ص ٤٦ · ٣٨ / ١٩٧
رسول الله ﷺ وعاءين: فأمّا أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم" (¬١). * رابعاً: حرصهم على رواية الحديث بنصه المسموع: فقد كان الصحابة الكرام فمن بعدهم يحرصون على أداء ألفاظ الأحاديث النبوية كما هي، دون أن يبدّلوا حرفاً بحرف، أو كلمة بكلمة. وذلك استناداً منهم إلى قوله ﷺ: "نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئاً، فبلَّغه كما سمع" (¬٢). لذلك فلم يكنوا يحدِّثون عن رسول الله ﷺ بالمعنى إلا في حال الضرورة، عند غياب لفظ الحديث عن الذهن، وبقاء معناه، أو تشككهم في لفظه، فحينئذ يترخصون في الرواية بالمعنى، لمصلحة تحصيل الحكم وتبليغه (¬٣). ومن الشواهد الدالة على ذلك: ما أخرجه أحمد في المسند، عن أبي جعفر، قال: "كان عبد الله بن عمر إذا سمع من نبي الله ﷺ شيئاً، أو شهد معه مشهداً، لم يقصر دونه أو يعدوه. قال: فبينما هو جالس وعُبيد بن عُمير يقصّ على أهل مكة، إذ قال عُبيد بن عمير: مَثَلُ المنافق كمَثَلِ الشاة بين الغنمين، إن أقبلتْ إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلتْ إلى هذه نطحتها. فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا! فغضب عُبيد بن عمير، وفي المجلس
(¬١) "صحيح البخاري» (١٢٠). وقد حمل العلماء الوعاء الذي نشره بأنه ما فيه أحكام الدين والشريعة، وأما الوعاء الذي لم ينشره: فما كان فيه من أخبار الفتن، والأحاديث التي تبين أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقيل غير ذلك، ينظر "فتح الباري» لابن حجر ١/ ٢١٧. (¬٢) رواه الترمذي في سننه (٢٦٥٧) وقال: حسن صحيح. (¬٣) على أن الرواية بالمعنى إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون في جميع ألفاظ الحديث، وقد اشترط العلماء لجوازها شروطاً صارمة مقررة في كتب المصطلح.