٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو بكر محمد بن علي الفقيه القفال ، ثنا عمر بن محمد بن بجير ، ثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : قال لي محمد بن إدريس الشافعي C : لا يقال للأصل لم ، ولا كيف قال الشيخ : وقال في رواية الربيع بن سليمان عنه : الأصل كتاب ، أو سنة ، أو قول بعض أصحاب رسول الله A ، أو إجماع الناس أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنا الربيع بن سليمان قال : قال الشافعي ، فذكره باب القول في إثبات رؤية الله D في الآخرة بالأبصار قال الله D : ( وجوه يومئذ (١) ) يعني : يوم القيامة ، ( ناضرة ) يعني : مشرقة ، ( إلى ربها ناظرة (٢) ) ، وليس يخلو النظر من وجوه : إما أن يكون الله D عنى به نظر الاعتبار كقوله : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (٣) ) ، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله : ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة (٤) ) ، أو يكون عنى به نظر التعطف والرحمة كقوله : لا ينظر الله إليهم ، أو يكون عنى الرؤية كقوله : ( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت (٥) ) ، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله : ( إلى ربها ناظرة ) نظر التفكر والاعتبار ؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار ، وإنما هي دار اضطرار ، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار ؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار ؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير ، والآية خرجت مخرج البشارة ، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعيم المقيم ، فهم ممكنون مما أرادوا وقادرون عليه ، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله : ( إلى ربها ناظرة ) نظر الانتظار ؛ ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه : نظر العينين اللتين في الوجه كما قال تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء (٦) ) ، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ؛ ولأنه قال : ( إلى ربها ناظرة ) ، ونظر الانتظار لا يكون مقرونا بـ «إلى» لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار : «إلى» ، ألا ترى أن الله D لما قال : ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة ) لم يقل : «إلى» ؛ إذ كان معناه الانتظار ، وقالت بلقيس فيما أخبر الله عنها ( فناظرة بم يرجع المرسلون (٧) ) ، فلما أرادت الانتظار لم تقل : «إلى» . قلنا : ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة ؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم ، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر ، وهو أن معنى قوله : ( إلى ربها ناظرة ) أنها رائية ترى الله D ، ولا يجوز أن يكون معناه : إلى ثواب ربها ناظرة ؛ لأن ثواب الله غير الله ، وإنما قال الله D : ( إلى ربها ) ، ولم يقل : إلى غير ربها ناظرة ، والقرآن على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة ، ألا ترى أنه لما قال : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (٨) ) ، لم يجز أن يقال : أراد ملائكتي أو رسلي ، ثم نقول : إن جاز لكم أن تدعوا هذا في قوله : ( إلى ربها ناظرة ) جاز لغيركم أن يدعيه في قوله : ( لا تدركه الأبصار (٩) ) ، فيقول : أراد بها : لا تدرك غيره ، ولم يرد أنها لا تدركه الأبصار ، وإذا لم يجز ذلك لم يجز هذا ، ولا حجة لهم في قوله : ( لا تدركه الأبصار ) ، فإنه إنما أراد به : لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة ، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقا ، كما قال : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٠) ) . فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه ، ولما قال في وجوه المؤمنين : ( وجوه يومئذ ) ، فقيدها بيوم القيامة ووصفها ، فقال : ( ناضرة ) ثم أثبت لها الرؤية فقال : ( إلى ربها ناظرة ) ، علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة ، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعا بين الآيتين حملا للمطلق من الكلام على المقيد منه ، ثم قد قال بعض أصحابنا : إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤية . والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤية ، فالله يرى ولا يدرك ، كما يعلم ولا يحاط به علما ، ومما يدل على أن الله D ير ى بالأبصار قول موسى الكليم عليه السلام ( رب أرني أنظر إليك (١١) ) ، ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء ، قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين ، يسأل ربه ما يستحيل عليه ، وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا ، وأن الرؤية جائزة على ربنا D ، ومما يدل على ذلك قول الله D لموسى عليه السلام : ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) ، فلما كان الله قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى ، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين ، وأنه جائز رؤيته ، وقوله : ( لن تراني ) أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل ما مضى من الآية ؛ ولأن الله تعالى قال : ( تحيتهم يوم يلقونه سلام (١٢) ) ، واللقاء إذا أطلق على الحي السليم لم يكن إلا رؤية العين ، وأهل هذه التحية لا آفة بهم ؛ ولأنه قال : ( ولدينا مزيد (١٣) ) ، وقال : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة (١٤) ) . وقد فسر رسول الله A المبين عن الله D ، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه ، والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى ، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله D في الآخرة بالأبصار ، ونحن ذاكرون أقوال بعضهم على طريق الاختصار ، فقد أفردنا لإثبات الرؤية كتابا ، وبالله التوفيق