ص ٥٩ · ٦٧ / ٧٤
لو كان تشريعاً ما رجع الرسول ﷺ عن رأيه، وأخذ برأي الحباب بن المنذر ونفذ الرسول ﷺ رغبة الحباب ﵁. ثالثاً: اجتهاده ﷺ في الأقضية: والرسول ﷺ يجتهد في الأقضية بالإجماع (١) . وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: "إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٢) . وفي الحديث دلالة على الحالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئاً، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على الناس وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر، فيحكم ﷺ بالبينة واليمين، ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كُلف بحكم الظاهر (٣) . وقضاء الرسول ﷺ يكون في القضية قبل نزول الوحي، فإن نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضي به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآنُ الكريم، ولذلك فقضاؤه بغير الوحي إنما هو عن اجتهاد منه.
(١) شرح الأسنوي على المنهاج لجمال الدين عبد الرحيم (جـ ٢/ ١٧٢) ط. صبيح. (٢) رواه من حديث أم سلمة: الإمام البخاري (٢٤٥٨) في كتاب المظالم، باب (إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، والإمام مسلم (١٧١٣) في كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة. (٣) اجتهاد الرسول ﷺ د. نادية العمري / ٩٨. مؤسسة الرسالة.