقول ساهيًا. قال: وكان لأبي عبد الله غريم قطع عليه مالا كثيرًا. فبلغه أنه قدم آمل ونحن عنده بفربر، فقلنا له: ينبغي أن تعبر وتأخذه بمالك. فقال: ليس لنا أن نروعه. ثم بلغ غريمه فخرج إلى خوارزم، فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني عامل آمل ليكتب إلى خوارزم في أخذه. فقال: إن أخذت منهم كتابًا طمعوا مني في كتاب ولست أبيع ديني بدنياي. فجهدنا، فلم يأخذ حتى كلمنا السلطان عن غير أمره، فكتب إلى والي خوارزم. فلما بلغ أبا عبد الله ذلك وجد وجدًا شديدًا، وقال: لا تكونوا أشفق علي من نفسي. وكتب كتابًا وأردف تلك الكتب بكتب. وكتب إلى بعض أصحابه بخوارزم أن لا يتعرض لغريمه، فرجع غريمه، وقصد ناحية مرو، فاجتمع التجار، وأخبر السلطان، فأراد التشديد على الغريم، فكره ذلك أبو عبد الله فصالح غريمه على أن يعطيه كل سنة عشرة دراهم شيئًا يسيرًا. وكان المال خمسة وعشرين ألفًا. ولم يصل من ذلك المال إلى درهم، ولا إلى أكثر منه. وسمعت أبا عبد الله يقول: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه. قلت: فمن يتولى أمرك في أسفارك؟ قال: كنت أكفى ذلك. وقال لي يومًا بفربر: بلغني أن نخاسًا قدم بجَوارٍ، فتصير معي؟ قلت:نعم. فصرنا إليه، فأخرج جواري حسانًا صباحًا، ثم أخرج من خلالهن جارية خزرية دميمة، فمس ذقنها وقال: اشتر لنا هذه. فقلت: هذه دميمة قبيحة لا تصلح. واللاتي نظرنا إليهن يمكن شراءهن بثمن هذه. فقال: اشترها، فإني مسست ذقنها، ولا أحب أن أمس جارية، ثم لا أشتريها. فاشتراها بغلاء خمسمائة درهم على ما قال أهل المعرفة. ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إلى نيسابور. وروى بكر بن منير، وابن أبي حاتم، واللفظ لبكر، قال: حمل إلى البخاري بضاعة أنفذها إليه ابنه أحمد. فاجتمع به بعض التجار وطلبوها بربح خمسة آلاف درهم. فقال: ارجعوا الليلة. فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوها منه بربح عشرة آلاف درهم، فقال: إني نويت البارحة بيعها للذين أتوا البارحة. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبينت ذلك أيها الشيخ من نفسك أو جربت؟ قال: نعم، دعوت ربي ﷿ مرتين، فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي أو يعجل لي في الدنيا. ثم قال: ما حاجة المسلم إلى البخل والكذب؟ وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدًا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك. وسمعت سليم بن مجاهد يقول: ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه ولا أورع ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل. فصل: في صفته وكرمه قال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير (¬١). وقال محمد بن أبي حاتم: دخل أبو عبد الله الحمام بفربر، وكنت أنا في مشلح الحمام أتعاهد ثيابه. فلما خرج ناولته ثيابه فلبسها، ثم ناولته الخف،فقال: مسست شيئًا فيه شعر النبي ﷺ. فقلت: في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني، فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة. وكانت لأبي عبد الله قطعة أرض يكريها كل سنة بسبع مائة درهم. وكان ذلك المكتري ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين، لأنه كان معجبًا بالقثاء النضيج، وكان يؤثره على البطيخ أحيانًا؛ فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانًا. وسمعته يقول: كنت أستغل كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقت كل ذلك في طلب العلم. فقلت: كم بين مثل من ينفق على هذا الوجه، وبين من كان خلوًا من المال، فجمع وكسب من العلم (¬١). وكنا بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطًا مما يلي بخارى. فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك. وكان ينقل اللبن، فكنت أقول له: إنك تكفى. فيقول: هذا الذي ينفعنا. ثم أخذنا ننقل الزنبرات (¬٢) معه، وكان ذبح لهم بقرة، فلما أدركت القدور دعا الناس إلى الطعام، وكان بها مائة نفس أو أكثر، ولم يكن علم أنه اجتمع ما اجتمع. وكنا أخرجنا معه من فربر خبزًا بثلاثة دراهم أو أقل، فألقينا بين أيديهم، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفة صالحة. وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء بدرهم. وقال لي مرة: أحتاج في السنة إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم. وكان يتصدق بالكثير. يناول الفقير من أصحاب الحديث ما بين العشرين إلى الثلاثين، وأقل وأكثر، من غير أن يشعر بذلك أحد. وكان لا يفارقه كيسه. ورأيته ناول رجلًا صرة فيها ثلاثمائة درهم. وكنت اشتريت منزلًا بتسع مائة وعشرين درهمًا. فقال لي: ينبغي أن تصير إلى نوح الصيرفي وتأخذ منه ألف درهم وتحضرها. ففعلت، فقال: خذها فاصرفها في ثمن البيت. فقلت: قد قبلت منك. وشكرته. وأقبلنا على الكتابة. وكنا في تصنيف الجامع. فلما كان بعد ساعة، قلت: عرضت لي حاجة لا أجترئ رفعها إليك. فظن أني طمعت في الزيادة، فقال: لا تحتشمني وأخبرني بما تحتاج، فإني أخاف أن أكون مأخوذًا بسببك. قلت له: كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ آخى بين أصحابه،فذكر حديث سعد وعبد الرحمن. فقلت له: قد جعلتك في حل من كل ما تقول، ووهبتك المال الذي عرضته علي، عنيت المناصفة، وذلك أنه قال: لي جوار وامرأة، وأنت عزب، فالذي يجب علي أن أناصفك لنستوي في المال وغيره، وأربح عليك في ذلك. فقلت له: قد فعلت، رحمك الله، أكثر من ذلك، إذ أنزلتني من نفسك ما لم تنزل أحدًا، وحللت منك محل الولد. ثم حفظ علي حديثي الأول، وقال: ما حاجتك؟ قلت: تقضيها؟ قال: نعم، وأسر بذلك. قلت: هذه الألف تأمر بقبوله وتصرفه في بعض ما تحتاج إليه فقبله، وذلك أنه ضمن إجابة قضاء حاجتي. ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف الجامع وكتبنا منه ذلك اليوم شيئًا كثيرًا إلى الظهر. ثم صلينا الظهر، وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئًا. فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش، فتوهم في ملالًا؛ وإنما كان بي الحصر، غير أني لم أكن أقدر على القيام، وكنت أتلوى اهتمامًا بالحصر. فدخل أبو عبد الله المنزل، وأخرج إلي كاغدة فيها ثلاثمائة درهم، وقال: أما إذ لم تقبل ثمن المنزل فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك. فجهد بي، فلم أقبل، ثم كان بعد أيام، كتبنا إلى الظهر أيضًا، فناولني عشرين درهمًا وقال: اصرفها في شري الحصر. فاشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه، وبعثت ب إليه، وأتيت فقال: بيض الله وجهك ليس فيك حيلة. فلا ينبغي لنا أن نعني أنفسنا. فقلت: إنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة فأي رجل يبر خادمه بما تبرني!. قصته مع الذهلي قال الحسن بن محمد بن جابر: قال لنا محمد بن يحيى الذهلي لما ورد البخاري نيسابور: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس الذهلي، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه. وقال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمعوا عليه، حسده بعض المشايخ، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه. فلما حضر الناس قام إليه رجل وقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه ولم يجبه. فأعادالسؤال، فأعرض عنه: ثم أعاد، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة. فشغب الرجل وشغب الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله. قال محمد بن يوسف الفربري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أما أفعال العباد فمخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ: إن الله يصنع كل صانع وصنعته (¬١). وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. فأما القرآن المتلو المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق. قال الله تعالى: ﴿هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وقال: يقال فلان حسن القراءة ورديء القراءة. ولا يقال: حسن القرآن، ولا رديء القرآن، وإنما ينسب إلى العباد القراءة؛ لأن القرآن كلام الرب، والقراءة فعل العبد. وليس لأحد أن يشرع في أمر الله بغير علم، كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا وألفاظنا به شيء واحد. والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء. فقيل له: إن التلاوة فعل القارئ وعمل التالي. فرجع وقال: ظننتهما مصدرين. فقيل له: هلا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك؟ ولو بعثت إلى من كتب عنك واسترددت ما أثبت وضربت عليه. فزعم أن كيف يمكن هذا؟ وقال: قلت ومضى قولي. فقيل له: كيف جاز لك أن تقول في الله شيئًا لا تقوم به شرحًا وبيانًا؟ إذ لم تميز بين التلاوة والمتلو. فسكت إذ لم يكن عنده جواب. وقال أبو حامد الأعمشي: رأيت البخاري في جنازة سعيد بن مروان، والذهلي يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، ويمر فيه البخاري مثل السهم،فما أتى على هذا شهر حتى قال الذهلي: ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يأتنا. فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ، ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه. فأقام البخاري مدة وخرج إلى بخارى. قال أبو حامد ابن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته وحيث تصرف. فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ. ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وبانت منه امرأته. يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وجعل ماله فيئًا. ومن وقف فقد ضاهى الكفر. ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم. ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. وقال الفربري: سمعت البخاري يقول: إني لأستجهل من لا يكفر الجهمية. قال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، قال: سمعت محمد بن شاذك يقول: دخلت على البخاري فقلت: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد. فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء. فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة. رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. عنى مسألة اللفظ. وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف: كنا يومًا عند أبي إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول. قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت البخاري فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله ههنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور، وقومس، والري، وهمذان، وبغداد، والكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، أني قد قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور مافعلوا به. استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا فليستقبله. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فقال لنا الذهلي: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل حروري، وكل رافضي وكل جهمي، وكل مرجئ بخراسان. قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا. فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقال بعضهم: لم يقل. حتى تواثبوا، فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم. وكان قد نزل في دار البخاريين. وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول، خصوصًا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة. وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير. يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال: فأخبرت أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره. وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه، فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع ونادى عليه ومنع الناس عنه انقطع أكثرهم غير مسلم. فقال الذهلي يومًا: ألا من قال بالفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس. وبعث إلى الذهلي بما كتب عنه على ظهر حمال. وتبعه في القيام أحمد بن سلمة. قال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبد الله، فقال: إن فلانًا يكفرك فقال: قال النبي ﷺ: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما (¬١).وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل (¬١): قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه: أبي، وأبو زرعة؛ وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. وقال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: سمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم البخاري بخارى نصب له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبقي أيامًا، فكتب محمد بن يحيى الذهلي إلى أمير بخارى خالد بن أحمد: إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى، فقالوا: لا نفارقه. فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج. قال أحمد بن منصور: فحدثني بعض أصحابنا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: رأيت محمد بن إسماعيل في اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فقلت: يا أبا عبد الله كيف ترى هذا اليوم من يوم دخولك؟ فقال: لا أبالي إذا سلم ديني. فخرج إلى بيكند، فسار الناس معه حزبين: حزب له وحزب عليه، إلى أن كتب إليه أهل سمرقند، فسألوه أن يقدم عليهم، فقدم إلى أن وصل بعض قرى سمرقند، فوقع بين أهل سمرقند فتنة بسببه. قوم يريدون إدخاله البلد، وقوم يأبون، إلى أن اتفقوا على دخوله. فاتصل به ما وقع بينهم، فخرج يريد أن يركب، فلما استوى على دابته، قال: اللهم خر لي، ثلاثًا، فسقط ميتًا. وحضره أهل سمرقند بأجمعهم. هذه حكاية منقطعة شاذة. وقال بكر بن منير بن خليد البخاري: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي متولي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب الجامع، والتاريخ، وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت له إلى شيء منه حاجة فليحضر في مسجدي أو في داري. وإن لم يعجبه هذا فإنه سلطان، فليمنعني من الجلوس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم. فكان هذا سبب الوحشة بينهما. وقال أبو بكر بن أبي عمرو البخاري: كان سبب منافرة البخاري أن خالدابن أحمد خليفة الطاهرية ببخارى سأله أن يحضر منزله فيقرأ الجامع، والتاريخ على أولاده، فامتنع، فراسله بأن يعقد مجلسًا خاصًا لهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدًا. فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد، فدعا عليهم. فلم يأت إلا شهر حتى ورد أمر الطاهرية بأن ينادى على خالد في البلد. فنودي عليه على أتان، وأما حريث فابتلي بأهله، ورأى فيها ما يجل عن الوصف، وأما فلان فابتلي بأولاده. رواها الحاكم عن محمد بن العباس الضبي عن أبي بكر هذا. قلت: كان حريث من كبار فقهاء الرأي ببخارى. قال محمد بن واصل البيكندي: من الله علينا بخروج أبي عبد الله ومقامه عندنا حتى سمعنا منه هذه الكتب، وإلا من كان يصل إليه؟ وبمقامه في فربر وبيكند بقيت هذه الآثار وتخرج الناس به. قال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: جاء البخاري إلى قرية خرتنك على فرسخين من سمرقند، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك. فما تم الشهر حتى مات، وقبره بخرتنك. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله، يقول: أقام أبو عبد الله عندنا أيامًا فمرض، واشتد به المرض حتى وجه رسولًا إلى سمرقند في إخراج محمد. فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده، ورجل آخر معي يقود الدابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت. فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضى ﵀، فسال منه من العرق شيء لا يوصف. فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن: كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة. ففعلنا ذلك. فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام ذلك أيامًا. ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون. وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر، حتى ظهر القبر، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس، وغلبنا على أنفسنا، فنصبنا على القبر خشبًا مشبكًا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر. وأما ريح الطيب فإنه تداوم أيامًا كثيرة، حتى تحدث أهل البلدة وتعجبوا من ذلك. وظهرعند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره، وأظهروا التوبة والندامة. قال محمد: ولم يعش غالب بعده إلا القليل ودفن إلى جانبه. وقال خلف الخيام: سمعت مهيب بن سليم يقول: مات عندنا أبو عبد الله ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين، وكان في بيت وحده. فوجدناه لما أصبح وهو ميت. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا ذر يقول: رأيت في المنام محمد بن حاتم الخلقاني، فسألته، وأنا أعرف أنه ميت، عن شيخي: هل رأيته؟ قال: نعم، رأيته. ثم سألته عن محمد بن إسماعيل البخاري فقال: رأيته. وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير. وقال أبو علي الغساني الحافظ (¬١): حدثنا أبو الفتح نصر بن الحسن التنكتي السمرقندي؛ قدم علينا بلنسية عام أربعة وستين وأربعمائة قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يسقوا، فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ونستسقي عنده، فعسى الله أن يسقينا. فقال القاضي: نعم ما رأيت. فخرج القاضي والناس معه، واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته. وبين سمرقند وخرتنك نحو ثلاثة أميال. ومناقب أبي عبد الله ﵁ كثيرة، وقد أفردتها في مصنف وفيها زيادات كثيرة هناك، والله أعلم. ٤١٠ - ت ق:

عبد الغني المقدسي - الكمال في أسماء الرجال

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 613, entry [941]9,610 chars
    [٧٨٨] محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدَزْبة، يُكني أبا عبد الله وبَرْدَزْبة مَجُوسي (¬٣). مات عليها، والمغيرة أَسْلَم على يدي يمان البُخَاري والي بخاري، ويمان هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان المُسْنَدي البُخَاري، وقيل: المغيرة بن الأحنف.وهذا هو الإِمام أبو عبد الله الجعفي م…
    ▸ expand full passage (9,610 chars)
    [٧٨٨] محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدَزْبة، يُكني أبا عبد الله وبَرْدَزْبة مَجُوسي (¬٣). مات عليها، والمغيرة أَسْلَم على يدي يمان البُخَاري والي بخاري، ويمان هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان المُسْنَدي البُخَاري، وقيل: المغيرة بن الأحنف.وهذا هو الإِمام أبو عبد الله الجعفي مولاهم البُخَاري صاحب "الصحيح"، إمام هذا الشأن والمُقْتَدَي به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام. رَحَلَ في طلب الحديث (¬١) إلى سائر مُحَدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، ومدن العراق كُلِّها، وبالحجاز، والشام، ومصر، وسمع: أبا السَّكَن مَكِّي بن إبراهيم البَلْخِي، وعَبْدان بن عثمان المَرْوَزِيّ، وعُبيد الله بن موسى العَبْسي، وشُريح بن النُّعْمَان الجَوْهَرِيّ، ومحمد بن كثير العَبْدِيّ، ومحمد بن عبد الله الأَنْصَاريّ، ومحمد بن يوسف الفِرْيَابي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المُثَنَّى، وأبا حُذيفة موسي بن مسعود النَّهْديِّ، وأبا عاصم النَّبِيل، وأبا نُعَيْم الفَضْل بن دُكين، وأبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المُقْري، وأبا سَلَمَة موسي بن إسماعيل التَّبُوذَكي، وأبا غَسَّان النَّهْدي، وأبا الوليد هشام بن عبد الملك الطَّيَالِسِيّ، وأبا مَعْمَر المِنْقَريَّ، وأبا بكر عبد الله بن الزُّبَيْر الحُمَيْديَّ، وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجَّاج الحِمْصِيّ، وإسماعيل بن أَبَان الوَرَّاق، وخالد ابن مَخْلَد القطواني، وقَبيصة بن عُقْبَة السُّوائي، وسُلَيْمَان بن حَرْب الوَاشِحي، وعفَّان بن مسلم، وعَارِم بن الفَضْل، وأحمد بن محمد الأَزْرَقي، وآدم بن أبي إياس العَسْقَلَانِيّ، وسعيد بن كَثير بن عُفير، وسعيد ابن الحكم بن أبي مريم، ويحيى بن بُكَيْر المَخْزُومِيّ المصريين، وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسيِّ، وعبد العزيز بن عبد الله الأُويسيِّ، وأبا اليمانالحكم بن نافع الحِمْصِيّ، وهشام بن عمَّار، وأبا النَّضْر إسحاق بن إبراهيم الفَرَاديسي، وسُلَيْمَان بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْمًا، ومحمد بن وَهْب بن عطيَّة الدِّمَشْقِيّين، وحَجَّاج بن المِنْهال، وإسماعيل بن أبي أُويس، وعلي بن المَدِيني، وأحمد بن حَنْبَل، ويحيي بن مَعِين، وإبراهيم بن حمزة الزُّبَيْرِيِّ، وأيوب بن سُلَيْمَان بن بلال، وأبا ثابت محمد بن عبيد الله المَدِيني، ومُطَرِّف بن عبد الله اليساري، وخلقًا سواهم. روى عنه: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفِرَبْرِيُّ راوية "الجامع"، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحَرْبِيُّ البَغْدَادِيّ الإِمام، وصالح بن محمد الأَسدِي البَغْدَادِيّ المعروف بجَزَرَة، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة أمام الأئمة، والحسين بن محمد بن زياد القَبَّاني، وعبد الله بن محمد بن ناجية البَغْدَادِيّ، وقاسم بن زكريا المُطَرِّز، ومحمد ابن محمد بن سُلَيْمَان الباغنديُّ، ويحيى بن محمد بن صَاعِد، ومحمد بن هارون الحَضْرَمِي، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج، وأبو عيسي التِّرْمِذِيّ، وأبو عبد الرحمن النَّسَائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وعبيد الله بن واصل البُخَاري، ومحمد بن نصر المَرْوَزِيُّ، ومحمد بن عبد الله الحَضْرَمِي مُطين، والحسين بن محمد بن حاتم المعروف بعبيد العِجْل، وأبو يحيى زكريا بن يحيى البزَّاز، وأبو العبَّاس أحمد بن محمد ابن الأَزْهَر الأَزْهَرِيُّ، وأبو حامد أحمد بن محمد بن عمَّار الأعمشي (¬١)،وأبو قريش محمد بن جمعة، ومحمد بن واصل البِيْكَنْديُّ، ومحمد بن إبراهيم بن شُعَيْب، ومحمد بن سَهْل المقري الفَسَويُّ، وأبو هارون سهل ابن شاذويه، وأحمد بن نصر الخَفَّاف، وأحمد بن سهل بن مالك، ومحمود ابن عَنْبَر بن يَغْنُم بن حَبِيب النَّسَفي، وأبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِيُّ، وأبو حسَّان مَهيب بن سُلَيْم بن مجاهد بن يَعِيش، وغيرهم. أخبرنا أبو طاهر السِّلَفِي بالإسكندرية، وأبو الفتح محمد بن عبد الباقي ابن سُلَيْمَان ببغداد قالا: أنبأ أبو بكر أحمد بن الحسين بن زكريا الطُّرَيثيثي، أنبأ أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطَّبَرِيّ الحافظ، أنبأ أحمد ابن محمد بن حفص الهَرَوي، ثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سَلَمَة (¬١)، ثنا خَلَف بن محمد قال: سمعت الحسين بن محمد بن الحسن بن الوضَّاح، ومَكِّي بن خَلَف بن عثمان قالا: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألف نفرٍ من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلَّا عمن قال: الإِيمان قول وعمل. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمزة بن محمد القُرَشِيّ الدِّمَشْقِيّ بها، أنبأ هبة الله بن أحمد بن محمد الأَنْصَاريّ، أنبأ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الحافظ البَغْدَادِيّ، قال: حدَّثني الحسن بن محمد الدَّرْبَنْدي، قال: سمعت محمد بن الفَضْل المُفَسِّر ويقول: سمعت أبا إسحاق الزَّنْجاني يقول: سمعت عبد الرحمن بن البُخَاري يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البُخَاري يقول: صَنَّفْتُ كتاب الصَّحيح بستة عشرة سنة، خَرَّجتُه من ست مئة ألف حديث، وجعلته حُجَّة فيما بيني وبين الله ﷿.أخبرنا أبو المحاسن عبد الرَّزَّاق بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن عثمان القُومْساني بهَمَذَان، ثنا الحافظ أبو شجاع شِيرَوَيه بن شَهْرَدار بن شِيرَوَيه الدَّيْلَمِيّ: أنبأ أبو الفتح عَبْدُوس بن عبد الله بروذبار في داره، أنبأ أبو جعفر بن محمد بن الحسن الأَبْهَريّ إجازة، ثنا نصر بن محمد الأندلسي، ثنا أبو بكر أحمد بن عَبْدَان قال: سمعت أبا بكر بن الوزير السِّجزي يقول: سمعت محمد بن سُلَيْمَان بن فارس يقول: سمعت أَبَا عبد الله محمد بن إسماعيل البُخَاري يقول: رأيت النَّبِيّ ﷺ كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذُبُّ عنه، فسألتُ بعضَ المُعَبِّرين، فقال: أنت تَذُبّ عنه الكذب. فهو الَّذي جهدني (¬١) على إخراج الصحيح. أخبرنا أبو طاهر السِّلَفِي قال: سمعت أبا سعيد أحمد بن محمد بن القاسم الأردستاني في جماعة بقراءتي عليه، قالوا: سمعنا أبا عثمان سعيد ابن أحمد بن نُعَيْم النَّيْسَابُورِيّ قال: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد بن مَخْلَد العَدْل يقول: سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون الأعمشي يقول: سمعت مسلم بن الحجَّاج يقول لمحمد بن إسماعيل البُخَاري: لا يعيبك إلَّا حاسد، وأشهد أن ليس في الدُّنْيَا مثلك. وسمعت أحمد بن حمدون الأعمشي يقول: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى، وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنَّه يقرأ قل هو الله أحد. أخبرنا أبو طاهر بركات بن إبراهيم الدِّمَشْقِيّ بها، أنبأ أبو الحسن عليّ بنأحمد بن منصور الغَسَّاني، أنبأ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب، أخبرني الحسن بن محمد هو الأشقر، أنبأ محمد بن أبي بكر قال: سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأَسْدِي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم الدَّغُولي يقول: سمعت يوسف بن موسي المروروذي يقول: كنت بالبَصْرَة في جامعها، إذ سمعتُ مناديًا ينادي: يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البُخَاري فقاموا في طلبه، وكنتُ معهم فرأينا رجلًا شابًّا، لم يكن في لحيته شيء من البياض يُصَلِّي خَلَف الأسطوانة، فلما فرغ من الصَّلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، قال: فلما أن كان بالغداة حضر الفقهاء والمحدثون والحُفَّاظ والنُّظَّار حتَّى اجتمع قريب من كذا وكذا ألفًا، فجلس أبو عبد الله محمد بن إسماعيل للإملاء فقال -قبل أن أخذ في الإملاء- قال لهم: يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل، قال: فتعجَّبَ النَّاس من قوله، ثمَّ أخذ في الإملاء، فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوَّاد العَتَكي بلديّكم: أنبأ أبي، عن شُعْبَة عن منصور وغيره، عن سالم بن أبي الجَعْد عن أنس بن مالك: أن أعرابيًّا جاء النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يحب القوم، فذكر حديث: "المرء مع من أحب". ثمَّ قال محمد ابن إسماعيل: هذا ليس عندكم، إنَّما عندكم عن غير منصور عن سالم. قال يوسف بن موسي: وأملى عليهم مجلسًا على هذا النسق يقول في كل حديث روي شُعْبَة هذا الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان فليس عندكم أو كلامًا ذا معناه.وقال صالح بن محمد: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنت أستملي عليه، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. أخبرنا الحافظ أبو العز عبد المُغيث بن زُهير، أنبأ القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن الفَرَّاء، أنبأ أحمد الحافظ، أنبأ أبو الوليد، أنبأ محمد ابن أحمد الحافظ، ثنا محمد بن سعيد، ثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد ابن أبي حاتم قال: سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشائخ البصرة وهو غُلام، فلا يكتب حتَّى أتي على ذلك الأيام فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما معناك فيما تصنع؟ فقال لنا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتُما عليّ، وألححتما، فأعرضا على ما كتبتما، فأخرجنا ما عندنا زاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر القلب، حتَّى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه، ثمَّ قال: أترون أني أختلف هدرًا، وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنَّه لا يتقدمه أحد. قال: وكان أهل المعرفة من أهل البصرة يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتَّى يغلبوه على نفسه، ويُجْلِسُوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يُكْتَبُ عنه، قال: وكان عند ذلك شاب لم يخرج وجهه. قال عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خُراسان مثل محمد بن إسماعيل البُخَاري. أخبرنا عبد المغيث أنبأ محمد، أنبأ أحمد المؤرِّخ، أنبأ أبو بكر الحِيري، قال: سمعت إبراهيم بن أحمد الفقيه قال: سمعت أحمد بن عبد الله الصَّفَّار يقول: سمعت أبا إسحاق المُسْتَمْلِي، يروى عن محمدابن يوسف الفِرَبْرِيّ، أنَّه كان يقول: سَمِعَ كتاب "الصحيح" من محمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، وما بقي أحد يروى عنه غيري. وقال محمد بن إسماعيل: ما أدخل في كتاب الجامع (¬١) إلَّا ما صَحَّ، وتركتُ من الصِّحاح لحال الطُّول. وقال محمد بن أبي حاتم: قلت لمحمد بن إسماعيل: تَحْفَظ جميع ما أدخلت في الصحيح؟ قال: لا يخفى عليّ جميع ما فيه. وقال النَّسَائي: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. وقال بكر بن مُنير: سمعت محمد بن إسماعيل البُخَاري يقول: أرجو أن ألقى الله ﷿، ولا يُحَاسبني أنِّي اغتبتُ أحدًا. أخبرنا أبو طاهر القُرَشِي، أنبأ أبو الحسن عليّ بن أحمد، أنبأ أحمد بن عليّ الحافظ، أنبأ عليّ بن أبي حامد الأَصْبَهَانِيّ في كتابه، ثنا محمد بن محمد بن مكي الجُرْجَانيُّ قال: سمعت عبد الواحد بن آدم الطَّواويسيُّ، قال: رأيت النَّبِيّ ﷺ في النَّوم ومعه جماعةٌ من أصحابه وهو واقف في موضع، ذَكَرَه، فَسَلَّمتُ عليه، فرد السلام، فقلتُ: ما يوقفك يا رسول الله؟ فقال: أنتظر محمد بن إسماعيل البُخَاري، فلما كان بعد أيَّام بلغني موته، فنظرنا، فإذا هو قد مات في الساعة الَّتي رأيت النَّبِيّ ﷺ فيها. وقال عبد القدوس بن عبد الجبَّار السَّمَرْقَنْدِيّ: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْتَنْك، قرية من قرى سمرقند على فَرْسخين، وكان له أقرباء فنزل عندهم، قال: فسمعته لَيْلَةً من الليالي وقد فرغ من صلاة اللَّيْلِ يدعو ويقول: اللَّهُمَّ قد ضاقت عليّ الأرض بما رَحُبَت فاقبضني إليك.قال: فما تم الشَّهْرَ حتَّى قبضه الله ﷿، وقبره بخرْتَنك. ولد البُخَاري يوم الجُمُعَة بعد صلاة الجُمُعَة لثلاث عشرة لَيْلَة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي لَيْلَةَ السبت عند صلاة العشاء لَيْلَة الفِطْر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومئتين، عاش اثنتين وستين سنة إلَّا ثلاثة عشر يومًا.