بَلْ أَدْعُو اللَّهَ». (¬٣) ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ: «بَلِ اللَّهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أبي هريرة إلا مِنْ حديث العلاء بن عبد الرَّحمن. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه علي بن حجر في "حديثه" (٢٩٠)، وأحمد في "مسنده" (٨٨٥٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٤٩٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٢١٢٦)، مِنْ طريق إسماعيل بن جعفر. _ وأحمد في "مسنده" (٨٤٤٨)، وأبو داود في "سننه" (٣٤٥٠) ك/البيوع، ب/التسعير - ومن طريقه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٦/ ٤١٣) -، والبيهقي في "الكبرى" (١١١٤٣)، و"السنن الصغير" (٢٠١٨)، و"معرفة السنن والآثار" (١١٦٥٤)، ثلاثتهم (أحمد، وأبو داود، والبيهقي) من طريق سليمان بن بلال. _ وابن مندة في "التوحيد" (٢٧٧)، من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير. ثلاثتهم (إسماعيل، وسليمان، ومحمد)، عن العلاء بن عبد الرحمن، بنحوه، وعند أحمد - من رواية سليمان بن بلال-، وابن مندة مُخْتَصَرًا، ورواية إسماعيل بن جعفر بتقديمٍ وتأخيرٍ. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إسماعيل بن أبي أُوَيس - عبد الله - بن عبد الله بن أويس، الأصْبَحِي، ابن أخت مالك بن أنس. روى عن: أبيه، وسليمان بن بلال، وخاله مالك بن أنس، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد، والبخاري، ومسلم، والنَّاس. حاله: اختلف فيه أهل العلم بين مُوَثِّق، ومُضَعِّف، كالآتي: أ قوْل مَنْ وثَّقه: قال ابن معين: لا بأس به. وقال أحمد: لا بأس به، ثِقَةٌ، وقد قام في أمر المحنة مقامًا محمودًا منه. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": استقرَّ الأمر على توْثيقه، وتَجَنُّب ما يُنكَر له. وفي "السير": عالم أهل المدينة على نقصٍ في حفظه وإتقانه، ولولا أنَّ الشيخين احتجَّا به لَزُحزِحَ حديثه إلى درجة الحسن. وقال: الرجل قد وثب إلى ذاك البر، واعتمده صاحبا "الصحيحيْن"، ولا ريب أنه صاحب أفرادٍ ومناكير تنغمر في سعة ما روى. وفي "المغني": صدوقٌ له مناكير. وقال ابن حجر: صَدُوقٌ، أخطأ في أحاديث من حفظه. ب - قوْل من ضعَّفه: قال ابن معين: صدوقٌ، ضعيف العقل، ليس بذلك. وقال المزي: يعني أنه لا يُحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤدّيه، أو يقرأ من غير كتابه. وقال ابن معين أيضًا: مُخَلِّطٌ يكذب، ليس بشيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلاً. وقال النسائي: ضعيفٌ. وقال أيضًا: ليس بثقة. وقال الذهبي في "الميزان": محدّث مُكثر فيه لِين. (¬١) وقال ابن حجر في "التلخيص": فيه لِينٌ. وفي "هدي الساري": احتجَّ به الشيخان إلا أنهما لم يُكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرَّد به سوى حديثيْن، وروى له الباقون سوى النسائي فإنه أطلق القول بضعفه، وروي عن سلمة بن شبيب ما يُوجب طرح روايته؛ ثم ذكر أقوال أهل العلم فيه، وقال: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها، وأن يُعَلِّم له على ما يُحدِّث به ليُحدّث به، ويُعْرِض عمَّا سواه. وهو مشعرٌ بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا إن شاركه فيه غيره فيعتبر به. (¬٢) فالحاصل: أنَّه "ضعيفٌ يُعتبر به في المتابعات والشواهد"، إلا ما أخرجه البخاري ومسلمٌ فَصَحيحٌ؛ لأنَّه مِنْ أصل كتابه. وأمَّا توثيق أحمد له فهو ظاهر لموقفه يوم المحنة. وأمَّا ابن معين، فاختلف قوله فيه، والجرح فيه مفسّر فَيُقَدَّم على التعديل، وكلام ابن حجر في "هدي الساري" كلامُ خبيرٍ به، يَفْصِل أمره والقول فيه. ٣) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصْبَحِي، ابن عم مالك بن أنس، وصهره على أخته، أبو أُوَيس المدني، والد إسماعيل بن أبي أويس. روى عن: العلاء بن عبد الرحمن، والزّهري، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. روى عنه: ابناه أبو بكر وإسماعيل، عبد الله بن مسلمة القعنبي، وآخرون. حاله: اختلف أهل العلم فيه على قوْلين: أ قول مَنْ وثَّقوه: قال البخاري: ما روى من أصل كتابه فهو أصح. وقال ابن معين، والعجلي، وابن شاهين، والدَّارقطني: ثقة. وقال ابن معين أيضًا: ليس به بأس. وقال أحمد: ليس به بأسٌ، أو قال: ثقة، كان قَدِم هاهنا - أي بغداد- فكتبوا عنه، زَعَمُوا أنَّ سماع أبي أُويس، ومالك كان شيئًا واحدًا - أي عن الزهري-. وقال أيضًا: صالح. وقال أبو داود: صالح الحديث. ب - قول من ضعَّفوه: قال ابن معين: ليس بثقة. وقال: صدوقٌ ليس بحجة. وقال: ضعيف الحديث ليس بقوي، وقال: صالح، ولكن حديثه ليس بذاك الجائز. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وليس بالقوي. وقال أبو زرعة: صالحٌ صدوقٌ كأنه ليّنٌ. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، صالح الحديث، إلى الضَّعف ما هو. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبَّان: كان ممَّن يُخطئ كثيرًا، لمْ يفحش خطأه حتى استحقّ الترك، ولا هو ممن سَلَك سَنَن الثقات فيسلك مسلكهم، والذي أرى في أمره تَنَكُّب ما خالف الثقات من أخبار، والاحتجاج بما وافق الأثبات منها. وقال ابن عدي: يُكتب حديثه، وفي أحاديثه ما يصح ويوافقه الثقات عليها، ومنها ما لا يوافقه عليه أحد. وقال أبو أحمد الحاكم: يخالف في بعض حديثه. وقال أيضًا: قد نُسب إلى كثرة الوهم، محله عند الأئمة من يحتمل عنه الوهم، ويذكر عنه الصحيح. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ يَهِم. وفي "الفتح": فيه لِين. وفي "الدراية": ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف! فالحاصل: أنّه "ضعيف يُعتبر به في المتابعات والشواهد". (¬١) فتوثيقه محمولٌ على العدالة والديانة، وأمَّا الضّعف فمحمولٌ على الضبط. لذا قال ابن عبد البر: لا يُحكى أنَّ أحدًا جَرَّحه في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يُخالَف في بعض حديثه، والله أعلم. ٤) العَلَاءُ بن عبد الرحمن بن يَعْقُوب الحُرَقِيُّ: "ثِقَةٌ، له مناكير"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢). ٥) عَبْدُ الرحمن بن يَعْقُوب الجُهَنيُّ، الحُرقيُّ، المَدَنِيُّ، والد العَلَاء بن عبد الرحمن. روى عن: أبي هريرة، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري ﵃، وغيرهم. روى عنه: ابنه العلاء، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وآخرون. حاله: قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن عبد الرحمن بن يعقوب والمسيّب بن رافع (¬٢)؟ فقال: ما أقربهما. وقال العجلي، والذهبي، وابن حجر: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأسٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وسُئل ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه كيف حديثهما؟ فقال: ليس به بأسٌ. فحاصله: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬١) ٦) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جَليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضَعيفٌ"؛ فيه: إسماعيل بن أبي أويس، وأبوه، ضعيفان. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح! (¬٢) مُتابعات للحديث: وتابعهما إسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ثلاثتهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة - كما سبق في التخريج -؛ والحديث عند أحمد، وأبي داود مِنْ طريق سُليمان بن بلال، وقال ابن الملقن، وابن حجر، والسخاوي: رواه أحمد، وأبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ. (¬٣) شواهد للحديث: وفي الباب عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: غَلا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، الْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ ولا مَالٍ ". (¬٤) وعليه؛ فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا من حديث العلاء بن عبد الرحمن. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال المباركفوري: وقد اسْتُدِلَّ بالحديث على تَحْرِيمِ التَّسْعِيرِ، وأنَّه مظلمةٌ، ووجههُ أنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ على أموالهم، والتَّسْعِيرُ حَجْرٌ عَلَيْهِمْ، والإمام مَأْمُورٌ بِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وليس نَظَرُهُ في مَصْلَحَةِ المُشْتَرِي