ص ١٨١ · ١٧٣ / ٩٠٢
فأجيب: بأن ذلك راجع إلى الإسناد بأن روي ذلك الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، فاستقام أن يقال فيه: إنه حسن صحيح (¬١). وقال قاضي القضاة تقي الدين: "يجوز أن يقال: حسن باعتبار الصفات الأدنى، وهي الصِّدقُ والعَدَالة وعدم التهمة والكذب في رواته، وصحيح باعتبار الصفات الأعلى من الضبط والإتقان والحفظ، ولا تنافي بينهما، وكل صحيح حسن دون العكس" (¬٢). وفيه بحث؛ إذ لا نسلِّم أنَّ كلَّ صحيح حسن، فإنَّ الصحيح الذي ليس له إلا راوٍ واحد - على ما تبين إن شاء الله تعالى - ليس بحسن، لما بيَّنَّا أنّ الحسن ما روي من غير وجه.
(¬١) قال عنه السيوطي في "التدريب" (١/ ١٦٤): "هو الذي أرتضيه، ولا غبار عليه". قلت: ليس كذلك قطعًا" ويؤيده أنه معروف في كلام الترمذي قوله في "جامعه": "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، ينظر فيه: الأرقام (١١٥، ٢٠٢، ٢١٠، ٤٨٠، … ). ويجاب على هذا الاعتراض بأمرين: الأول: أنّ كلام الترمذي محمول على الغالب، فالذي ذكره الترمذي بقيد "إلا من هذا الوجه" مغمور وقليل بالنسبة إلى مطلقه. والآخر: يحتمل أنّ يريد به: لا نعرفيه إلا من حديث بعض الرواة، لا أنّ المتن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، أي: انفراد الراوي به من راوٍ آخر، لا أن المتن منفرد به. ويدل على هذا أنه أخرج في كتاب الفتن: باب ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح (٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤) حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة رفعه: "من أشار على أخيه بحديدة … "، قال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، يستغرب من حديث خالد" فاستغربه من حديث خالد لا مطلقًا، وينظر منه أيضًا حديث (رقم ١١٥)، وينظر أيضًا: "نكت الزركشي على ابن الصلاح" (١/ ٣٧٠)، وكتابي "البيان والإيضاح" (٦٦ - ٦٧). (¬٢) "الاقتراح" (ص ١٧٦)، بتصرف.