page 2435, entry [3882]Open original source
[صلابته في القضاء] واتّفق له في ولايته القضاء أن بعث إليه الأمير منكوتمر النائب يعلمه أنّ تاجرا مات، وترك أخا، من غير وارث سواه. وأراده أن يثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث، بمجرّد هذا الإخبار، فأبى ذلك. وتردّدت الرسل بينهما إلى أن اشتدّ غضب منكوتمر، فبعث إليه الأمير كرت الحاجب. فلمّا دخل عليه سلّم فوقف، فردّ القاضي ﵇، وقام له نصف قومة وأمره فجلس. وأخذ يتلطّف بالقاضي في إثبات أخوّة التاجر بشهادة منكوتمر. فقال: فماذا ينبني على شهادة منكوتمر؟ فقال: يا سيّدي، ما هو عندكم عدل؟ فقال: سبحان الله! ثمّ أنشد [الطويل]: يقولون: هذا عندنا خير جائز ... ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟ وكرّر [١٦٩ ب] هذا البيت ثلاث مرّات. وقال: والله متى لم تقم بيّنة شرعيّة تثبت عندي، وإلّا فلا حكمت بشيء! باسم الله! - يعني: قم! - فقام كرت وهو يقول: هذا والله هو الإسلام. وبلغ ذلك الأمير منكوتمر فاعتذر إليه فلم يقبل عذره. فلمّا طلع القاضي للخدمة بالقلعة على العادة، ومرّ بدار النيابة، ومنكوتمر جالس بالشبّاك، تسارع الحجّاب إليه واحدا بعد واحد يقولون: يا سيّدي، الأمير ولدك يريد الاجتماع بخدمتك.- فلم يلتفت إلى أحد منهم، وهم يكرّرون السؤال. فقال: قولوا له: ما وجبت طاعتك عليّ! ثمّ التفت إلى من معه وقال: أشهدكم أنّي عزلت نفسي. قولوا له: فليولّ غيري! - ورجع من غير أن يدخل إلى الخدمة السلطانيّة، ودخل بيته وأغلق بابه وبعث إلى النوّاب في الحكم بمنعهم. فشقّ ذلك على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، وأنكر على الأمير منكوتمر. وبعث إلى القاضي بالشيخ نجم الدين حسين بن محمد بن عبّود، والطواشي مرشد، فما زالا به حتى ركب معهما إلى القلعة. فعند ما رآه السلطان قام إليه وتلقّاه، وأخذ بيده ليجلسه على المرتبة، فبسط خرقة كانت في كمّه فوق المرتبة، وكانت من الحرير، فجلس دون المرتبة. وأراد بوضع الخرقة فوق المرتبة ستر الحرير حتّى لا يراه وهو جالس. وأخذ السلطان يعرض عليه العود إلى القضاء ويتلطّف به وهو يأبى ذلك، إلى أن قبل الولاية. فقال له السلطان؛ يا سيّدي، هذا ولدك منكوتمر- وأشار إليه- يكون خاطرك معه. ادع له! - فنظر إلى منكوتمر ساعة، وصار يفتح يديه ويقبضهما، ثمّ قال: منكوتمر ما يجيء منه شيء! يكرّرها مرّات. وقام. فأخذ السلطان الخرقة وفرّقها على الأمراء تبرّكا بها.