← الحديث الموضوعي المنهج والتأصيل والتمثيل

ص ٢٠٩ · ٢٠٢ / ٢٥٦

فشتان بين هذا وهذا. فعمل الأول نظير لعمل الثاني من حيث الظاهر إلا أن الأول يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله ﷿ بلطفه ورحمته-، والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله تعالى، ولا يمكن أن يُطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها، فكم من الفرق بين هذا وهذا!. • والعبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح: مثال ذلك الجهاد في سبيل الله؛ عندما أتى رجال للنبي ﷺ ليحملهم فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه" تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي ﷺ: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» (¬١). والسبب أن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (¬٢). فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال ﵊: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (¬٣). فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ

الحاشية

(¬١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو (٣/ ١٠٤٤)، رقم: (٢٦٨٤). وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (٣/ ١٥١٨)، رقم: (١٩١١). (¬٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧ رقم ١٩١٠). (¬٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٥ رقم ٢٧٨٣)، ومسلم (٣/ ١٤٨٨ رقم ١٨٦٤).

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية