← الكافي في علوم الحديث

ص ٥٨٦ · ٥٧٥ / ٩٠٢

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحاشية

= فالأحاديث الفعلية، ومثلها التقريرية، والوصفية لا تدخل في مبحث رواية الحديث بالمعنى في عصر الصحابة، وفيما يرويه الصحابة عن رسول الله ﷺ إذ لم يصدر عن رسول الله ﷺ أقوال وألفاظ يجب عليهم روايتها باللفظ، وإنما صدرت أفعال رأوها فعبَّروا عن مشاهداتهم بألفاظ من عندهم ﵃؛ فلا يقال بأنهم رووا الأحاديث الفعلية بالمعنى، وإنما هذا يصدق على من سمع الصحابة يحدِّثون بأفعال النبي ﷺ، فلم يحفظ ألفاظ الصحابة وإنما عبر بألفاظ تؤدي المعنى نفسه. ثم إن هؤلاء الصحابة هم من الجيل والقرن الذي بلغ الغاية في الفصاحة، والبيان، والقدرة على وصف أدق الأشياء غموضًا وخفاءً بأبلغ وأوجز الألفاظ، ولهذا تحدَّاهم الله ﷿ بالقرآن العظيم، فهم إذن مأمونون على رواية ما صدر عنه ﷺ من أفعال وتقريرات بألفاظ مطابقة مؤدية للمعاني التي أرادوا التعبير عنها، وروايتها بحسب مشاهداتهم للأحداث. وبهذا تضيق دائرة رواية الحديث بالمعنى فيما رواه الصحابة عن رسول الله ﷺ لتقتصر فقط على أحاديثه القولية، ثم هذه أيضًا قد ثبت عن رسول الله ﷺ تكريره وإعادته للفظ ثلاثًا حتى يحفظ أصحابه، مع ما أوتوا من جوامع الكلم، وربما أعاد الكلام في مواطن عديدة، أو سنوات متفرقة بألفاظ متقاربة والمعنى واحد، فيروي كل صحابي اللفظ الذي سمعه، فليس اختلاف ألفاظهم في الحديث القولي دليلًا على روايتهم له بالمعنى، وإنما هكذا سمعه كل واحد منهم بحسب تعدد المجالس، ولعل منها حديث "من كذب عليَّ" وحديث "نضر الله" لكثرة من رواهما من الصحابة، فلا يبعد أن يكون سماعهم في مجالس متعددة أو سنوات متفرقة. ثم إذا أضيف ما علم من تحرِّي الصحابة في حفظ كلامه ﷺ، حتى توقف كثير منهم عن الرواية خوف نقص كلمة أو زيادتها، مع قدرتهم على استبدالها وروايتها بالمعنى وحرصهم على روايته بلفظه، وكان منهم من كان يكتب كل ما يتلفظ به النبي ﷺ كعبد الله بن عمرو، ومنهم من دعا له رسول الله ﷺ بالحفظ كأبي هريرة، مع ما علم عنهم من نقد وتصحيح لما كان قد يقع في رواية بعضهم من الخطأ والغلط؛ فإنه بذلك تضيق دائرة رواية=

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية