محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 226, entry [134]5,658 chars
ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وذكر من كان في عصره من ملوك العجم قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم أقبل عليهم كما قال الله ﷿: ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. ثم جعل يكسرهنّ بفأسفي يده، حتى إذا بقيَ أعظمُ صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنَّ، فلما رجع قومه رأوّا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك، فأعظموه و…
▸ expand full passage (5,658 chars)ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وذكر من كان في عصره من ملوك العجم قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم أقبل عليهم كما قال الله ﷿: ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. ثم جعل يكسرهنّ بفأسفي يده، حتى إذا بقيَ أعظمُ صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنَّ، فلما رجع قومه رأوّا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك، فأعظموه و ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم ذكروا فـ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ - يعنون فتىً يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدًا يقولُ ذلك غيرهُ، وهو الذي نظن صنع هذا بها. وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: ما يصنع به (١). (١: ٢٣٨/ ٢٣٩). رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: فلما أتيَ به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود، قالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهنّ، فارعوَوْا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسْرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال: ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أي لا يتكلمون فيخبرونا: مَنْ صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدقك، يقول الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أي نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال: وحاجَّهُ قومه عند ذلك في الله جلَّ ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتهم خير مما يعبد، فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، إلى قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبَرَ، ليعلموا أن الله هو أحقّ أن يُخاف ويُعبد مما يعبدون من دونه (٢) (٣). (١: ٢٣٩/ ٢٤٠).قال أبو جعفر: ثم إن نمرود -فيما يذكرون- قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، وتذكره من قدرته التي تعظِّمه بها على غيره ما هو؟ ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَا﴾، فقال نمرود: فأنا ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجُلين قد استوجبَا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمتُّه، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته، فقال له إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، فعرف أنه كما يقول، فبُهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئًا، وعرف أنه لا يطيق ذلك. يقول الله ﷿: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، يعني وقعت عليه الحجة. قال: ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في إبراهيم فقالوا: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (١). (١: ٢٤٠). حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ: قال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وبينا هو يسير في أرض جَبَّار من الجبابرة، إذ نزل منزلًا، فأتى الجبَّارَ رجلٌ فقال: إن في أرضك -أو قال: ها هنا- رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسلَ إليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي، قال: اذهب فأرسلْ بها إليّ، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذّبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرُك، قال: فانطلق بها وقام إبراهيم ﵇ يصلِّي قال: فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها، فأخذَ أخذًا شديدًا، فقال: ادعِيالله ولا أضرّك، فدعت له فأرسل فأهوى إليها فذهب يتناولها، فأخِذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله ولا أضرّك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل. قال: فدعا أدنى حُجّابه فقال: إنكَ لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعْطِها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت بها، فلما أحسّ إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! وأخدم هاجر". قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (١). (١: ٢٤٥/ ٢٤٦). حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يقل إبراهيم شيئًا قطّ "لم يكن" إلا ثلاثًا: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ لم يكن به سقم، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال: مَنْ هذه المرأة معك؟ قال: أختي، قال: فما قال إبراهيم ﵇ شيئًا قطّ "لم يكن" إلا ذلك" (٢). (١: ٢٤٦). حدثني سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يكذب إبراهيم في شيء قطّ إلا في ثلاث ... ". ثم ذكر نحوه (٣). (١: ٢٤٦).حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله في سارة: هي أختي" (١). (١: ٢٤٦). حدثني ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيّب بن رافع، عن أبي هريرة قال: ما كذب إبراهيم ﵇ غير ثلاث كذباب: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وإنما قاله موعظة وقوله حين سأله الملك فقال: أختي -لسارة- وكانت امرأته (٢). (١: ٢٤٧). حدثني يعقوب، قال: حدثني ابن عُليَّة، عن أيوب، عن محمد، قال: إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذباب: ثنتان في الله، وواحدة في ذات نفسه، وأما الثنتان فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقصته في سارة. وذكر قصتها وقصة الملك (٣). (١: ٢٤٧). حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذمة ورَحِمًا" (٤). (١: ٢٤٧).
- exact linked passagemedium confidencepage 2027, entry [968]20,282 chars
ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وذكر من كان في عصره من ملوك العجم ٣٤٦ - إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخْشَد بن سام بن نوح. واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي وُلد ف…
▸ expand full passage (20,282 chars)ذكر إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وذكر من كان في عصره من ملوك العجم ٣٤٦ - إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخْشَد بن سام بن نوح. واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي وُلد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسُّوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السَّواد. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كُوثَى. وقال بعضهم: كان مولده بالوَرْكاء بناحية الزوابي وحدود كَسْكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نُمْرود من ناحية كُوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحرّان، ولكن أباه تارخ نقَله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد إبراهيم ﵇في عهد نمرود بن كوش. ويقول عامة أهل الأخبار: كان نمرود عاملًا للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إليه على أرض بابل وما حولها. وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون: كان ملكًا برأسه، واسمه الذي هو اسمه فيما قيل: زرهي بن طهماسلفان (١). (١: ٢٣٣). ٣٤٧ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن آزر كان رجلًا من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملكُ المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له: الهاصر، وكان مُلْكه - فيما يزعمون - قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس. قال: ويقال: لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك: نُمْرود بن أرغوا، وذي القرنين، وسليمان بن داود (٢). (١: ٢٣٣). وقال بعضهم: نمرود هو الضحّاك نفسه. ٣٤٨ - حدّثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم: أن الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٣). (١: ٢٣٤). ٣٤٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: إن أول ملكٍ مَلَكَ في الأرض شرقها وغربها نُمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبخت نصّر: مؤمنان وكافران (٤). (١: ٢٣٤).٣٥٠ - وقال ابن إسحاق فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق: فلما أراد الله ﷿ أن يبعث إبراهيم ﵇ خليل الرحمن حجة على قومه ورسولًا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم ﵉ من نبيّ قبله إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد أتى أصحابُ النجوم نمرود، فقالوا له: تعلَّم أنا نجد في علمنا: أن غلامًا يُولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينَكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حُبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية - حَدَثة فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم ﵇، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سَدّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه. يزعمون - والله أعلم - أن الله جعل رزقَ إبراهيم ﵇ فيها ما يجيئه من مصّه، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات. فصدّقها فسكت عنها، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة؛ ولم يمكث إبراهيم ﵇ في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق المسموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله غيره. ثم نظر في السماء ورأى كوكبًا، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، ثم أتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾، ثم اطلع للقمر فرآه بازغًا فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ثم اتبعه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كلّ شيء رآه قبل ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبَرِيء من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، فأخبرته أمّ إبراهيم ﵇ أنه ابنه، فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسرّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا، وكان آزر يصنع أضنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم ﵇ فيما يذكرون فيقول: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه! فلا يشتريها منه أحد، فإذا بارتْ عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيه رؤوسها، وقال: اشربي - استهزاء بقومه، وبما هم عليه من الضلالة - حتى فشا عَيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته. من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يباديَ قومه بخلاف ما همْ عليه وبأمر الله والدعاء إليه ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول الله ﷿: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي طَعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد. فلما خرجوا عنه خالفَ إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرَّب لها طعامًا؛ ثم قال: ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون! تعييرًا في شأنها واستهزاء بها (١). (١: ٢٣٤/ ٢٣٥ / ٢٣٦). ٣٥١ - وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن أناس من صحاب النبي: كان من شأن إبراهيم ﵇: أنه طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عنه، فقالوا: يخْرُج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك مُلكك - وكان مسكنه ببابل الكوفة - فخرج من قريته إلى قرية أخرى، فأخرج الرجال وترك النساء، وأمر ألَّا يُولد مولود ذكر إلا ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله. فقال له: انظر لا تواقعْ أهلك، فقال لهآزر: أنا أضَنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أور، فجعلها في سَرَب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسيَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابنًا قد خبأته، أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا، فائْتِ به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السَّرَب نظر إلى الدوابّ والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بَعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنه فرس، وعن الشاة أنها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حينَ خرج من السَّرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسَه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، فلم يلبث أن غاب، فَقَال ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي لا أحبُّ رَبًّا يغيب. قال ابن عباس: وخرَج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغًا قد طلع فقال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يقول: غاب، ﴿قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، فلما غابت قال الله له: أسلم، قال: قد أسلمت لرب العالمين. ثم أتى قومه فدعاهم فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾. يقول: مخلصًا: فجعل يدعو قومَه وينذرهم. وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولَدَه فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤﴾ قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا. ثم قال له أبوه: يا إبراهيم، إن لنا عيدًا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول: أشتكي رجليّ، فتوطؤوا رجليه،وهو صريِع، فلما مضوْا نادى في آخرهم وقد بقِيَ ضَعْفي الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو في بهْو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغرُ منه، حتى بلَغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعامًا، فوضعوه بين يدي الآلهة، قالوا: إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الالهة في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم ﵇، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربًا باليمين، فأخذ حديدةً فبقَر كلَّ صنم في حافتيه، ثم علّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (١). (١: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨). ٣٥١ / أ - فكان جماعة من أهل التأويل، منهم قَتادة والسُّديّ يقولون في ذلك: لعلّهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك، وقالوا: كرهوا أن يَأخذوه بغير بيّنه (٢). (١: ٢٣٩). ٣٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مجاهد، قال: تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد مَن الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من أعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكرْدُ هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٣). (١: ٢٤٠). ٣٥٣ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ قال: قالها رجل من أعراب فارس -يعني الأكراد (٤). (١: ٢٤٥).٣٥٤ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وَهب بن سليمان، عن شعيب الجُبّاليّ، قال: إن اسمَ الذي قال حرّقوه "هينون"، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (١) (١: ٢٤١). ٣٥٥ - ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فأمر نمرود، بجمْع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم -فيما يُذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحبّ أن تدرك: لئن أصابته لتحطبنّ في نار إبراهيم التي يحرَق بها احتسابًا في دينها، حتى إذا أرادوا أن يُلقُوه فيها قدّموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثَّقَلين - فيما يذكرون - إلى الله ﷿ صيحةً واحدة: أيّ ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرَق بالنار فيك! فَائْذَن لنا في نُصرته، فيذكرون - والله أعلم - أن الله ﷿ حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصْره، فقد أذنت له في ذلك، فإنْ لم يدعُ غيري فأنا وليُّه، فخلُّوا بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوْه فيها قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، فكانت كما قال الله ﷿ (٢). (١: ٢٤١). ٣٥٦ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ قال ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبًا حتى أنْ كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبًا لإبراهيم، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهجَها وحرّها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا! إبراهيم يحرَق فيك. فقال: أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنا الواحد فيالأرض، ليس في الأرض أحد يعبُدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. وكان جَبْرئيل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفِئَتْ، ظنت أنها تُعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجْره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظلّ، وأنزل الله نارًا وانتفع بها بنو آدم، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه (١). (١: ٢٤١/ ٢٤٢). ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ٣٥٧ - قال: وبعَث الله ﷿ ملك الظلّ في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه، فمكث نُمرود أيامًا لا يشكّ إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه، ثم ركب فمرّ بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم جالسًا فيها إلى جنبه رجلٌ مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رأيتُ إبراهيم حيًّا في النار، ولقد شُبِّه عليّ، ابنُوا لي صَرْحًا يشرِف بي على النار حتى أستثبت، فبنوْا له صَرْحًا، فأشرف عليه فاطّلع منه إلى النار، فرأى إبراهيم جالسًا فيها، ورأى الملك قاعدًا إلى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرودُ: يا إبراهيم! كبيرٌ إلهك الذي بلغْت قدرتُه وعزته أن حال بين ما أرى وبينك، حتى لم تضرّك يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم واخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال: يا إبراهيم! مَن الرجلُ الذي رأيتُ معك في مثل صورتك قاعدًا إلى جنبك؟ قال: ذلك مَلك الظل، أرسله إليّ ربي ليكون معي فيها ليؤنسني، وجعلها عليّ بردًا وسلامًا. فقال نمرود - فيما حدثت -: يا إبراهيم! إني مقرّب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من عزَّته وقدرته،ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادتَه وتوحيده؛ إني ذابح له أربعة آلاف بقرة. فقال له إبراهيم: إذًا لا يقبَل الله منك ما كنتَ على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني! فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع تركَ ملكي، ولكنِّي سوف أذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كفّ عن إبراهيم، ومنعه الله ﷿ منه (١). (١: ٢٤٢/ ٢٤٣). ٣٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسنَ شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربُّ ربُّك يا إبراهيم (٢)! (١: ٢٤٣). ٣٥٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا مُعْتَمر بن سليمان التيميّ، عن بعض أصحابه قال: جاء جَبْرئيل إلى إبراهيم ﵇ وهو يُوثَق ويقمَط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا (٣). (١: ٢٤٣). ٣٦٠ - حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثني المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن أبي سليمان، قال: ما أحرقَت النار من إبراهيم إلا وثاقه (٤). (١: ٢٤٣). ٣٦٠ / أ - قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم ﵇ رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له: ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا بنت بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان. وآمنت به سارَة وهي ابنة عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وكانت لها أختيقال لها: ملكا امرأة ناحور (١). (١: ٢٤٤). وقد قيل: إن سارَة كانت ابنة ملك حرّان. ذكر من قال ذلك: ٣٦١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حَرَّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزَوجها على ألّا يغيّرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلي دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا! فأبي أبوه الإجابة إلي ما دعاه إليه. ثم إن إبراهيم ومَنْ كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، أيها المعبودون من دون الله ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ أيها العابدون ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ثم خرج إبراهيم مهاجرًا إلي ربّه وخرج معه لوطٌ مهاجرًا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان علي عبادة ربه حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى. وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال، وكانت لا تعصي إبراهيم شيئًا، وبذلك أكرمها الله ﷿، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلي إبراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتلَه عنها. فقال لإبراهيم: زيّنها، ثم أرسلْها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلي سارة وأمرها فتهيأت، ثم أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده، فيبست إلي صدره، فلما رأي ذلك فرعون أعظمَ أمرها، وقال: ادعي الله أن يطلق عني، فوالله لا أريبك ولأحسنَنّ إليك، فقالت: اللهمّ إن كان صادقًا فأطلق يده، فأطلق الله يده، فردّها إلي إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية كانت له قبطية (٢). (١: ٢٤٤/ ٢٤٥).٣٦١ / أ- قال أبو جعفر: رجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق. قال: وكانت هاجر جارية ذات هيئة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: إني أراها امرأة وضيئة فخذها، لعلَّ الله يرزقك منها ولدًا، وكانت سارّة قد مُنِعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنّت، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يَهبَ له من الصالحين، وأخرت الدعوة حتى كبِر إبراهيم وعقمت سارة، ثم إن إبراهيم وقع علي هاجر، فولدت له إسماعيل ﵉ (١). (١: ٢٤٧). ٣٦٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: سألت الزهريّ: ما الرحم التي ذكر رسول الله لهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. فيزعمون -والله أعلم- أن سارة حزنت عند ذلك علي ما فاتها من الولد حزنًا شديدًا، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلي الشام، وهاب ذلك الملك الذي كان بها، وأشفق من شرّه حتى قدمها، فنزل السَّبْع من أرض فلسطين، وهي بريّة الشأم، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السَّبْع علي مسيرة يوم وليلة. وأقرب من ذلك، فبعثه الله ﷿ نبيًّا، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسَّبع، فاحتفر به بئرًا واتخذ به مسجدًا، فكان ماء تلك البئر معينًا طاهرًا، فكانت غنمه ترِدُها. ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذي، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرَّملة وإيليا، ببلد يقال له قَطّ -أو قِطّ- فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب. واتبعه أهلُ السبع، حتى أدركوه وندموا علي ما صنعوا، وقالوا: أخرجْنا من بين أظهرنا رجلًا صالحًا، فسألوه أن يرجع إليهم، فقال: ما أنا براجع إلي بلد أخْرِجت منه، قالوا له: فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضِب فذهب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون مَعينًا طاهرًا كما كان، فاشربوا منها، فلا تَغترفنّ منها امرأةٌ حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما وقفت علي البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها وهي علي ذلك، حتى أتت امرأة طامث، فاغترفتْ منها، فنكص ماؤها إلي الذي هو عليه اليوم، ثم ثبت.قال: وكان إبراهيم يُضيف من نزل به، وكان الله ﷿ قد أوسع عليه، وبسط له في الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله ﷿ هلاك قوم لوط، بعث إليه رسلَه يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردّهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربِّهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا علي إبراهيم، وأنْ يبشّروه وسارة بإسحاق، ومنْ وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا علي إبراهيم وكان الضيفُ قد حُبِس عنه خمس عشرة ليلة حتى شقَّ ذلك عليه -فيما يذكرون- لا يضيفه أحد، ولا يأتيه، فلما رآهم سرّ بهم رأي ضيفًا لم يضفه مثلهم حسنًا وجمالًا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحدٌ إلا أنا بيدي، فخرج إلي أهله، فجاء كما قال الله ﷿: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ قد حَنَذه -والحناذ: الإنضاج يقول الله جل ثناؤه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فقرّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم عنه، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ حين لم يأكلوا من طعامه، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ لما عرفت من أمر الله ﷿، ولما تعلم من قوم لوط، فبشّروها ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بابن، وبابن ابن، فقالت- وَصَكّت وَجْهَهَا، يقال: ضربت علي جبينها: ﴿يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. وكانت سارَة يومئذ- فيما ذكر لي بعض أهل العلم- ابنةَ تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومئة سنة، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق ويعقوب يولد من صلب إسحاق وأمنَ ما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ (١). (١: ٢٤٧/ ٢٤٨ / ٢٤٩). ٣٦٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائيّ، قال: ألقيَ إبراهيمُ في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا علي ميلين، فلما علمتْ سارة بما أراد بإسحاق مرِضت يومين، وماتت اليوم الثالث، وقيل: ماتت سارةوهي ابنة مئة وسبع وعشرين سنة (١). (٢٤٩: ١). ٣٦٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قومَ لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا علي إبراهيم، فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيمُ أجَلّهمْ، فراغ إلي أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرَّضف وهو الحنيذ حين شواه، وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول جلّ ثناؤه: (وامرأته قائمة وهو جالس) في قراءة ابن مسعود، فلما قرَّبه إليهم قال: ألا تأكلون! قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله علي أوَّله وتحمدونه علي آخره، فنظَر جبرئيل إلي ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ﴾ يقول: لا يأكلون، ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا! هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! (٢) (١: ٢٤٩/ ٢٥٠).
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 2027, entry [968]344 chars
ه أن وقع عليها؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أور، فجعلها في سَرَب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسيَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من
- reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 2027, entry [968]347 chars
ف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حُبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية - حَدَثة فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبرا