← نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت عتر

ص ١٠٨ · ١٠٤ / ١٥٧

ولأنَّ ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوَحْي فلا يقعُ من الصحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويَستَمِرُّون عليه إلَّا وهو غيرُ ممنوعِ الفِعْلِ. وقَدْ استدَلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ ﵄ على جواز العَزْلِ بأنَّهم كانوا يَفْعَلونَه والقرآنُ يَنْزِلُ (¬١)، ولو كان مما يُنْهَى عنه لنَهَى عنه القرآنُ. ويَلْتَحِقُ بقوله "حُكمًا" ما وَرَدَ بصيغة الكِناية في مَوْضِعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنسبةِ إليه ﷺ كقول التابعيِّ عن الصحابيِّ: "يَرْفَعُ الحديثَ، أو يَرْوِيه، أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يبلُغُ به، أو رَوَاه" (¬٢). وقد يَقْتَصِرُونَ على القول مع حَذْفِ القائل (¬٣)، ويريدون به النبيَّ ﷺ كقول ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ قال: قال: تُقاتِلون قومًا. . . الحديث (¬٤)، وفي كلام الخطيبِ أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البَصْرة. ومن الصيغِ المحتملة قولُ الصحابي: "من السُّنَّة كذا"، فالأكثرُ أنَّ ذلك مرفوعٌ، ونَقَلَ ابنُ عبد البَرِّ فيه الاتفاقَ، قال: وإذا قالها غيرُ الصحابي فكذلك ما لم يُضِفْهَا إلى صاحِبِها كَسُنَّةِ العُمَرَيْن، وفي نَقْلِ الاتفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشافعي في أصلِ المسألة قَولانِ، وذهبَ إلى أنه غيرُ مرفوعٍ أبو بكرٍ الصَّيْرَفيّ (¬٥) من الشافعية، وأبو بكرٍ الرازي من الحَنَفِيَّة،

الحاشية

(¬١) ولفظُه: "كنا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِلُ". البخاري: ٧: ٣٣ ومسلم: ٤: ١٦٩ كلاهما عن جابر وأبي سعيد. (¬٢) المراد بهذه الألفاظ كلِّها نِسْبَةُ الحديث إلى النبي ﷺ والوصول به إليه، "يَنْمِيه" أي يَنقُلُه عنه، و"يَبْلُغُ به" أي إلى النبي ﷺ وهكذا. ومن أمثلتها حديثُ أبي هريرة روايةً: "تقاتلون قومًا صغارَ الأعين. . .". هكذا عند أبي داود: ٤: ١١٢. وعند مسلم: ٨: ١٨٤: "يبلغ به. . .". ورواه البخاريُّ بالرَّفع الصريح: ٤: ٤٣ والترمذي: ٤: ٤٩٧. (¬٣) وهو أن يقول الراوي عند ذكر الصحابي: قال: قال. ولا يذكر القائل أي النبي ﷺ. (¬٤) سَبَقَ تخريجهُ، وهذه روايةٌ أخرى له. (¬٥) محمد بن عبد الله الصَّيْرفي أبو بكر، الفقيه الشافعي، أحدُ المتكلمين المشهورين بالنظر في زمانه. (ت ٣٣٠) له شرح رسالة الشافعي، وغيره في الأصول والفروع.

الصفحة السابقة →← الصفحة التالية