سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة (١) ولم يخرج البخاري حديث أبي هريرة في قصة سعد بن عبادة. قوله: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف، إن هذه هي المخففة من الثقيلة، واللام في الخبر هي بالفارقة بينها، وبين الشرطية، والنافية، قال الخطابي (٢): يشبه أن يكون مراجعة سعد للنبي ﷺ طمعًا في الرخصة، فلما أبى ذلك رسول الله ﷺ سكت وانقاد. والغيرة: الحمية والأنفة، والغيرة من الله تعالى الزجر، والله غيور أي زجور يزجر عن المعاصي، وأما غيرة الرجل على أهله فهو منعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو نحوه، والغيرة في حق الناس يقارنها تغير البشرة وانزعاج، وهذا مستحيل على الله تعالى. (٣) ٢٤٧٩ - قال ﷺ: "لا أحد أغيرُ من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المِدحة من الله، فلذلك مدح نفسه". قلت: رواه البخاري في التفسير في سورة الأنعام ومسلم في التوبة والترمذي في الدعوات والنسائي في التفسير كلهم من حديث ابن مسعود يرفعه. (٤) - وفي رواية: "ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ﷿ ومن أجل ذلك وعد الله الجنة، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين". قلت: رواه البخاري في التوحيد ومسلم في اللعان من حديث المغيرة بن شعبة يرفعه. (١) والمدحة: بكسر الميم، هو المدح بفتحها فإذا أثبتت الهاء كسرت الميم، وإذا حذفت فتحت، قوله ﷺ: من أجل ذلك وعد الجنة، معناه أنه لما وعدها ورغب فيها كثر سؤال العباد إياها منه، والثناء عليه تعالى، ومعنى: ولا أحدًا أحب إليه العذر إلى آخره، أنه ليس أحد أحب إليه الأعذار من الله، فالعذر هنا بمعنى الإعذار والإنذار، قبل أخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين كما قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ٢٤٨٠ - قال ﷺ: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله: أن لا يأتي المؤمن ما حرّم الله". قلت: رواه مسلم بهذا اللفظ في التوبة من حديث أبي هريرة وأخرجه البخاري إلا قوله ﷺ: "وإن المؤمن يغار" وكذلك الترمذي في النكاح. (٢) ٢٤٨١ - قال ﷺ: "يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله، أن يزني عبده أو تزني أمته". قلت: رواه البخاري في النكاح والنسائي في النعوت كلاهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ترفعه. (٣) ٢٤٨٢ - أن أعرابيًّا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته؟ فقال له رسول الله ﷺ: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ "، قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: "فأنى تُرى ذلك جاءها؟ "، قال: عرق نزعها، قال: "ولعل هذا عرق نزعه" ولم يرخص له في الانتفاء منه. قلت: رواه البخاري في الاعتصام ومسلم في اللعان وأبو داود في الطلاق كلهم من حديث أبي هريرة. (١) والأورق: الأسمر، والورقة: السمرة، قاله ابن الأثير. (٢) وقال الجوهري (٣): الأورق من الإبل الذي في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمود عندهم في سيره وعمله، والجمع ورق كحمر في أحمر، والمراد بالعرق هنا: الأصل من النسب تشبيهًا بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان معرق في النسب وفي اللون والكرم، ومعنى نزعه: أشبهه واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع الجذب فكأنه جذبه إليه لشبهه ويقال منه: نزع الولد لأبيه وإلى أبيه ونزعه أبوه ونزعه إليه قاله النووي. (٤) وفي هذا الحديث أن الولد يلحق الزوج وإن خالف لونه لونه، حتى لو كان الولد أسود والأب أبيض أو عكسه لحقه، ولا يحل له نفيه، وكذا لو كان الزوجان أبيضين فجاء الولد أسود أو عكسه وفي هذه الصورة وجه لبعض أصحابنا وهو غلط، وفي الحديث أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا وهو مذهب الشافعي، وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه وضرب الأمثال. ٢٤٨٣ - كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مِنّي، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: إنه ابن أخي، وقال عبد بن زمعة: إنه أخي، فتساوقا إلى الرسول ﷺ فقال سعد: يا رسول الله إن أخي كان قد عهد إليّ فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، وُلد على فراشه، فقال رسول الله ﷺ: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ثم قال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه" لما رأى من شَبَهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله. قلت: رواه البخاري في مواضع منها في الفرائض ومسلم في النكاح والنسائي في الطلاق كلهم من حديث عائشة واللفظ للبخاري واسم هذا الغلام عبد الرحمن. (١) قوله ﷺ: وللعاهر الحجر، أي وللزاني الحجر، والعهر الزنا، ومعنى الحجر أي له الخيبة، وقيل المراد بالحجر هنا: أن له الرجم، وهذا ضعيف، لأنه ليس كل زان يرجم، وإنما يرجم المحصن خاصة، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد عنه، والحديث إنما ورد في نفي الولد عنه، وأما قوله ﷺ: الولد للفراش، فمعناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة وصارت فراشًا له فأتت بولد يمكن أن يكون منه، لحقه الولد وصار ولدًا له، سواء كان موافقًا له في الشبه أم مخالفًا، أما ما تصير به المرأة فراشًا، فإن كانت زوجة صارت فراشًا بمجرد عقد النكاح، وشرط الشافعي ومالك إمكان الوطء في لحوق النسب، فلو نكح المغربي مشرقية ولم يفارق كل واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحقه، لعدم إمكان كونه منه، ولم يشترط أبو حنيفة، فلم يشترط الإمكان بل اكتفى بمجرد العقد، قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء فأتت بولد لستة أشهر لحقه الولد، هذا حكم الزوجة، وأما الأمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشًا بالوطء، ولا تصير فراشًا بالملك، وقال أبو حنيفة لا تصير فراشًا إلا إذا ولدت ولدًا واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك يلحقه إلا أن ينفيه، قال لأنها لو صارت فراشًا بالوطء لصارت بعقد الملك كالزوجة، والفرق أن الزوجة تراد للوطء خاصة فجعل الشرع العقد عليها كالوطء لما كان هو المقصود، والأمة تراد للملك ولمنافع غير الوطء، ولهذا يجوز أن يملك أختين، وأمًّا وبنتها، ولا يجوز أن يجمع بينهما في النكاح فلم تصر بنفس العقد فراشًا، فإن قيل: عبد زمعة هو أخو سودة بنت زمعة، وشرط الشافعي في ثبوت استلحاق النسب من الوارث تصديق كل الورثة، فكيف استلحقه عبد بن زمعة وحده؟ والجواب من وجهين، أحدهما: أن سودة أخت عبد استلحقته أيضًا معه ووافقته في ذلك، والثاني: أن زمعة مات كافرًا فلم ترثه سودة لكونها مسلمة، وورثه عبد بن زمعة، وأما قوله ﷺ: واحتجبي منه يا سودة، فأمرها به ندبًا واحتياطًا. (١) - ويروى: "هو أخوك يا عبد". قلت: رواها البخاري دون مسلم. (٢) ٢٤٨٤ - دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور، فقال: "أي عائشة ألم تَريْ أن مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض". قلت: رواه البخاري في آخر الفرائض ومسلم في النكاح وأبو دواد والنسائي في الطلاق والترمذي في الولاء كلهم من حديث عائشة (٣) قال أبو داود: كان أسامة أسود وكان زيد أبيض. ومجزز: بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى وهذا هو الصحيح، وهو من بني مدلج بضم الميم وإسكان الدال وكسر اللام، قال العلماء: وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد تعترف لهم العرب بذلك، وكان زيد أزهر اللون أبيض، وأسامة ابنه أسود، فطعن بعض المنافقين في نسبه فسر رسول الله ﷺ بقول القائف لأن العرب كانت تعتبر قول القائف فينزجرون عن الطعن في النسب، قبل وكانت أم أسامة حبشية سوداء. واختلف العلماء في العمل بقول القائف فمنعه أبو حنيفة، وأثبته الشافعي، والصحيح من مذهبه أنه يكفي فيه واحد، واتفق القائلون بالقائف على أنه إنما يكون إذا أشكل بوطئين محترمين، كالبائع والمشتري يطأ قبل الاستبراء فيأتي بولد يمكن أن يكون من كل منهما. (١)