محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 1576, entry [779]2,390 chars
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣).قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه…
▸ expand full passage (2,390 chars)ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣).قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر في قرية الدّرزِيجان، فأقام معهم وقال: ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكِرمانيّ مضريّ غير سَلَمة بن أبي عبد الله، مولى بني سُلَيم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبدًا فإني لم أره إلا غادرًا ومهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مرارًا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوْا يومًا من أيامهم، وقد شرب مَرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون للحارث، فطُعن فصُرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدتَ تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برْذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذَوْن أفرَه من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله بن دَيسَم العَنَزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيَه رمى ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان بِرْذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثدًا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال أردت أن تفضحني! أخذتَه منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلًا، فأتى حائط مَرْو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكِرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارسًاخير مني لكم راجلًا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتِل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصُلِب الحارث وصَفتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل: يا مُدْخِلَ الذلِّ على قومِهِ ... بعْدًا وسُحْقًا لك مِنْ هالِكِ! شُؤمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها ... وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ ما كانتِ الأَزدُ وأَشياعُها ... تطْمَعُ فِي عمرو ولا مالكِ ولا بَنِي سَعْدٍ إذا أَلجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لونُهُ حالِكِ ويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنيّ (١).
- exact linked passagemedium confidencepage 4323, entry [1605]37,470 chars
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة * ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك: قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلادالترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار، وما كان من نَصْر إليه، واجتماع مَن اجتمع إلى الحارث مستجيبين له، فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه، أنَّ ابن هبيرة لما وَليَ العراق كتب إلى …
▸ expand full passage (37,470 chars)ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة * ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك: قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلادالترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار، وما كان من نَصْر إليه، واجتماع مَن اجتمع إلى الحارث مستجيبين له، فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه، أنَّ ابن هبيرة لما وَليَ العراق كتب إلى نصر بعهْده، فبايع لمرْوان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بن الوليد، ومَرْوان لا يُجيز أمانَ يزيد، فلا آمنه، فدعا إلى البيْعة، فشتَم أبو السليل مَرْوانَ، فلما دعا الحارث إلى البَيْعة أتاه سلْم بن أحوز وخالد بن هرَيم وقَطَن بن محمد وعبّاد بن الأبرد بن قرّة وحمّاد بن عامر، وكلموه وقالوا له: لِمَ يصيّر نصرٌ سلطانَه وولايته في أيدي قومك؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما أتى بك لئلا يجترئ عليك عدوّك فخالفتَه، وفارقتَ أمر عشيرتك، وأطمَعْت فيهم عدوّهم، فنذكِّرك الله أن تفرّق جماعتنا! فقال الحارث: إنَّي لأرى في يدي الكرمانيّ ولاية، والأمر في يد نصر، فلم يجبْهم بما أرادوا، وخرج إلى حائط لحمزة بن أبي صالح السلميّ بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر وأرسل إلى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بن داود، وأمر جَهْم بن صَفْوان، مولى بني راسب، فقرأ كتابًا سيَّر فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبِّرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل سلْم بن أحوز عن شُرَطك، واستعمل بشر بن بسْطام البِرْجميِّ، فوقع بينه وبين مغلس بن زياد كلام، فتفرقت قيس وتميم، فعزله، واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن، واختاروا رجالًا يسمون لهم قومًا يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتلَ بن سليمان ومقاتل بن حَيان، واختار الحارث المغيرةَ بن شعبة الجَهْضميّ ومعاذ بن جَبلة، وأمر نصرٌ كاتبه أن يكتب ما يرضوْن من السُّنَن، وما يختارونه من العمال، فيولِّيَهم الثَّغرين؛ ثغر سَمَرْقند وطخارستان، ويكتب إلى مَن عليهما ما يرضونه من السير والسنَن. فاستأذن سلْم بن أحوز نصرًا في الفتك بالحارث، فأبى وولّى إبراهيم الصائغ، وكان يوجّه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مَرو، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرّايات السود؛ فأرسل إليه نصر: إن كنتَ كما تزعم، وأنكم تهدمِون سور دمشق، وتزِيلون أمر بني أميَّة، فخذْ مني خمسمئة رأس ومئتي بعير، واحمل من الأموال ما شئتَ وآلة الحرب وسرْ؛ فلعمري لئن كنتَ صاحب ما ذكرت إني لفي يدك؛ وإن كنت لستَ ذلك فقد أهلكتَ عشيرتك، فقالالحارث: قد علمتُ أن هذا حقٌ، ولكن لا يبايعني عليه مَنْ صحبني، فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك، وأنهم هم فساق ورَعاع، فأذكرك الله في عشرين ألفًا من ربيعة واليمن سيَهْلكون فيما - بينكم، وعرض نصر على الحارث أن يولّيَه ما وراء النهر، ويعطيَه ثلثمئة ألف؛ فلم يقبل؛ فقال له نصر: فإن شئت فابدأ بالكرْمانيّ فإن قتلتَه فأنا في طاعتك، وإن شئت فخلِّ بيني وبينه؛ فإن ظفرتُ به رأتحط رأيك، وإن شئتَ فسرْ بأصحابك؛ فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك. قال: ثم تناظر الحارث ونصر، فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بن حيَان وجَهْم بن صفوان، فحكما بأن يعتزل نصر، ويكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر، وكان جَهْم يقصّ في بيته في عسكر الحارث، وخالف الحارث نصرًا، ففرض نصر لقومه من بني سلمة وغيرهم، وصيّر سَلْمًا في المدينة في منزل ابن سوّار، وضمّ إليه الرَّابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراويّ فرسًا، وصيَّره في المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيّان السُّلميّ، وحوَّل السلاح والدّواوين إلى القهندز، واتَّهم قومًا من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث، فأجلس عن يساره مَن اتّبعهم ممن لا بلاء له عنده، وأجلس الّذَين ولَّاهم واصطنعهم عن يمينه؛ ثم تكلم وذكر بني مَرْوان ومَن خرج عليهم؛ كيف أظفر الله به؛ ثم قال: أحمدُ الله وأذمُّ مَن على يساري؛ وليتُ خراسان فكنتَ يا يونس بن عبد ربّه ممن أراد الهرب من كلف مؤونات مَرْو، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بن عبد الله أن يختم أعناقهم، ويجعلهم في الرّجالة، فوليتكم إذ وليتكم واصطنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردتُ المسير إلى الوليد، فمنكم مَنْ رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ، ثم ملأتم الحارث عليّ، فهلّا نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه، فاعتذر القوم إليه، فقبل عذرهم. وقدم على نصر من كورخراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعةٌ؛ منهم عاصم بن عمير الصُّريميّ وأبو الذيّال الناجيّ وعمرو الفادوسبان السُّغدْيّ البخاريّ وحسان بن خالد الأسديّ من طُخارستان في فوارس، وعَقيل بن معْقل الليثيّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعد الصَّغير في فرسان.وكتب الحارث بن سريج سيرته، فكانت تقرأ في طريق مَرْو والمساجد فأجابه قوم كثير؛ فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه (١) الحارث، فأتى نصرًا هبيرة بن شرَاحيل ويزيد أبو خالد، فأعلماه، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: إن الحارث بن سريج عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله. وأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث، وقال لخالد بن عبد الرحمن: ما نفعل شعارَنا غدًا؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبيًّا فقاتل عدوًّا له، فكان شعاره "حم لا ينْصَرون"، فكان شعارهم "حم لا ينصرون"، وعلامتهم على الرّماح الصوف. وكان سلْم بن أحْوَز وعاصم بن عُمير وقَطَن وعَقِيل بن معقل ومسلم بن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارّية ويحيى بن حُضَين وربيعة في البخارييّن، ودلّ رجل من أهل مدينة مَرْو الحارث على نَقْب في الحائط، فمضى الحارث فنقَب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون، ونادوْا: يا منصور - بشعار الحارث - وأتوا باب نِيق، فقاتلهم جَهْم بن مسعود الناجيّ، فحمل رجل على جَهْم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نِيق حتى أتوا قبة سلْم بن أحوز فقاتلهم عصْمة بن عبد الله الأسديّ وخضِر بن خالد والأبرد بن داود من آل الأبرد بن قرّة، وعلى باب بالين حازم بن حاتم، فقتلوا كلّ من كان يحرسه، وانتهبوا منزلَ ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن منيع؛ ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن مَنِيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلميّ إلا الدوابّ والسلاح، وذلك ليلة الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. قال: وأتى نصرًا رسولُ سلْم يخبره دنوّ الحارث منه، وأرسل إليه: أخّرْه حتى نصبح، ثم بعث إليه أيضًا محمد بن قَطَن بن عمران الأسديّ، أنه قد خرج عليه عامّة أصحابه، فأرسل إليه: لا تبدأهم.وكان الذي أهاج القتال، أنّ غلامًا للنَّضْر بن محمد الفقيه يقال له عطية، صار إلى أصحاب سَلْم، فقال أصحاب الحارث: رُدُّوه إلينا، فأبوْا، فاقتتلوا، فرمى غلامًا لعاصم في عينه فمات؛ فقاتلهم ومعه عَقِيل بن مَعْقِل فهزمهم، فانتهوْا إلى الحارث وهو يصليّ الغداةَ في مسجد أبي بَكرْة، مولى بني تميم؛ فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا إلى طَرف الطُخارِيَّة، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عَرْقِبا بِرْذونه؛ فضرب الحارث أحَدهما بعَموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السُّغد، فرأى أعينَ مولى حيّان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، وعَدَل في سكة بني عصمة، فأتبعه حماد بن عامر الحمانيّ ومحمد بن زُرعة، فكسر رمحيْهما، وحملِ على مرزوق مولَى سَلْم؛ فلما دنا منه رمى به فرسه؛ فدخل حانوتًا، وضرب بِرْذَوْنه على مؤخّره فنفق. قال: وركب سلْم حين أصبح إلى باب نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا وأمر مناديًا، فنادى: مَن جاء برأس فله ثلثمئة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، وقاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بن مجّاعة بن سعد، فقتلوه، وانتهى سلْم إلى عسكر الحارث؛ وانصرف إلى نَصْر فنهاه نصر، فقال: لست منتهيًا حتى أدخل المدينة على هذا الدبُّوسيّ؛ فمضى معه محمد بن قَطَن وعبيد الله بن بسام إلى باب دَرْسنْكان - وهو القهندز - فوجده مردومًا، فصعِد عبد الله بن مَزْيَد الأسديّ السور ومعه ثلاثة، ففتحوا الباب، ودخل بن أحْوَز، ووكّل بالباب أبا مطهّر حرب بن سليمان، فقتِل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سرَيج، واسمه يزيد بن داود، وأتى عبد ربه ابن سِيسن فقتَله، ومضى سلْم إلى باب نِيق ففتحه، وقتل رجلًا من الجزّارين كان دلّ الحارث على النَّقْب؛ فقال المنذر الرقاشيّ ابن عمّ يحيى بن حضين، يذكر صبر القاسم الشيبانيّ: ما قاتَلَ القومَ منكُمْ غَيْرُ صاحِبنا .. في عُصْبَةٍ قاتلوا صَبرًا فما ذُعِرُوا هُمْ قاتلوا عِندَ بابِ الحصنِ ما وَهَنُوا ... حتى أتاهُمْ غِياثُ اللهِ فانتَصرُوا فقاسِمٌ بَعدَ أَمْرِ اللهِ أحرَزَها ... وأنتَ في معزلٍ عن ذاكَ مقتَصِرُ ويقال: لما غلظ أمر الكرمانيّ والحارث أرسل نَصْر إلى الكرمانيّ، فأتاه على عهد، وحضرهم محمد بن ثابت القاضي ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن بننعيم الغامديّ وسلْم بن أحْوز، فدعا نصرٌ إلى الجماعة، فقال للكرْمانيّ: أنت أسعدُ الناس بذلك؛ فوقع بين سَلْم بن أحوْزَ والمقدام كلام؛ فأغلظ له سَلْم، فأعانه عليه أخوه، وغضِب لهما السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ، فقال سلْم: لقد هممتُ أن أضربَ أنفك بالسيف، فقال السُّغديّ: لو مسستَ السَّيْف لم ترجع إليك يدُك، فخاف الكرماني أن يكون مكرًا من نصْر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وعاد إلى باب المقصورة. قال: فتلقّوْه بفرسه، فركب في المسجد، وقال نصر: أراد الغدر بي، وأرسل الحارث إلى نصر: إنا لا نرضى بك إمامًا، فأرسل إليه نصر: كيف يكون لك عقل، وقد أفنيتَ عمرك في أرض الشرْك وغزوتَ المسلمين بالمشركين! أتراني أتضرَّع إليك أكثر مما تضرَّعت! قال: فأسِر يومئذ جَهْم بن صفوان صاحب الجَهميّة، فقال لسلم: إن لي ولْثًا من ابنك حارث؛ قال: ما كان ينبغي له أن يفعل؛ ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكبَ، وأبرأك إليّ عيسى ابن مريم ما نجوتَ؛ والله لو كنتَ في بطني لشققتُ بطني حتى أقتلَك؛ والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمتَ؛ وأمر عبد ربّه بن سِيَسن فقتله، فقال الناس: قتِل أبو محِرز - وكان جَهْم يكنى أبا محرز. وأسِر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجّاعة فقال: لا أبقى الله من استبقاكما؛ وإن كنتما من تميم. ويقال: بل قُتل هبيرة، لحقَتْهُ الخيل عند دار قدَيد بن منيع فقتِل، قال: ولما هَزم نصر الحارثَ، بعث الحارث ابنَه حاتمًا إلى الكرمانيّ، فقال له محمد بن المثنّى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان؛ فبعث الكرمانيّ السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ معه، فدخل السُّغديّ المدينة من ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازة (١) الكِرْمانيّ، ومع الكِرْمانيّ داود بن شعيب الجدّانيّ ومحمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرمانيّ، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف، فلمّا كان الغد سار الكِرمانيّ إلى باب ميدان يزيد، فقاتل أصحابَ نصر، فقتِل سعد بن سَلْم المراغيّ، وأخذوا عَلم عثمان بن الكرمانيّ؛ فأوّل من أتى الكرمانيّبهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ماسَرْجَسَان على فرسخ من المدينة النَّضْر بن غلّاق السُّغديّ وعبد الواحد بن المنخَّل، ثم أتاه سوادة بن سريج، [وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذريّ، أتوه ببيعة الحارث بن سريج]. وأول من بايع الكرمانيَّ يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ، فوجه الكرمانيّ إلى الحارث بن سريج سورة بن محمد الكندي [إلى أسمانير] والسغديَّ بن عبد الرحمن أبا طعمة وَصْعبًا أو صُعيبًا، وصبّاحًا، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوْا باب ركَك، وأقبل الكِرمانيّ إلى باب حَرْب بن عامر، ووجّه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء، فترامَوْا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، قال: والتقوْا يوم الجمعة، فانهزمت الأزْد؛ حتى وصلوا إلى الكِرمانيّ، فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وحمل الخَضر بن تميم وعليه تجْفافٌ، فرموْه بالنّشاب، وحمل عليه حبيش مولى نَصْر فطعنه في حَلْقه، فأخذ الخضر السّنَان بشماله من خلفه؛ فشبَّ به فرسه، وحمل فطعن حبيشًا فأذراه عن بِرْذونه، فقتله رجَّالة الكِرمانيَ بالعصيِّ. قال: وانهزم أصحابُ نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرسًا، وصرع تميم بن نصر، فأخذوا له برذَوْنين؛ أخذ أحدهما السُّغديَ بن عبد الرحمن، وأخذ الآخر الخَضِر، ولحق الخضر بسلم بن أحوْز، فتناول من ابن أخيه عمودًا فضربه فصرَعه، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب، فرمى سَلْم بنفسه تحت القناطر وبه بضمع عشرة ضربة على بَيْضته فسقط، فحمله محمد بن الحدَّاد إلى عسكر نصر، وانصرفوا، فلما كان في بعض الليالي خرج نصر من مَرْو، وقُتِل عصمة بن عبد الله الأسديّ، وكان يحمي أصحاب نصر؛ فأدركه صالح بن القعقاع الأزديّ، فقال له عصمة: تقدّم يا مَزُونيّ، فقال صالح: أثبت يا خصيُّ - وكان عقيمًا - فعطَف فرسه فشبَّ فسقط، فطعنه صالح فقتله. وقاتل ابن الديليمريّ، وهو يرتجز؛ فقتِل إلى جنب عصْمة، وقتل عبيد الله بن حوتمة السلميّ، رمى مروان البهرانيّ بجرُزة، فقتل؛ فأتي الكرمانيّ برأسه فاسترجع - وكان له صديقَّا - وأخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه، واقتتلوا ثلاثة أيام، فهزمت آخرَ يوم المضرّيةُ اليمن، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشرَ ربيعة واليمن؛ قد دخلالحارثُ السوق، وقتِل ابن الأقطع؛ ففتّ في أعضاد المضرّية، وكان أوّل من انهزم إبراهيم بن بسام الليثيّ، وترجّل تميم بن نصر، فأخذ برذَوْنه عبد الرحمن بن جامع الكنديّ، وقتلوا هَيَّاجًا الكلبيّ ولقيط بن أخضر؛ قتله غلام لهانئ البزّار. قال: ويقال: لما كان يوم الجمعة تأهبَّوا للقتال، وهدموا الحيطان ليتَّسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرمانيّ: إنك لست مثل هذا الدبّوسيّ، فاتق الله، لا تشرع في الفتنة، قال: وبعث تميم بن نصر شاكريّته، وهم في دار الجَنوب بنت القعقاع؛ فرماهم أصحاب الكرمانيّ من السطوح ونذروا بهم، فقال عقيل بن معقِل لمحمد بن المثنَّى: علامَ نقتل أنفسنا لنصر والكرمانيّ! هلمّ نرجع إلى بلدنا بطَخارستان، فقال محمد: إن نصرًا لم يفِ لنا، فلسنا ندعَ حربه، وكان أصحاب الحارث والكرمانيّ يرمون نصرًا وأصحابه بعرّادة فضُرب سرادقه وهو فيه فلم يحوّله، فوجه إليهم سلْم بن أحوز فقاتلهم؛ فكان أوّل الظَّفرَ لنصر، فلما رأى الكرمانيّ ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عَميرة، فقاتل به حتى كَسَره، وأخذ محمد بن المثنى والزّاغ وحِطَّان في كارابكل، حتى خرجوا على الرّزيق، وتميم بن نصر على قنطرة النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى إليه: تنحّ يا صبيّ، وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء، فصرعوا أعين مولى نصر، وقتلوه؛ وكان صاحب دواة نصر، وقتلوا نفرًا من شاكريّتِه وحمل الخضر بن تميم على سلْم بن أحوَز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجُرْز على صدره وأخرى على منكبه؛ وضربه على رأسه فسقط، وحمى نصر أصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق. قال: ولما هزَمت اليمانيَة مُضَر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانيَة يعيّرونني بانهزامكم؛ وأنا كافّ؛ فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرْمانيّ، فبعث إليه نصر يزيد النحويّ أو خالدًا يتوثّق منه؛ أن يفيَ له بما أعطاه من الكفّ. ويقال: إنما كفّ الحارث عن قتال نَصْر أن عمران بن الفضل الأزديّ وأهل بيته وعبد الجبار العدويّ وخالد بن عبيد الله بن حبيب العدويّ وعامة أصحابه نقِموا على الكِرماني فعلمه بأهل التبوشكان؛ وذلك أن أسدًا وجّهه [إليهم]، فنزلوا على حكْم أسد، فبَقر بطون خمسين رجلًا وألقاهم في نهر بَلْخ، وقطعأيدي ثلثمئة منهم وأرجلهم وصلب ثلاثةً، وباع أثقالهم فيمن يزيد، فنقِموا على الحارث عَوْنه الكرمانيّ، وقتاله نصرًا، فقال نصرٌ لأصحابه حين تغير الأمر بينه وبين الحارث: إن مُضَرَ، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرمانيّ؛ لا يتفقان على أمر، فالرأي تركهما؛ فإنهما يختلفان، وخرج إلى جُلْفرَ فيجد عبد الجبار الأحول العدويّ وعمر بن أبي الهيثم الصغديّ، فقال لهما: أيسعكما المقام مع الكرمانيّ؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت آسيًا؛ ما أحلك هذا المحلّ! فلما رجع نصر إلى مَرْو أمر به فضرب أربعمئة سوط، ومضى نصر إلى خَرَق، فأقام أربعة أيام بها، ومعه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسلم بن أحْوَز وسنان الأعرابيّ، فقال نصر لنسائه: إنّ الحارث سيخلفني فيكنّ ويحميكنّ، فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه: ما أقدمك، وقد أظهرت من العصبية أمرًا قد كان الله أطفأه؟ وكان عامل نصر على نَيْسابور ضرار بن عيسى العامريّ، فأرسل إليه نصر بن سيار سنانًا الأعرابيّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحْوَز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوْا نصرًا بالمواكب والجواري والهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحىّ من قيس؛ فإنما كانت عاتبة، فقال نصر: أنَا ابْنُ خِنْدِفَ تنميني قبائِلُهَا ... للصالحات وعمِّي قيسُ عَيْلانا وأقام عند نصر حين خرج من مَرْو يونس بن عبد ربّه ومحمد بن قَطَن وخالد بن عبد الرحمن في نظرائهم. قال: وتقدّم عبّاد بن عمر الأزديّ وعبد الحكيم بن سعيد العَوْذيّ وأبو جعفر عيسى بن جرز على نَصْر من مكة بأبر شهر، فقال نصر لعبد الحكيم: أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك؛ طالت ولايتها في ولايتك، وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن حلماء وسُفهاء فغلب السفهاء الحكماء، فقال عبّاد: أتستقبل الأمير بهذا الكلام! قال: دَعْه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز - وهو من أهل قرية على نهر مَرْو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية، قإنه قد أطلّ أمرٌ عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يُظهر السواد، ويدعو إلى دوْلة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون، فقال نصر: ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين، وجّهتُ إلى الحارث وهو بأرض الترك،فعرضتُ عليه الولاية والأموال فأبى وشغب، وظاهر عليّ، فقال أبو جعفر عيسى: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانيّ من ذلك ببعيد، فوصله نصر، قال: وكان سَلْم بن أحوز يقول: ما رأيت قومًا أكرم إجابةً، ولا أبذل لدمائهم من قيس. قال: فلما خرج نصر من مَرْو غلب عليها الكرمانيّ، وقال للحارث: إنما أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقًا لأمددتُه ألف عنان، فقال مقاتل بن حيّان: أفي كتاب الله هدمُ الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرمانيّ في خَيمة في العسكر، فكلّمه معمّر بن مقاتل بن حيّان - أو معمر بن حيان - فخلاه، فأتى الكرمانيّ المسجدَ، ووقف الحارث، فخطب الكرمانيّ الناس، وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر، فاستأمن لابن الزبير داود بن أبي داود بن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه؛ ومضى الحارث إلى باب دوران وسَرخس، وعَسْكر الكرمانيّ في مصلّى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هَدْم الدُّور وانتهاب الأموال، فهمّ الكرمانيّ به، ثم كفّ عنه، فأقام أيامًا، وخرج بشر بن جرموز الضبيّ بخَرقان، فدعا إلى الكمَاب والسنّة، وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلبَ العدل، فأمّا إذْ كنتَ مع الكرمانيّ، فقد علمتُ أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون عصبيّة، فلستُ مقاتلًا معك، واعتزل في خمسة آلاف وخمسمئة - ويقال في أربعة آلاف - وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحقّ ولا نقاتل إلّا مَن يقاتلنا، وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانيّ، وبعث الحارث ابنه محمدًا فحمل ثقله من دار تميم بن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومُضر؛ أن الزموا الحارث مناصحةً فأتوه؛ فقال الحارث: إنكم أصلُ العرب وفرعها، وأنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا إليّ بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشيء دون لقائه، وكان من مدبّري عسكر الكِرمانيّ مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البُخاريّين، فقال: أعطني أجر المِنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البيّنة أنك نصبتَها من منفعة المسلمين، فشهد له شيبة بن شيخ الأزدي، فأمر مقاتل فصُكّ له إلى بيت المال، قال: فكتب أصحاب الحارث إلى الكِرْمانيّ: نوصيكم بتقوى الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرّم الله من دمائكم؛ فإن الله جعلاجتماعَنا كان إلى الحارث ابتغَاء الوسيلة إلى الله، ونصيحةً في عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف، فصغُر ذلك كله عندنا في جنْب ما نرجو من ثواب الله؛ ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدوّ، فاتقوا الله وراجعوا الحقّ، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها. فأقاموا أيامًا، فأتى الحارث بن سُريج الحائط فثلَم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بن أبي الهيثم، فتفرّق عن الحارث أهلُ البصائر، وقالوا: غدرت، فأقام القاسم الشيبانيّ وربيع التيميّ في جماعة، ودخل الكرمانيّ من باب سرخس، فحاذى الحارث، ومرّ المنخّل بن عمرو الأزديّ فقتله السَّميدع؛ أحد بني العَدوِيّة، ونادى: يا لثارات لَقِيط! واقتتلوا وجعل الكرمانيّ على ميمنته داود بن شعيب وإخوته: خالدًا ومزيَدًا والمهلب، وعلى ميسرته سورة بن محمد بن عزيز الكِنديّ، في كندة وربيعة، فاشتدّ الأمر بينهم، فانهزم أصحابُ الحارث، وقُتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث على بَغْل فنزل عنه، وركب فرسًا فضربه، فجرى وانهزم أصحابُه، فبقي في أصحابه، فقتِل عند شجرة، وقُتل أخوه سوادة وبشر بن جُرْموز وقَطن بن المغيرة بن عجرد، وكَفّ الكرمانيّ وقُتل مع الحارث مئة، وقُتل من أصحاب الكِرمانيّ مئة، وصُلب الحارث عند مدينة مَرْو بغير رأس. وكان قُتل بعد خروج نصر من مَرو بثلاثين يومًا، قُتل يومَ الأحد لستّ بقين من رَجب، وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبَيْراءَ. فقتل كذلك سنة ثمان وعشرين ومئة، وأصاب الكِرمانيّ صفائح ذهب للحارث فأخذها وحبس أمّ ولده ثم خلّى عنها، وكانمت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب، قال: وأخذ أموال مَنْ خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم: بِمَ تستحل ماله؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقِني دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان، فأتى به منزله. [٧/ ٣٣٠ - ٣٤١]. وقالت أم كثير الضبيّة: لا بارَكَ اللهُ في أُنثى وعذَّبَها ... تزَوَّجتْ مضَريًّا آخِرَ الدهرِ أبْلغْ رجالَ تميمٍ قَولَ مُوجَعَةٍ ... أحلَلتُمُوها بدار الذلِّ والفقرإنْ أنتمُ لَمْ تكرُّوا بَعْدَ جَوْلتِكُمْ ... حتَى تُعِيدُوا رِجالَ الأَزْدِ في الظَّهْر إنِّي استَحَيْتُ لَكُمْ من بَذْلِ طاعَتِكُمُ ... هذا المَزُونيَّ يَجْبيكُم على قَهْر وقال عبّاد بن الحارث: ألا يا نَصْرُ قَدْ بَرَحَ الخَفاءُ ... وقد طالَ التَّمنِّي والرِّجاءُ وأصْبَحَتِ المَزُونُ بأَرْضِ مَروٍ ... تُقَضِّي في الحكومَةِ ما تَشاءُ يَجُوزُ قضاؤها في كُلِّ حُكْمِ ... على مُضَرٍ وإِنْ جارَ القضاءُ وَحِمْيَرُ في مَجالسِهِا قُعُودٌ ... ترَقرَقُ في رَقابِهِمُ الدِّمِاءُ فإنْ مُضَرٌ بذا رَضِيَتْ وَذلَّتْ ... فطالَ لها المَذَلَّة والشَّقَاءُ وإنْ هِيَ أعتَبَتْ فيها وإلا ... فحَلَّ على عساكِرِها العفاءُ وقال: ألا يا أيها المرءُ الْـ ... لَذي قد شَفَّهُ الطَّرَبُ أَفِقْ وَدَعِ الذي قَد كنْـ ... ـت تطلبُهُ ونَطَّلِبُ فقد حَدَثَتْ بحَضْرَتنا ... أمُورٌ شأْنُها عجبُ الأزْدُ رأيْتُها عَزَّتْ ... بمَرْوَ وَذَلّتِ العَرَبُ فجَازَ الصُّفرُ لما كا ... ن ذاكَ وبُهْرِجَ الذهَبُ وقال أبو بكر بن إبراهيم لعليّ وعثمان ابني الكرمانيّ إني لمُرْتَحِلٌ أُريدُ بِمِدْحَتِي ... أخوَيْن فوْقَ ذُرَى الأَنامِ ذراهُما سبقا الجيادَ فَلَمْ يزالا نُجْعَةً ... لا يَعْدَمُ الضَّيْفُ الغريبُ قراهُما يسْتَعْلِيَانِ ويَجْريانِ إلى العُلا ... ويَعِيشُ في كَنَفيْهمَا حَيَّاهُما أعْنِي عَلِيًّا إِنَّهُ وَوَزيرَهُ ... عُثمانَ ليسَ يَذِلُّ مَنْ والاهُما جَرَيَا لكَيْمَا يَلحقَا بأبيهِمَا ... جَرْيَ الجيادِ من البعيدِ مَداهُما فلئنْ هُما لَحِقا به لمُنَصَّبٍ ... يَسْتَعلِيانِ ويَلحقَانِ أبَاهُما ولَئِنْ أَبَرَّ عليهمَا فَلَطَالما ... جَرَيا فَبذَّهُما وبَذّ سِواهُما فلأَمْدَحَنَّهُمَا بما قدْ عاينَت ... عيني وإِنْ لَمْ أُحْصِ كلَّ نَداهُما فَهُما التَّقيَّانِ المُشارُ إليْهما ... الحَامِلانِ الكاملان كِلاهُما وهُما أزالا عن عرِيكَةِ ملكهِ ... نصْرًا ولاقى الذلَّ إذْ عاداهُما نَفَيَا ابنَ أقطَعَ بعدَ قتل حُماتِهِ ... وتَقَسَّمَتْ أسلَابَهُ خَيلاهُماوالحارث بن سُرَيج إذ قَصَدُوا لَهُ ... حتى تعاورَ رأْسَهُ سَيفاهُمَا أخذا بِعَفْو أبيهما في قدرِهِ ... إذ عزَّ قَوْمهُما ومن والاهما * * * وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله؛ فإني قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك؛ فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوْا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إني قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوْه عليّ، وذلك أنه كان عَرض ذلك قبلَ أن يوجّه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا ألِي اثنين أبدًا، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة، ثم قال: يا عبد الرحمن، إنك رجلٌ منّا أهل البيت؛ فاحتفظ وصيَّتي، وانظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمْهم وحُلّ بين أظهرهم؛ فإن الله لا يتمّ هذا الأمر إلا بهم؛ وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتَّهِمْهم في أمرهم، وانظر هذا الحيّ من مضر؛ فإنهم العدوّ القريب الدار، فاقتل مَنْ شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومَنْ وقع في نفسك منه شيء؛ وإن استطعت ألّا تدع بخراسان لسانًا عربيًّا فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ - يعني سليمان بن كثير - ولا تعصِه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتفِ به منى (١) [٧/ ٣٤٢ - ٣٤٤]. وقال الواقدي: وافتتح مروان حمص وهدم سورها، وأخذ نُعيم بن ثابت الجُزاميّ فقتله في شوال سنة ثمان، وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل. [٧/ ٣٤٨]. وقد حدثني محمد بن حسن: أن أبا حمزة مر بمعدن بن سليم وكثير بنعبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمره به فجلد سبعين سوطًا، ثم مضى إلى مكة، فلما قدم أبو حمزة المدينة، حين افتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان (١) [٧/ ٣٤٨]. *ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيه: قال عليّ بن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خُراسان، حتى وقَعت العصبيّة بها؛ فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بن كثير إلى أبي سَلَمة الخلّال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم، يسأله أن يوجّه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فبعث أبا مسلم، فلما كان في سنة تسع وعشرين ومئة، كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسًا من النقباء، فلما صار بالدَّنْدانقان من أرض خُراسان عرض له كامل - أو أبو كامل - قال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، ثم خلا به أبو مسلم، فدعاه فأجابهم، وكفّ عنهم، ومضى أبو مسلم إلى بيوَرْد، فأقام بها أيامًا، ثم سار إلى نَسا؛ وكان بها عاصم بن قيس السُّلميَ عاملًا لنصر بن سيار الليثيّ؛ فلما قرب منها أرسل الفَضْل بن سليمان الطوسيّ إلى أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريةً من قرى نَسا، فلقي رجلًا من الشيعة يعرفه، فسأله عن أسيد، فانتهره، فقال: يا عبد الله، ما أنكرت من مسألتي عن منزل رجل؟ قال: إنه كان في هذه القرية شرّ، سَعَى برجلين قدما إلى العامل، وقيل: إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان. فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكَّب الطريق، وأخذ في أسفل القُرى، وأرسل طرخان الجمّال إلى أسيد، فقال: ادعُه لي ومَن قدرتَ عليه من الشيعة، وإياك أن تكلم أحدًا لم تعرفه، فأتى طرخان أسيدًا فدعاه، وأعلمه بمكان أبي مسلم، فأتاه فسأله عن الأخبار، قال: نعم، قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتبٍ من الإمام إليك، فخلّفا الكتبَ عندي وخرجا، فأخِذَا فلا أدري مَنْ سعى بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس، فضربالمهاجرين عثمان وناسًا من الشيعة، قال: فأين الكتب؟ قال: عندي، قال: فائْتني بها [فأتاه بالكتب فقرأها]. قال: ثم سار حتى أتى قُومِس، وعليها بيهس بن بُديل العِجليّ، فأتاهم بَيْهس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، قال: أفمعكم فضل بِرْذون تبيعونه؟ قال أبو مسلم: أما بيعًا فلا؛ ولكن خذ أيّ دوابَنا شئت؛ قال: اعرضوها عليّ، فعرضوها، فأعجَبَه برْذون منها سَمَنْد، فقال أبو مسلم: هو لك، قال: لا أقبله إلّا بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمئة، قال: هو لك، وأتاه وهو بقومِس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير؛ وكان في كتاب أبي مسلم: إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك كتابي، ووجّهْ إليّ قَحطبة بما معك يوافني به في الموسم، فانصرف أبو مسلم إلى خُراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام، فلما كانوا بنَسا عرض لهم صاحب مَسْلحة في قرية من قُرى نَسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحجّ، فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلَميّ، فسألهم فأخبروه، فقال: [ارتحلوا وأمر] المفضل بن الشرقي السلميّ - وكان على شُرطته - أن يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال: ارتحلوا على مَهل، ولا تعجلوا، وأقام عندهم حتى ارتحلوا. فقدم أبو مسلم مرْو في أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه أن أظهرْ دعوَتك ولا تربّص، فقد آن ذلك، فنصبوا أبا مُسلم، وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعْوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى مَنْ قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم، ونزل أبو مُسلم قريةً من قرى خُزاعة يقال لها سفيذنج، وشيبان والكِرمانيّ يقاتلان نصر بن سيار، فبثّ أبو مسلم دعاتَه في الناس، وظهر أمره، وقال الناس: قدم رجل من بني هاشم، فأتوْه من كلّ وجه، فظهر يومَ الفطر في قرية خالد بن إبراهيم، فصلى بالناس يوم الفِطر القاسم بن مجاشع المَرائيّ، ثم ارتحل فنزل بالين - ويقالى قرية اللين - لخزاعة، فوافاه في يوم واحد أهلُ ستين قرية، فأقام اثنين وأربعين يومًا؛ فكان أوّلى فتح أبي مسلم من قبَل موسى بن كعب في بيوَرْد، وتشاغل بقتل عاصم بن قيس، ثم جاء فتح من قبل مَرْوالرّوذ.قال أبو جعفر: وأما أبو الخطاب فإنه قال: كان مقدم أبي مسلم أرض مَرْو منصرفًا من قومِس، وقد أنفذ من قُومِس قحطبة بن شبيب بالأموال التي كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بن محمد، وانصرف إلى مَرْو، فقدمها في شعبان سنة تسع وعشرين ومئة لتسع خلوْن منه يوم الثلاثاء، فنزل قرية تدعى فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين النّقيب، وهي قرية أبي داود النقيب، فوجّه منها أبا داود ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلْخ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان من عامهم، ووجّه النّضر بن صبيح التميميّ ومعه شريك بن غضيّ التميميّ إلى مَرْوالرّوذ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان، ووجّه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدّعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يُظهِروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومَنْ شغلهم عدوّهم عَن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت. ثم تحوّل أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن أعين، فنزل على سليمان بن كثير الخُزاعيّ في قريته التي تدعى سَفيذنج من رُبع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومئة؛ فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يُدعى الظلّ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الرّاية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعًا، وهو يتلو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، ولبس السوّاد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، منهم غيلان بن عبد الله الخُزاعيّ - وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير - ومنهم حُمَيد بن رزين وأخوه عثمان بن رُزين، فأوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان - وكانت العلامة بين الشيعة - فتجمعوا له حين أصبحوا مُغِذّين، وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أن السحاب يطبّق الأرض؛ وكذلكَ دعوة بني العباس، وتأويل الظلّ أن الأرض لا تخلو من الظلّ أبدًا، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسيّ أبد الدهر.وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مَرْو بمن أجاب الدعوة؛ وكان أوّل مَنْ قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح الهُرْمُزْفرّيّ عيسى بن شُبيل في تسعمئة رجل وأربعة فرسان، ومن أهل هُرْمُزفرّة سليمان بن حسان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان، وبُويع مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردي ومحمد بن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوبانيّ في ألف وثلثمئة راجل وستة عشر فارسًا، ومنهم من الدّعاة أبو العباس المرّوزيّ وخذام بن عمّار وحمزة بن زُنيم، فجعل أهل السقادم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن إبراهيم يُجيبونهم بالتكبير؛ فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج؛ وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين، وأمر أبو مسلم أن يُرَمّ حصن سفيذنج ويحصّن ويدرّب؛ فلما حضر العيد يوم الفطرْ بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرًا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أميّة تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة فيخطبون على المنابر جلوسًا في الجمعة والأعياد - وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبّر الركعة الأولى ستّ تكبيرات تِباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكانت بنو أمية تكبر في الرّكعة الأولى أربع تكبجرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات (١) فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مُسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم الخراسانيّ، فطعموا مستبشرين، وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب: للأمير نصر؛ فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه، فكتب: إلى نصر: أما بعد، فإن الله تباركأسماؤه وتعالى ذكره عيّر أقوامًا في القرآن فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]. فتعاظم نصرٌ الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه [وأطال الفكرة] وقال: هذا كتاب له جواب، فلما استقرّ بأبي مسلم معسكره بالماخُوَان أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقًا بجِيرَنْج، ويجتمع إليه أصحابه ومَنْ نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادّة نصر بن سيار من مروالروذ وبلخ وكُور طخارستان. ففعل ذلك محرز بن إبراهيم، واجتمع له في خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلًا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض مَنْ فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجّه أبو صالح حُميدًا الأزرق لذلك، وكان كاتبًا، فأحصى في خندق محرز ثمانمئة رجل وأربعة رجال من أهل الكفّ؛ وكان فيهم من القوّاد المعروفين زيادة بن سيّار الأزديّ من قرية تدعى أسبِوادق من ربع خرقان، وخِذام بن عمار الكنديّ من ربع السقادِم ومن قرية تدعى بالأوايق، وحنيفة بن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هَراة، وكان يجلب الغنم إلى مَرْو، وحمزة بن زُنيم الباهليّ من ربع خرقان من قرية تدعى ميلاذ جرد، وأبوه هاشم خَليقة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جُوبان وأبو خَديجة جيلان بن السغديّ وأبو نُعيم موسى بن صبيح، فلم يزل محرز بن إبراهيم مقيمًا في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مَرْو، وعطل الخندق بماخُوَان وإلى أن عسكر بمارسَرْجَس يريد نيسابور؛ فضمّ إليه محرز بن إبراهيم أصحابه؛ وكان من الأحداث، وأبو مسلم بسَفيذنْج، وكان نصر بن سيار وجّه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرًا من ظهوره، فوجّه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخُزاعيّ ومَعه مصعب بن قيس، فالتقوْا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك إلى الرّضا من آل رسول الله ﷺ، فاستكبروا عن ذلك، فصافّهم مالك وهو في نحو من مئتين من أوّل النهار إلى وقت العصر. وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضّبيّ وإبراهيم بن يزيد وزياد بنعيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتْهم الأمداد، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفًا، فاجتلدوا جلادًا صادقًا، وصبر الفريقان، فقتِل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلًا، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبدُ الله الطائيّ - على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجّه أبو نصر عبدَ الله الطائيّ بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرؤوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزيّ وأبو عمرو الأعجميّ، فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنُصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلميَّ إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نَصْر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقُدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جِراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالمًا، وأعطنا عهد الله ألّا تحاربنا وألّا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت؛ فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق، وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح، فإنَّا عندهم على [غَير] الإسلام. وقدم يزيد على نصر بن سيار؛ فقال: لا مرحبًا بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلّا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننتَ، وقد استحلفوني ألّا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيرًا، ويدعون إلى ولاية رسول الله ﷺ؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاي أعتقتنِي من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان. [٧/ ٣٥٣ - ٣٥٩]. * * * قال أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خُراسان وشخوصه عنها وعودِه إليها بعد الشخوص قولًا خلافقولهم؛ والذي قال في ذلك: إنّ إبراهيم الإمام زوّج أبا مسلم لما توجّه إلى خراسان ابنةَ أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خُطَرْنِيَة، من سواد الكوفة، وكان قَهرمانًا لإدريس بن معقل العِجْلى، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن عليّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد بن عليّ فقدم خُراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خَلْف نهر بَلْخ - فلما انصرف أبو داود، وقدم مَرْو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجَّهه، فأخبروه أن سليمان بن كثير ردّه، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجَّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجَّتكم في ردّه؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفًا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على مَنْ دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله ﵎ اختار محمدًا ﵌ وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحدٌ ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ الله تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه، وشرّع فيه شرائعه، وسنّ فيه سننه، وأنباه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أن الله ﷿ قبضه إليه بعدما أدّى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قال: أفتظنّون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رُفع معه أو خلّفه؟ قالوا: بل خلّفه، قال: أفتظنونه خلّفه عند غير عِتْرته، وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل أحدٌ منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالًا، ورأى الناس له مجيبينَ بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لستُ أقول لكم فعلتم، ولكن الشيطان ربما نَزع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون. قال: فهل فيكم أحدٌ بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عِتْرة النبي ﷺ؟ قالوا: لا، قال: أفتشكُّون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراثرسول الله ﷺ؟ قالوا: لا، قال: فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم (١). فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود؛ وولَّوْه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا، ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود، وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبِلوا ما جاء به، وبثّ الدعاة في أقطار خُراسان؛ فدخل الناس أفواجًا، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيَه بالموسم في هذه السنة - وهي سنة تسع وعشرين ومئة -، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقَحْطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمئة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامَّتها عَروضًا من متاع التجار؛ من القوهيّ والمرْويّ والحرير والفِرْند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها في الأقبية المحشوّة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مُجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلًا، وتحمَّل من قُرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بَغْلًا، وحمل على كلّ بغل رجلًا من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبيوَرْد. فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نَهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلًا، ثم ارتحلوا من أبيورَدٌ؛ حتى انتهوْا إلى قرية يقال لها قافس؛ من قرى نَسا، فبدث الفضل بن سليمان إلى أندومان - قرية أسِيد - فلقي بها رجلًا من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخِذ، فأخِذَ معهالأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فَضْالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحمِلوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروريّ، فحبسهم، وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوْا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسَا؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيَه به، أتاه بالكتاب وبلواءٍ وراية؛ فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه؛ وأن يظهر الدعوة، فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرؤوس ومعه أهل أبيوَرْد الذي قدموا معه. وبلغ ذلك عاصمَ بن قيس الحروريّ، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من أصحابه من التجار، وسأله أن يخلِّيَ سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرْطًا على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم، فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام، وأمرهم بإظهار الدعوة؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ وزُرَيق بن شَوْذب وَمَنْ قدم عليه من أبيَورْد، وأمر مَن انصرف بالاستعداد، ثم سار فيمن بقي من أصحابه ومعه قَحْطَبة بن شبيب؛ حتى نزلوا تُخوَم جُرجان؛ وبعث إلى خالد بن بَرْمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قِبَلهما من مال الشّيعة، فقدما عليه؛ فأقام أيامًا حتى اجتمعت القوافل. وجَهّز قحطبة بن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمَن معه حتى انتهى إلى نَسَا، ثم ارتحل منها إلى أبيوَرْد حتى قدمَها؛ ثم سار حتى أتى مَرْو متنكرًا، فنزل قرية تدعى فَنين من قرى خُزاعة لسبعِ ليال بقين من شهر رمضان؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافُوه بمَرْو يوم الفِطْر. ووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طَخَارستان، والنضر بن صبيح إلى آمل وبخُارى ومعه شريك بن عيسى، وموسى بن كعب إلى أبيوَرْد ونَسا، وخازم بن خزيمة إلى مَرْورُوذ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميميّ يوم -العيد؛ في مصلّى آل قَنْبر؛ في قرية أبي داود خالد بن إبراهيم. [٧/ ٣٦٠ - ٣٦٣]. * * *
- reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 4323, entry [1605]344 chars
ث، وقال لخالد بن عبد الرحمن: ما نفعل شعارَنا غدًا؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبيًّا فقاتل عدوًّا له، فكان شعاره "حم لا ينْصَرون"، فكان شعارهم "حم لا ينصرون"، وعلامتهم على الرّماح الصوف. وكان سلْم بن أحْوَز وعاصم بن عُمير وقَطَن وعَقِيل بن معقل ومسلم بن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارّية ويحيى بن حُضَين ورب
- reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 4323, entry [1605]345 chars
ر بهذا الكلام! قال: دَعْه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز - وهو من أهل قرية على نهر مَرْو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية، قإنه قد أطلّ أمرٌ عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يُظهر السواد، ويدعو إلى دوْلة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون، فقال نصر: ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين، وجّهتُ إلى الحارث