إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 1947, entry [785]3,402 chars
وممن توفي فيها من الأعيان وزير المالية والاقتصاد بعد عبد الله بن سليمان محمد سرور الصبان كانت وفاته في اليوم ٢ من شهر ذي الحجة من هذه السنة بمصر ثم نقل جثمانه من القاهرة إلى مكة الكرمة حيث عاش فيها ودفن في ٣/ ١٢ أي من الغد ﵀ وعفا عنه. ولد سنة (١٣٦١ هـ) بالقنفذة وكان أسمر اللون جدًّا شجاعًا مقدامًا ي…
▸ expand full passage (3,402 chars)وممن توفي فيها من الأعيان وزير المالية والاقتصاد بعد عبد الله بن سليمان محمد سرور الصبان كانت وفاته في اليوم ٢ من شهر ذي الحجة من هذه السنة بمصر ثم نقل جثمانه من القاهرة إلى مكة الكرمة حيث عاش فيها ودفن في ٣/ ١٢ أي من الغد ﵀ وعفا عنه. ولد سنة (١٣٦١ هـ) بالقنفذة وكان أسمر اللون جدًّا شجاعًا مقدامًا يلبس العقال الأسود فوق غترة الصوف المزركشة الثمينة طوالًا سبط الكفين ومن رجالات المملكة السعودية. أما الوظائف التي نالها فقد عين موظفًا في بلدية مكة في عهدالحسين بن علي ثم انتقل إلى الأعمال الحرة ثم عين بوزارة المالية السعودية ثم رقي إلى مدير عام فوكيل وزارة ثم عين مستشارًا عامًّا بوزارة المالية ثم عين بعد الوزير ابن سليمان وزيرًا في المالية والاقتصاد الوطني عام (١٣٧٤ هـ) ومن حسناته الخالدة مكتبته بمكة المكرمة، وله كتاب المعرض وهو معرض لآراء طائفة اختارها من الأدباء والمعاصرين وله اليد الطولى في طباعة مصحف مكة فكان قد عهد إلى الأستاذ طاهر الكردي المكي الخطاط بكتابة المصحف الشريف فلما أن أتم كتابته عهد إلى لجنة علمية شكلها بأن تراجع المصحف المخطوط وبعدما تمت المراجعة عهد إلى المطبعة العربية بمكة وكان هو مؤسسها بأن تقوم بطبع هذا المصحف على الانتهاء، وقد كانت الصاحف تطبع في القسطنطينية ثم مصر وسوريا وغيرها فهو أول من قام بطبعها في هذه البلاد السعودية، وطبع تهذيب الصحاح أجمل طبعة وأصحها وأسس بموافقة الملك المغفور له عبد العزيز جمعية الإسعاف الوطني بمكة المكرمة، وطبع ديوان فؤاد الخطيب طبعة مشكلة جامعة وذلك في سنة (١٣٧٨ هـ) وطال مكث كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للمؤرخ الفاسي بين المخطوطات وهو كتاب ضخم ويحتاج إلى نفقة عظيمة فما زال يوالي مجهودًا في نشر أجزاء الكتاب حتى كمل في ثماني مجلدات وكان لما أسس جمعية الإسعاف لم يكتف بذلك بل تجاوزها إلى مهمة إسعاف فكرية وروحية فأقام بها ناديًا يتبارى فيه العلماء والأدباء المحاضرون حتى أصدر كتابًا يحمل اسم المجموعة الأولى (١٣٥٧ هـ) محاضرات الأسعاف حتى قال فيه عبيد مدني: قم والتمس معنى النتاج الصافي ... واستوح مغزاه من الإسعاف فيه شفاء للمريض ومادة ... للمستفيض ومنه للعافي من يأته من قاصد أو لاجئ ... يلقَ الرحاب فسيحة الأكناف وقالت عنه جماعة مشروع تحفيظ للقرآن الكريم لقد رزئت الجماعة بوفاته رزءًا عظيمًا فقد كانت هذه الجماعة منذ نشأتها مشمولة بعنايته وموضع اهتمامه وكان له فضل كبير في استمرار المساعدة الشهرية التي تتلقاها الجماعة من رابطة العالمالإسلامي والتي قررها المجلس التأسيسي للرابطة هذه المساعدة التي هي أول مساعدة تتلقاها الجماعة والتي استطاعت الجماعة بواسطتها أن تثبت أقدامها وأن تقيم هذا المشروع الخيري على دعائم ثابتة وعلى أسس متينة نعم قد قدمنا في السنة الماضية ما تبرعت به رابطة العالم الإسلامي لهذه الجماعة بحيث بذلت مائة ألف وثلاثين ألفًا إذ كان محمد سرور الصبان هو الأمين العام للرابطة إذ ذاك. وبعد وفاته تولى الشيخ محمد صالح قزاز أمانة الرابطة وسيأتي ذكر فضله عن قريب بعد أسطر ولقد أثنى الحجازيون على الفقيد الصبان وشنفوا الأَسماع بذكره ومن حسناته أنه سرقت راحلة أحد الحجاج بما عليها لما أن أناخها أمام باب الوداع ليقضي طواف الوداع فلما ذهب إليها لم يجد غير عقالها فجاء ذلك الموتور إلى أحد الرؤساء يشكو الحال وينزل به حاجته وفاقته باكيًا حزينًا ولكن ذلك الرئيس لم يسق الله له على يديه فرجًا ولا نصيبًا وكان المترجم إلى جانبه فخرج المسكين باكيًا مكسوف الحال فلحقه محمد سرور ووجده منطرحًا خلف الباب فسأله عن صحَّة فادحته فأقسم بالله العلي العظيم أنه صادق ولا يملك من مال الله شيئًا غيرها فذهب به إلى أمين الصندوق والصرف وأمره أن يصرف له راتبه لشهر ذي الحجة فخذ ما شئت أيها القارئ من جبر قلب هذا المفجوع براحلته وماله وإنا لنثني على أصحاب المكارم والإحسان ونخلد أذكارهم ونعترف بعاطفتهم حتى قال عنه نواد شاكر في تاريخه ليس بحاجة إلى تعريف لأنه في هذه الناحية يكاد يكون أبرز أنداده على الإطلاق وأطال في مدحه والثناء عليه.
- exact linked passagemedium confidencepage 1949, entry [786]9,281 chars
وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله بن محمد بن سعد بن عامر ﵀ وعفا عنه كانت ولادته في مدينة بريدة عام (١٣٢٤ هـ) فنشأ في أحضان والديه إذ كان أخواله آل هزاع ودخل على مقرئ في كتابه فأخذ في الدراسة وتعلم القرآن وكان من جملة تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم والدارسين عليه في حالة حاجة إذ لم يكن للطلا…
▸ expand full passage (9,281 chars)وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله بن محمد بن سعد بن عامر ﵀ وعفا عنه كانت ولادته في مدينة بريدة عام (١٣٢٤ هـ) فنشأ في أحضان والديه إذ كان أخواله آل هزاع ودخل على مقرئ في كتابه فأخذ في الدراسة وتعلم القرآن وكان من جملة تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم والدارسين عليه في حالة حاجة إذ لم يكن للطلاب مكافآتولما قام بعض الأجواد بعمارة مسجد ربيشة عام (١٣٤٩ هـ) جعل إمامًا فيه واستمر يزاول هذه الوظيفة ثلاث سنوات ثم أن الحكومة بعثته في جملة القضاة والأئمة والمرشدين إلى جهة عسير وما يليها عام (١٣٥٣ هـ) فذهب على مضض لأنه كان مولعًا ببلده ورفقته وكان صهرًا وصديقًا للأخ الشيخ عبد المحسن بن عبيد ومن خاصة أحبابه وأصدقائه وكنت أذكر أنه لم حج الأخ الشقيق عام (١٣٤١ هـ) لم يطق فراقه وجاء إلى والدنا يسأل عن وقت مجيئه وبكى فأقسم والدنا لو علمت بحرارة فراقه كذلك لجعلتك له مرافقًا، ولما أن ذهب في جملة الذاهبين إلى جهة اليمن كان إمامًا في أبي عريش وواعظًا ومرشدًا إذ كان القاضي في جهته الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان واستمر يزاول هذه الوظيفة في عام (١٣٥٨ هـ) حيث طلب من كانوا هناك من المبعوثين الرجوع إلى الوطن؛ لأن الطقس لم يوافق لصحتهم وشغل وظيفة إمامة مسجده في بريدة ثم إِن الحكومة اختارت أناسًا للدراسة على الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع في المسجد الحرام وللوعظ والإرشاد في مكة المكرمة فذهب من جملتهم أضف إلى ذلك أن كانوا أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولما رأى أن عمله كان شاسعًا عن نجد رحل بأهله وأولاده إلى مكة واستوطنوها ثم أنه بعث للقضاء في الدمام وزاولها ثلاث سنين ثم نقل إلى قضاء الموية وبعد تعيينه طلب الإقالة من قضاء المويه واقتضت الإرادة لما جعل الشيخ ابن مانع مديرًا عامًّا للمعارف وعين فضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم رئيسًا عامًّا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية أن يكون المترجم في الجهة الجنوبية رئيس هيئة الأمر بالمعروف هناك ثم نقل من هذه الوظيفة إلى أن يكون مفتشًا في رئاسة الهيئات بمكة المكرمة ولما تقدمت به السن أحيل على التقاعد قبل وفاته بسنة وكان كريم النفس طيب الأخلاق ثابتًا على دينه ومبادئه لا تغيره النقلات يداري ويعاشر ويتحمل في نفسه المشاق وله حظ من تلاوة القرآن وترتيله ولا يزال ناسكًا متمسكًا متقيدًا بتعاليم الشريعة ولما اشتعل شعره بالبياض لم يكن ليغيره أو يزيله فكان شديد بياض الشعر كث اللحيةويعلوه البهاء متسمًا بحلية العلماء ثم أنه أصيب قبل وفاته بثمانية شهور يتأثر في وجع إحدى رجليه وأجريت له فحوص طبية تبين منها أنه لا يخلو من مرض السكر ففعلًا استعمل الحمية واستمر في تقلباته وذهابه وإيابه غير أن صحته متأخرة ثم أصيب بمرض قلبي على إثر ذلك وفي يوم الاثنين الموافق ١٦ ذي القعدة من هذه السنة وهو آخر أيامه كان يشكو من قلبه رغم تردده إلى المستشفيات فطلب من أهله وقت الظهيرة أن يحضروا ملابسه وقال إني أريد أن أغتسل وأتطيب وأغير ملابسي لتكون رائحتي طيبة إذا غسلوني فقد كنت أظن أني أبيت هذه الليلة في قبري، ولما أن كان قبل الغروب بساعة من آخر النهار طلب حضور الطبيب وذهب إلى الحمام ثم خرج ودعا بابنه محمد الذي يلازمه وقد ذهب ليأتي بالطبيب وطلب ألا يأتي به وطلب حضور صهره زوج ابنته إليه ليراه ويجتمع به ولما خرج من الحمام جعل يتردد في أين يجلس في السطح أو المجلس لأن لا يصيبه لفح الريح بعد الاغتسال ثم غُشي عليه وقد جاء أهله إليه بالقهوة حسب طلبه غير أنها خرجت روحه مع غروب الشمس ليلة الثلاثاء ١٧/ ١١ رحمة الله عليه فغسلوه وكفنوه وصلى عليه المسلمون وقد رؤيت له منامات حسنة وكان سبطه سعد بن محمد يتلو هذه الآية بمناسبة وفاته ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ ولما قص على أهله صفة وفاته قلت هذه المرثية في الفقيد تغمده الله برحمته: أتيتِ بأخبار أبانت نهاية ... لأنفاس خل قد دهي بالطوارق وفيٍّ حفيظ بالوداد وثابت ... على دينه قد كان خير مسابق سلالة أنجاب ومن نسل عامر ... هو الصهر عبد الله ليس بماذق لقد عاش في الدنيا عزيزًا ومكرمًا ... نقيبته التقوى وحسن الخلائق وقد كان ذا صبر جميل وثابتًا ... وما كان يبدي دائمًا للخلائق ولكن نفس المرء تبلى وتنجلي ... طوايا تخبا عن صديق وصادق ينادي بأعلى الصوت جهرًا لنجله ... ملازمة في خدمة فعل صادقمحمد المذكور بالخير والندى ... شمائله كسب العلى في الحقائق لقد كان برًا في القرابة واصلًا ... وذا حشمة أمسى بها ذا تفاوق ألا أيها النجل ائتني بمعالج ... وسارع إلى جلب الطبيب وسابق فقد كنت مكروبًا ولا زلت خائفًا ... وفي علم مولى الخلق أمسى بطارق وقام كحيران يضيق به الفضا ... يردد أنفاسًا دهت باللواحق فما كان إلا ساعة ثم ناله ... سهام القضا المحتوم في جنح غاسق لست من الأيام من بعد عشرها ... بذي قعدة أمسى رهين الخنادق لإحدى وتسعين تلتها مئاتها ... ثلاثمئين بعد ألف مطابق فأفٍّ لذي الدنيا وإن ظلالها ... سريع انقلاص ليس يومًا برائق وأعظم بموت للحبيب وفرقة ... ورزء دهانًا بالحبيب المفارق فمن مثل عبد الله في الأنس والبها ... محاسنه فاقت كثير الخلائق بقية أفذاذ لعمري ومعشر ... سجيتهم بذل الندى والتصادق لقد عاش في التقوى ومذ شب يافعًا ... وكهلًا إلى غير النهي غير تائق حفيظًا على العهد القديم وثابتًا ... على مبدئ قد لا يميل لمارق فأهون بهذا الدهر خلا وصاحبًا ... لقد كان سلابًا لخل مرافق وليس بمأمون على الصحب والوفا ... سجيته سلب الصديق المصادق فسبحان ربي من جليل وقاهر ... يعيد ويبدي قاهر للخلائق يعاملنا ربي بفقد خيارنا ... ويبقى شرار الخلق من كل مارق على هذه الدنيا العفا بعد موته ... فكم سلبت أيدي الردى كل فائق وكم أبقت الأيام خبًا ومعشرًا ... وكم قد رأينا من عجيب الشقاشق فصبرًا بني الإسلام صبرًا على البلا ... فذو العرش جبار لطيف برامق وكل سيمضي ذاهبًا بعد ذاهب ... وغايتهم ذا لاحق بعد سابق وصل على المبعوث للناس رحمة ... بعد النجوم الغاربات الشوارق وآل وأصحاب على السير اقتفوا ... وأتباعهم من كل هادٍ وسابقوهذه أبيات للشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل جوابًا عليها: رثاء من الشيخ الأديب مؤثر ... مثير به اهتاج الأسى والتأثر هو الشهم إبراهيم ذو النبل والإخا ... أبوه عبيد العابد المتبصر عبيد بن عبد المحسن الصالح الذي ... محاسنه في الناس تروى وتذكر جزى الله إبراهيم خيرًا فإنه ... لذو العلم والتوفيق والله أقدر ففقه وتاريخ مع الوعظ والرثا ... علوم وآداب تصان وتنشر رثى الراحل الصهر الأديب أخا الوفا ... أبا عامر ما المرء عمرًا يعمَّر فلم يجعل الله الخلود لكائن ... من البشر الفاني تعالى المدبر وما هذه الدنيا جميعًا بأسرها ... لكل الورى إلا ممر ومعبر وكل ملاقٍ في المنية مصرعًا ... ألا كل شيء بالقضاء مقدر فما أبهج الحظ السعيد بفوزه ... وما أتعس المحروم والحظ أخسر معاذًا إلهي من شقاء وفتنة ... وغل وإعجاب هو الداء يحذر مضى الشيخ عبد الله نجل محمد ... حميد خصال والمحامد مفخر ولم ننس أيام الوفى ونبله ... ولطف سجايا لم يشبها التكدر وبرًا وآدابًا وحسن عقيدة ... وترتيل قرآن بصوت يحبر تغمده المولى بعفو ورحمة ... بإحسانه والله ذو المن يغفر لنا وله والمسلمين جميعهم ... وحمدًا لرب الكون والله أكبر وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله بن مشيقح، وهذه ترجمته: هو أحد زعماء مدينة بريدة عبد الله بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله آل مشيقح، ولد في مدينة بريدة سنة (١٣١٠ هـ) ونشأ في بيت والده نشأة حسنة فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية عند مؤدِّب يتعلم القرآن والكتابة وله من العمر ثمان سنوات وكان ذكيًا حفظ القرآن الكريم وحسن خطه ولازم والده منذ صغره في البيت والمسجد وعند سماع القراءة في مجالس الذكر في المساجد واشتغل بجانب والده في التجارة وحينما بلغ عمره العشرين أخذ في طلب العلم على الشيخعمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه تفسير القرآن وعلم التوحيد والفقه والفرائض والنحو والتاريخ كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ودرس عليه في الصحاح والسنن وكان مولعًا باستماع القراءة في البيت والمسجد في الكتب الدينية والتاريخ وغيرها طيلة حياته وعنده قوة ذاكرة واختير إمامًا لمسجدهم الذي كان يدعى مسجد عيسى في غربي مدينة بريدة وذلك في عام (١٣٤٠ هـ) وبصفتهم الذين أقاموا عمارته مرتين كان يعرف بمسجد الشيخ واستمر في إمامته إحدى وخمسين سنة تقريبًا حتى توفاه الله تعالى ولما أن كان صوته جهوريًا صدق عليه اسم البلبل المغرد ذلك لما كان حسن الصوت جهوريًا مرتلًا محبرًا فهو وحيد زمانه في علو الصوت ولا سيما ليالي الختم في شهر رمضان فإن المسجد يمتلئ بالمصلين رجالًا ونساءً ويختصونه لقراءة الكتب الواردة من الملك عبد العزيز في وقت الحروب لتوجيه الشعب وإبلاغه الأوامر الرسمية فكان صوته يسمع من مسافة بعيدة وقد تأثر بحب العلم والعلماء وحب الخير وأهله ومناصرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يؤيدهم ويساعدهم ويقف في صفهم ويتمتع بالأخلاق الفاضلة والسيرة الحميدة مع أدب وسعة رأي، باسم الوجه مقنعًا بحديثه سريع البديهة محترم الشخصية بارًا بوالديه ولاسيما لما أسن والده فإنه يجلس بين يديه متواضعًا متقيدًا بتوجيهاته خاضعًا لأوامره وكان موفقًا لحل المشاكل وإنهاء الخصومات إذا وجهت إليه وفيه سياسة حتى أنه يسحر السامع في كلامه وكان وجيهًا عند الأمراء والحكام والقضاة وترجع الأمة إلى رأيه ومشورته ويستأنسون برأيه ويقربون مجلسه لما يعرفون من نصحه وإخلاصه وكان إلى ذلك صاحب عبادة وله حظ من قيام الليل ومحسنًا إلى الفقراء والمساكين ويعطف على المستضعفين ويصل رحمه ويؤثر على نفسه في أمر أسرته مما جعلهم يميلون إليه ويقدرونه ويحترمونه ويربي أبناء الأسرة ويأمرهم بالصلاة ويوقظهم لها ليلًا ونهارًا مع كثرتهم وسعة بيتهم وتعدد محلاتهم وله أخوة كانوا يسيرون على تعليماته في خدمة مسجدهم وبذل الطعام والشراب فيه للمحتاجين والمصلين ولما أن كان في آخرالسنة التي توفي فيها أحس بمرض قلبي فقام الأطباء في ليلة الجمعة ٢٩ من شوال من هذه السنة لعلاجه في مستشفيات بريدة غير أن كان مرضه يشتد ويزداد فبعث إليه جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز بطائرة لحمله إلى الرياض وعلاجه فيها فاستمر بمستشفى الرياض حتى توفاه الله تعالى في الساعة الخامسة والنصف بالغروبي من ليلة الثلاثاء الموافق ٢٥ من ذي القعدة فنقل جثمانه إلى مدينة بريدة لتسهل زيارته على كل من أهله ومحبيه وصلي عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الكبير في بريدة وشيعه إلى قبره خلق كثير وجمع غفير ﵀ وعفا عنه وكان لدى هذه الأسرة وهم أبناء عبد العزيز بن حمود بن مشيقح عبد الله وصالح وحمود وإخوانهم ثروة عظيمة وإذا كان في دخول شعبان ألزمهم باعث الإيمان على أن يقوموا بإحصاء المال وإخراج زكاته حسب إرشادات والد الأسرة فيفرقون الزكاة على الفقراء ويتفقدون طالب العلم لذلك امتدحهم عمر الوسيدي بأبيات من قصيدة تقدمت وقال في معرض المديح والثناء: جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وضاعف من مبذولهم كل حاصل يكون ظلالًا يوم يفصل بالقضا ... وقاية حر الشمس يوم الزلازل
- exact linked passagemedium confidencepage 2187, entry [910]19,002 chars
وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته، هو الأديب الأريب الشاعر العربي الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، ولد عام (١٣٣٠ هـ) ببلدة الخرج بنجد وتعلم القرآن بوطنه، وأجاد قراءة القرآن وعمره تسع سنوات ثم رحل إلى الرياض، وأخذ بعض العلوم الدينية على بعض المشائخ ثم …
▸ expand full passage (19,002 chars)وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته، هو الأديب الأريب الشاعر العربي الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، ولد عام (١٣٣٠ هـ) ببلدة الخرج بنجد وتعلم القرآن بوطنه، وأجاد قراءة القرآن وعمره تسع سنوات ثم رحل إلى الرياض، وأخذ بعض العلوم الدينية على بعض المشائخ ثم سافر إلى مكة المكرمة والتحق بالمعهد العلمي السعودي فيها مع زملائه الأساتذة حمد الجاسر وعبد الكريم الجهيمان وظل في المعهد حتَّى حاز الشهادة وكان يدرس على بعض العلماء في الحرم المكي بعض الكتب المطولة إلى نهاية (١٣٥٣ هـ)،وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد اللطيف وعن الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وقد تقلد عدة وظائف حكومية وهي قضاء رابغ طيلة عام (١٣٥٤ هـ) ثم تولى قضاء الطفير بالحجاز من غرة محرم عام (١٣٥٥ هـ) إلى أواخر عام (١٣٥٩ هـ) ثم تولى قضاء الدوادمي. وهو من الأدباء المعروفين بجودة الشعر وحسن الأسلوب وقد طبع له عدة قصائد في الرثاء والمناسبات ومر في هذا التاريخ جملة منها بحيث يبلغ مجموعها ديوانًا، وممن أخذ عنه المترجم محمد بن عثمان الشاوي، كان دائمًا يلهج بذكره ويترحم عليه ورثاه بمرثية في سنة وفاته، كما أنه رثى الشيخ عبد الرحمن بن قاسم والشيخ سلمان بن سحمان والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وكان وجيها لدى الحكام وذا حظ منهم وتولى وظيفة التحقيق بديوان المظالم ووظيفة التحقيق بوزارة الداخلية، وكان له مجالس ممتعة يتعاطى في الأدب إضافة إلى ذلك أنَّه عالم فقيه وذو عقيدة ومعرفة وكثيرًا ما تنتدبه الحكومة ليمثل ديوان المظالم في مهام الأمور. وقد أحببت أن أورد قصيدة له رثائية قالها بمناسبة وفاة الشيخ محمد بن خنين، حيث قال: الحمد لله وحده والصلاة على عبده ورسوله، أما بعد فهذه أبيات رثائية قلتها لما فجعت بأحد إخواني المحبين من طلاب العلم وهو الشيخ الفاضل التقي الأريب محمد بن عبد الله الخنين المتوفى في عام (١٣٥٤ هـ) نوَّر الله عليه ضريحه وأسكنه جنته الفسيحة بمنه وكرمه، وهذا نص ما قلت وأنا الفقير إلى مولاه محمد بن عبد العزيز آل هليل: رضا وصبرًا على قدر الباري ... إذ كل شيء لدى الباري بمقدار لا يخطئ المرء حقًّا ما أصيب به ... وليس يومًا عليه عكسه جار كل ابن أنثى وإن طال الزمان به ... لا بد مرتحل عن هذه الدار ما للأنام مفر عن منيتهم ... ولا امتناع بحجاب وأستار فكل نفس لكأس الموت ذائقة ... إلَّا الذي جل عن شبه وأنظارأوعظ النفس لما جاء في خبر ... أذاب قلبي مع نقال أخبار إن الفتى طاهر الأخلاق قد سفحت ... لفقده مقل كالهاطل السار محمد نجل عبد الله من حسنت ... حقًّا سجيته فسل به دار شخص جني ذكي نال معرفة ... شخص تقي نقي ليس ذا عار على الصفا ووفا وحسن معتقد ... وترك فحش وما يزري به الزار يرجى له الفوز إذ قد كان متصفًا ... بالخير مقتديًا بفعل أخيار وآها القلب عليه أضحى ملتهبًا ... واهًا لدمع عليه سافح جار سقى المهيمن قبرًا حله كرمًا ... بغيث عفو مع الرضوان مدرار والله يسكنه يوم الجزا غرفًا ... بدار خلد بجنات وأنهار ألا فيا عامر الدنيا رويدك لا ... تغررك زينتها وانظر بأفكار ترى مصارع أقوام بها صرعوا ... كانوا فبانوا ولم يقضوا الأوطار فلا تكن معجبًا صافي ببهجتها ... فإن مدتها كلمح أبصار والموت حقًّا فلا تنسى به كربًا ... ما بين حشرجة تأتي وأسكار فنسأل الله لطفًا ومغفرة ... والقرب منه وإبعادًا من النار والحمد لله رب العالمين على ... ما قد قفاه من السرا وأضرار ثم الصلاة على المختار سيدنا ... وصحبه خير أصحاب وأنصار ما سحّ دمع وما حمامة صدحت ... تبكي هديلًا على أفنان أشجار وقال الشيخ راشد بن صالح بن خنين مترجمًا وراثيًا للمترجم في يوم الأحد الموافق ٢٦ من ذي القعدة (١٤٠٠ هـ) رزئنا بوفاة صاحبنا وصديقنا الشيخ الأديب الوقور محمد بن عبد العزيز بن هليل عن عمر يقرب من السبعين أسكنه الله فسيح جنته بفضله ورحمته، وقد درس مبادئ أصول الدين والعقيدة السلفية على يد والده الشيخ عبد العزيز إمام وخطيب المسجد الجامع بالقرية المسماة (العذار) التابعة لبلدة الدلم في منطقة الخرج ثم سافر إلى الرياض وأخذ العلم بها عن عدةمشائخ منهم سماحة شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ ثم سافر إلى مكة مع الطلبة الذين اختيروا إذ ذاك للدراسة بالمعهد السعودي بمكة المكرمة ودرس به حتَّى تخرج منه مع دراسته بالحرم المكي الشريف على عدة مشائخ منهم الشيخ محمد بن عثمان الشاوي والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة والشيخ محمد البيز وغيرهم. ثم عين قاضيًا ببلدة رابغ ثم نقل على درجة رئيس محكمة إلى الظفير بمنطقة غامد وزهران ومنها نقل إلى محكمة ساجر ثم إلى محكمة الدوادمي التي قضى بها أكثر من عشر سنين، ومنها انتقل إلى ديوان المظالم محققًا شرعيًّا ثم مستشارًا شرعيًّا على مرتبة رئيس محكمة حتَّى بلغ سن التقاعد. وقد أعيرت خدماته أثناء عمله بديوان المظالم لحكومة قطر للعمل في تمييز الأحكام الشرعية، وقد عرف في جميع أعماله التي تولاها بالتثبت والحكمة والروية مع تحري العدل والحرص على الوصول إلى الحق مع اتصافه بالأدب والتواضع وحُسن المحادثة ﵀ وعفا عنه وله شعر كثير في المناسبات والرحلات والرثاء وغير ذلك، ولعل أحد أبنائه يقوم بجمعه وترتيبه وطباعته ولقد تأثرت لوفاته تأثرًا بالغًا ورثيته بالأبيات الآتية: كل البرية للفناء مصيرها ... لا فرق بين رعية أو سيد والكل يلقى في القيامة سعيه ... يجزى به من صالح أو من ردي فالمخلصون مخلدون بحبه ... والمشركون لهم عذاب سرمدي إن المصائب في الحياة كثيرة ... لكن قبض العلم داء المقتدي والعلم يقبض إذ تموت رجاله ... أهل القرآن مع الحديث المسند إن المصيبة أن تكون بعالم ... يبكي لها أهل النهي والسؤدد إذ أنَّها الرزء الكبير لأمة ... ترك الفراغ بثلمة لم تسدد فالقلب يحزن والدموع مهيلة ... نبكي على فقد الأديب الأمجدأكرم به عالم ذي هيبة ... عف اللسان مؤدب عف اليد شغل القضاء بحكمة وروية ... وتأمل في المدعى والمقصد نظر المظالم دارسًا ومحققًا ... قصد الوصول بدقة للمعتدي ذي همة وعزيمة وترفع ... عما يشين العالم أو مبتدي أشعاره مملوءة بنصائح ... وعقيدة تحكي صفاء الورد ذي بسطة في علمه وبجسمه ... ذي خفة في الروح غير مفند زين المجالس إذ يبوح بنكته ... فيها الجواب لصحبه أو يبتدي أعني به شيخ الهليل صاحبي ... فاجبر مصابي في الصديق محمد كم مرة شاركته أطروحة ... لنقي بها عنا هموم الجهد كم مرة قال الرثاء بعالم ... والآن يرثى والبقاء للموجد قد زرته فوق السرور ممددًا ... يشكو الضنى متألمًا بتنكد بعد البشاشة والفكاهة عاقه ... ثقل اللسان عن الجواب الفرد أسمعته صوتي فهمهم داعيًا ... لي بالثواب وممسكًا مني يدي ودعته متكدرًا في لوعة ... والموت يرقب واقفًا بالمرصد ذاك اللقاء هو الأخير وأرتجى ... جمع النعيم من الإله الأوحد يا رب أعظم أجره وثوابه ... واجعل له في القبر أفسح مرقد أولاده أوصي وأنصح مخلصًا ... متواصل وتعاطف وتودد يا رب أصلح شأنهم وتولهم ... واحمِ الجميع من الغواة الحسد ثم الصلاة مع السلام على الذي ... فضل الخليقة في الحياة وفي غدِ هذا كلام صديقه وخاصته، وقد باح بما لديه من ألم الفراق فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر للمترجم. ونعود إلى بقية التَّرجمة، كان المترجم طوالًا فوق الربعة ممتلئ الجسم قد أعطاه الله بسطة في الجسم أسمر اللون مهيب الطلعة ذا شخصية بارزة حتَّى ليخيل إليكإذا رأيته أنَّه من الأسرة له عينان كأنهما لسانان شهباوان ويلبس أحسن الكسوة ويفضل الغترة على رأسه والمشلح الأسود تجلوه الابتسامة دائمًا، وكان متواضعًا جدًّا مع ما منحه الله من الرفعة. وأقول إخلاصًا للتاريخ كأنه لم ير مثل نفسه ويتعاطى الأدب ونعود إلى مواقفه ومؤهلاته، فقد جاء متظلم إلى الشيخ محمد بن إبراهيم بصفته رئيس القضاة يشكو قاضيًا ويتظلم وأغلظ في التظلم، ويمكن أنَّه صادق فجعل الشيخ يسترجع ويقول كفانا الله شرَّك وما وسعه إلَّا أن كتب معه كتابًا إلى الإمام الأعظم فيصل بن عبد العزيز لينظر في مظلمته، فدعا جلالة الملك فيصل بالرجل وقال له اسمع بأني سأقيم لجنة مكونة من ديوان المظالم ومن رئاسة القضاء، ومن المالية فإن كنت مظلومًا فسأفصل القاضي فصلًا، وإن كُنْتَ كاذبًا فوالله لأؤدبن بك الجن والإنس، هل أنت قادم على ذلك فأجاب بأنه مستعد، فأقيم ثلاثة أعضاء من الرئاسة والمالية وديوان المظالم، وكان المترجم أحد الأعضاء يمثل ديوان المظالم، وكان ذلك ليلة الثاني العشر الأواخر من رمضان، وقد طلبت اللجنة تأجيل القضية إلى ما بعد رمضان لمشقة الصوم والقيام فصدر الأمر بأن يسيروا إلى مهمتهم في الوقت نفسه فلما قدموا مدينة بريدة مروا في طريقهم على مسجدنا وصلوا معنا التراويح وأخبروني أنهم جاءوا لهذه المهمة، ولما أن جلسوا لها وجدوا هذا البائس مظلومًا بعد التحقيق واستعراض المسألة فرأوا أن يصلحوا بينه وبين خصمه بقدر من المال ستة آلاف ريال تدفع للمظلوم وأن ينهوا المسألة خشية على القاضي فرضي الفريقان لأنها تثبت إدانة القاضي ورجعوا ثم كلموا صاحب الجلالة بإنهاء القضية، فقال أخبروني عن الواقع فقالوا لا نخبرك بل أنهينا المسألة وخلص المتظلم ففهم الملك فيصل وأمضى اقتراحهم بشرط أن المتظلم قد خلص من قضيته. وقام هذا القاضي مرة بالإنكار باليد على أناس من الجنود يشربون الدخان علنًا فاجتمعوا عليه بعد نزاع وضربوا القاضي فرفعت المسألة إلى أعتاب جلالة الملكفيصل فبعث لذلك لجنة مكونة من الأمن ورئاسة القضاء وديوان المظالم، وكان المترجم هو المبعوث يمثل ديوان المظالم، وكنت قد حضرت التحقيق مع المعتدين فكان هو الذي يتولى ذلك فرأيت معه حكمة وله هيبة ترج المعتدين وبعد التحقيق معهم أفرادًا ثبتت إدانتهم فصدر الأمر بجلد كل واحد منهم ثلاثين جلدة وأخذ التعهد عليهم أن لا يمدوا أيديهم مرة أخرى وهكذا كانت الحكومة تنتدبه ضمن المحققين. ومن نكته أن بعثته الحكومة ضمن الأعضاء للنظر في مشكلات في الشمال الشرقي من المملكة، فلما أن هبطت بهم الطائرة في العاصمة قام الأمير فيها وسيرهم في سيارة وانيت ليحلوا تلك المشاكل في القرى وكانت الطرق رملية وربما غرزت لهم السيارات لأنها تعبانة فينزلون يدفونها فصاغ أبياتًا تصور الموضوع، ثم علق في آخرها أنهم رجعوا بطائرة مريحة وكيف أن الله منّ برجوعهم على متنها بعد ذلك: أمن بعد كنفير ونيت وقرنبع ... يرج بنا في سيره ويقرقع ونيت دنيٌّ في المسير مخبط ... كأن به مسًا من الجن يصرع فطورًا بأعلى الحزم ينزو فينطفي ... وهندله في أنفه ليس ينزع وطورًا مع البطيء يبقى مغرزًا ... فنحثوا نجافي الرمل عنه وندفع فيزداد بالتغريز في الرمل راسبًا ... فنخشى عليه الرمل يطغى فيبلع هنيئًا مريئًا سائغًا في ابتلاعه ... وذو العرش ينجينا وللشر يدفع ومن فضله كان الإياب بطائر ... يحلق في جو السماء ويرفع وخير المطايا ما يسرك سيره ... وينجز في طي الطَّرِيق ويسرع وما كل مركوب مريح لراكب ... ولا كل ظهر للمهامة يقطع من الله نرجو العفو واللطف والرضا ... وفضل إلهي بالمواهب أوسع وله قصيدة نونية عظيمة في شأن هذه الصناعات التي وفرت للناس مصلحتهمولا سيما الطائرات ويصور فيها ركوبهم الطائرة وما فيها من القوة والمناعة وكيف سخر الله العظيم بقدرته ذلك الحديد ويصف إقلاعها وهبوطها باستخدام مادة الكهرباء الذي وفر للناس مصالحهم فمن أبياتها قوله بعد أربعة أبيات: إذا محركها اشتدت صواعقه ... يكاد ينصم منها سمع آذان باسم الإله ركبناها مسخرة ... تسخير مقتدر خلاق أكوان توجهت تعبر الجو الرفيع بنا ... أمضى وأسرع من منقض عقبان مرت على الطير مرتاعًا ومنذعرًا ... ما بين مندهش منها وحيران مثل الشهاب يرى في الليل منطلقًا ... وراء مسترق للسمع شيطان بنا مضت وتعالى الله حاملنا ... في البر والبحر تكريمًا بإحسان حتَّى إذا شاهدت أعلام موقعها ... ترنحت ونحت قصدًا بإمعان فتأتي منصبة إليه هابطة ... فتجري دراجة من فوق ميدان فترسوا مثل رسو الفلك ثابتة ... الله أجرى وأرساها بإمكان إلى آخرها وهي حسنة طويلة رنانة لولا خشية الإطالة لأتينا بها. ولما مرض اشتد به المرض تحولت صحته إلى ضعف ونحول كذا وصف حالته نجله سعد بن محمد غفر الله لهما، ولما أن نعيت لنا وفاته وقد كان صديقًا وصهرًا وابنة الأخت تحته قلت فيه هذه المرثية لعلها تشفي غليلًا وتعزي مجروحًا وذكرنا فيها شيئًا من مناقبه: على علم أمسى فقيد الحبائب ... نريق دموعًا من حلول النواكب به قد أحاطت من أوامر ربه ... طوارق قد أودت به للمعاطب وما المرء إلَّا عرضة لكوارث ... إذا أخطئت هذي فليس بهارب أمور قضاها حاكم ومدبر ... وما من قضا الرحمن منجا لهارب عنيت به ذا العلم ابن هليل ... محمدًا المعروف في كل صائب وحبرًا به عبد العزيز أتى الورى ... فأكرم به شهمًا وأنعم بصاحبإذا قيل من للمعضلات يحلها ... ويحكي عويصًا من فنون الغرائب ومن لفنون العلم يبلغ شأوها ... ومن يرتجى من بعده في النوائب أجابت فنون العلم حبر سميدع ... تغرد في علم يفوق لحاسب وذاك أَبو المغوار ومن كان عارفًا ... بحكمة تدبير وكشف الغياهب أجل يا أبا المغوار مالك صامتًا ... وقد كنت منطيقًا وأعظم واثب عهدتك لا تبقي لصاحب حجة ... بقول فصيح ماهر في التجارب تفوق على الأقران في غض نعمة ... وعيش رغيد راتعًا في المآرب ينادون في الهيجاء ابن هليل ... وغصنك مياد وأعظم دائب فما بال هذا الطود أمسى مهدمًا ... عليلًا كئيبًا شأنه كل مسالب كأن لم يكن بالأمس نبراس حكمه ... يعود على الأحباب في كل طائب فأين التداوي من دعاة مهارة ... لتكشف من أرزائنا كل صائب أما كان في التمريض كشف لغمة ... ودفع الأوهام ودرء المعاطب فما بالها أردت كريمًا وسيدًا ... وطيح به صخرًا صريع المصائب ولكنه أمر الإله وحكمه ... فعدت جمادًا لا تجيب لنادب خرجت من الدنيا كريمًا معززًا ... بذكر جميل حائز للمراتب مضيت عن الدنيا سليمًا من الأذى ... نزيهًا من الأسواء وكسب المعائب مضيت إلى رب جليل وغافر ... ونرجو لك الزلفى بيوم المصاعب ليهنك ما قدمته من محاسن ... وما سجل التاريخ في رق كاتب عليك سلام الله يا خير راحل ... ويا خير مفقود بخير المناقب وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى المبعوث من نسل غالب وآل وأصحاب هداة أجلة ... وأتباعهم في الهدي من كل ذاهب وممن توفي فيها علي بن معارك ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الأديب الأريب ذو الأخلاق والمكارم المعاشر المبتسم البشوش العاقل الرزين علي بن عبدالله بن إبراهيم آل معارك، ولد عام (١٣٣٠ هـ) ونشأ في أحضان والده المؤدب المعلم إمام مسجد ماضي في بريدة فمسقط رأس المترجم في مدينة بريدة عاصمة القصيم، وبما أن والده عبد الله لديه مدرسة أهلية فإنه انضم إلى والده لتعلم القراءة وحروف الهجاء، ولم تطل أيام والده بحيث أن توفي في عام (١٣٣٧ هـ) بذلك الوباء العظيم. ويدعى ذلك العام بسنة الرحمة عند العامة، وهلك بسببه خلق كثير في نجد والعراق والهند والإحساء وما يلي الخليج العربي، فأخذ في الدراسة على علي بن عبد العزيز الحوطي صاحب مدرسة أهلية في بريدة، لأن الأيام لم تمكن المترجم من الأخذ عن أبيه لوفاته بعد ولادة المترجم بثمان سنوات تقريبًا، وكان أديبًا قارعًا للشعر النبطي والعربي وله أخ أسن منه وهو الشيخ عثمان العبد الله المعارك تولى القضاء مدة من الزمن وتوفي عام (١٣٩١ هـ)، ويمتاز المترجم بأنه دمث الأخلاق وطلق المحيا بشوش وقد نال وظيفة في الجهة الشرقية من المملكة وخدم حكومته وأمته ومن شعره قوله يمتدح وطنه بريدة ويذكر أيامه التي عاش فيها بصباه، وما آلت إليه في الأيام الأخيرة من الرفاهية والتقدم وحب الوطن من الإيمان: بريدة قد تاقت إليك مشاعري ... وطاب لنا ذكر من رياضك والربا بريدة ما أغنى تراثك إنني فخور ... ومشتاق إلى مرتع الصبا بريدة شمس في القصيم منيرة ... لقد شاهد الزوار ما كان أعجبا معالم الدار ذكراها لمفخرة ... لكل فرد لها قد كان منتسبا أعني بريدة قد ضاءت معالمها ... وغرد الطير في أجوائها طربا فيها المشاريع والعمران قائمة ... والبعض منها قريبًا صار مرتقبا أما الشوارع قد شاقت لناظرها ... ثم الظلام اختفى من بينها هربا تمتاز بالري والأشجار يانعة ... تؤتي الفواكه والرمان والعنبا والباسقات بقنوان مثقلة ... من كل عذقي طري يجتني رطبافي جردة السوق خيرات منوعة ... يلقى بها كل مبتاع لما طلبا وفاض إنتاجها مما تصدره ... لكل قطر من المحصول ما جلبا قرى القصيم وما يتبعه أجنحة ... أنعم بها مسكنا للضيف قد رحبا كذا الصباخ ووهطان وأخببة ... مع البطين غزير الماء قد عذبا شكرًا جزيلًا لمن أسدى فضائله ... رب العباد والذي للخير قد وهبا ثم الصلاة على المختار سيدنا ... ما ضاء برق لوبل ماطر سكبا وله شعر جميل يمتدح فيه الدار والسكان ويشكو نزوحه إلى ديار الغربة وفراق الوطن. وكان شيقًا حبيبًا لبيبًا مأمون الشر عشرًا لا يمل حديثه نزيهًا بشوشًا وإنا لندعو له ونترحم عليه ونسأل الله له المنزلة العالية في الجنَّة، وكان من جيراننا في بيت والده الذي هو أقرب الجيران من بيتنا، وكان ينتاب وطنه للزيارة، وفي إحدى زياراته لبريدة سقط من السيارة فأصيبت إحدى قدميه بكسر. وفي هذه السنة توفي على إثر انقلاب سيارة كان فيه حتفه، وهكذا الدنيا هموم وأحزان ومصائب في المال والأنفس والثمرات، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١) وبالجملة فإن الدنيا دار من لا دار له، ومنزل من لا منزل له، ولها يجمع من لا عقل له ولله در القائل حيث يقول في وصفها: ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه منكودة ومصائب هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... إذا سر فيها جانب ساء جانب وقد وصف العقلاء حالة ابن آدم في هذه الحياة وأنه مهدد بالآلام والمصائبوالمخاوف كرجل فر من عدو واختفى في أعلى بئر عن عدوه، فحانت منه نظرة إلى أسفل البئر فإذا في أسفلها ثعبان عظيم فرجع إلى قدميه اللتين قد اعتمد عليهما وهل هما متوثقتان من طي البئر وإذا قد خرج من حوالي كل قدم حية تريد أن تنهشه إن غفل عنهما وكان بأعلى البئر شجرة لها أغصان فشد بيديه على غصن منها ليكون سببًا يتعلق به عند الحاجة والضرورة فإذا جرذ يقرض به فوقف متحيرًا لا يأمن من الحيتين إلى جانبه أو يسقط على ما في أسفل البئر، فإن تعلّق بالغصن فلا يأمن أن ينكسر به لعبث ذلك الجرذ به فبينما هو كذلك حانت منه نظرة فإذا عسل يقطر من بين حجرين أمام وجهه فأخذ يلعق العسل ونسي ما هوفيه من الأهوال نسأل الله تعالى السلامة والعون على ما نحن فيه. وفيها وفاة الشيخ عبد الرحمن بن دخيل ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته، هو الشيخ الزاهد الورع الفقيه القاضي في لينه عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن عثمان بن دخيّل بتشديد الياء من النواصر من بني تميم ووالدته من الجمالة أسرة معروفة، ولد في بلدة المذنب عام (١٣٠٨ هـ) وكان من بيت علم وصلاح فنشأ نشأة صالحة، وأخذ عن والده الشيخ عبد الله الذي كان مقصدًا لطلاب العلم في بلد المذنب. ثم أنه بعد وفاة والده رحل إلى مدينة بريدة فأكبّ على طلب العلم بين يدي الشيخ عبد الله بن محمَّد بن سليم وبين يدي الشيخ عمر بن محمَّد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد العزيز العبادي، وكان طلاب العلم إذ ذاك يسارعون إلى مزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وأخذ عن الشيخ محمَّد بن عبد العزيز العجاجي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن فداء كما أنه أخذ عن الشيخ صالح العثمان القاضي، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن مانع وكان من زملاء الأخ الشيخ عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن ثم سافر إلى الرياض للأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وعن الشيخ محمَّدبن عبد اللطيف وجدّ واجتهد ونافس في طلب العلم وقد عينه الشيخ عمر بن محمَّد بن سليم مرشدًا وخطيبًا وإمامًا في هجرة الأرطاوية عام (١٣٤٤ هـ) ثم نقل إلى هجرة الصفراء عام (١٣٤٦ هـ) وبعد ذلك إلى غمرة من قبيلة الأسلم ثم إلى العظيم ثم إلى قضاء لينه. وكان طلق المحيا متواضعًا بشوشًا رزينًا عاقلًا كثير التبسم عليه سيما الديانة والعلم وكان في إقامته بالعظيم يتجول في القرى التابعة لها ويعظ ويرشد فيها وفي حال قضاء لينه يدرس ويعلم في المساجد ونال محبة من الجميع له في سائر تقلباته وتنقلاته ولما بلغ من العمر ثلاثًا وسبعين عامًا أحيل على المعاش وذلك في عام (١٣٨٢ هـ) فرحل إلى هجرة العظيم وسكنها وألقى عصا التسيار فيها حتى وافاه أجله المحتوم فيها متفرغًا للعبادة مقبلًا على شأنه وللمترجم أخوة من بينهم محمَّد وسليمان وعثمان الذي هلك شابًّا في مدينة بريدة، وله ذوق عظيم في طلب العلم، وقد أشرنا إلى وفاته في (١٣٤٦ هـ)، وقد خلف المترجم عقبًا من الذكور. وفيها في ذي الحجة أصيبت حكومة الجزائر بهزات أرضية أي زلزال شديد وكان الموضع المصاب منها مدينة الأصنام، فتهدمت مساكن كثيرة، وأصيب مائتان وخسون ألفًا ما بين قتيل وجريح، وقد قامت الحكومة الجزائرية بالدركتورات والشيولات لانتشال الجثث، فحصلت على ألوف من الجثث وتوالت الهزات عليها، وقد بعثت الحكومات مساعدات عظيمة من النقود لهذه الكارثة. وفيها في يوم عيد الأضحى خطب معمر القذافي خطبة شنع فيها على السعودية باستخدام الطائرات في مِنى وعرفات، وزعم أنها طائرات أمريكية يجب الجهاد المقدس لذلك, لأن الحجاج تحت احتلال أمريكا، هذا ما أملاه عليه علمه. وقد شنعت عليه السعودية بالردود وأجلبت عليه بالجرائد ضده، وكذبته الحجاج بافتراءاته حتى أن الحجاج الليبيين كذبوا مقالته وما زعمه، ولكنه تصدى لحجاج ليبيا حينما رجعوا فاعتقل ١٢ ألف حاج ليبي يحقق معهم ويعذبهمويناقشهم، وكان القذافي على ما فهمه منه أهل المعرفة والسياسة متدهور ولا يتقيد بما يعود عليه بالذم وسوء التدابير، وفي كلام الحكمة قول الشاعر: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان ولربما ظفر الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان ولو أن المسلمين تركوا السباب فيما بينهم وأعرضوا عن نيل التنقيص في أعراض الآخرين وصرفوا جل وقتهم وزمنهم في التفكير فيما دهى فلسطين من القتل والتدمير وما وصلت إليه الحالة في لبنان وانتهاك حقوق الإنسان من الفتك والتدمير وإراقة الدماء وهتك الأعراض وما أصيب به الإِسلام والمسلمون من ملاحقة دين الإِسلام للقضاء عليه والتنكيل بأهله لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا. فهذا جزء من المسلمين يقتلون ويصلبون في الصومال وأمة يرغمون على خلع الإِسلام والتهود أو التنصر وجزء يؤخذون بالتهم وتوجيهها إليهم فيعذبون بأنواع التعذيبات التي لا تثبت لها صم الجبال ولا الحديد ونسي هؤلاء الذين يسبون إخوانهم ويقعون في أعراضهم ما هم فيه لو عقلوا ولكنما أخبر به الهادي الذي لا ينطق عن الهوى وقع ولا محالة حيث يقول: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشر ولكن تحلق الدين" فيا لهذا التفكك ويا لهذا التخاذل ويا لغربة الإِسلام بين ظهراني أحله، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله تعالى السلامة والعون على ما نحن فيه.
- reviewable assessment hintkadhdhabneeds reviewmedium confidencepage 1949, entry [786]253 chars
ادات والد الأسرة فيفرقون الزكاة على الفقراء ويتفقدون طالب العلم لذلك امتدحهم عمر الوسيدي بأبيات من قصيدة تقدمت وقال في معرض المديح والثناء: جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وضاعف من مبذولهم كل حاصل يكون ظلالًا يوم يفصل بالقضا ... وقاية حر الشمس يوم الزلازل