page 1240, entry [1793]Open original source
[حكم ابن القارح معلّمه عليه] [٤٦٣ ب] وقد ذكره أبو الحسن علي بن منصور ابن طالب، المعروف بابن القارح وب «دوخلة» الحلبيّ في رسالته إلى أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ، ومنها نقلت، فقال: ثمّ سافرت إلى مصر ولقيت أبا الحسن المغربيّ، فألزمني أن لزمته (٣) لزوم الظلّ، وكنت منه مكان المثل في كثرة الإنصاف، والحنوّ والالتحاف (٤). فقال لي سرّا: أنا أخاف همّة أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه. فإن كانت الأنفاس ممّا يحفظ ويكتب، فاكتبها واحفظها وطالعني بها. فقال لي يوما: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه! فقلت له: وأيّ خمول هنا؟ تأخذون من مولانا- خلّد الله ملكه- في كلّ سنة ستّة آلاف دينار. وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظّم مكرّم. فقال: أريد أن يصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب! ولا أرضى بأن يجري علينا كالولدان والنسوان. فأعدت ذلك [على] أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه- وقبض على لحيته وهامته (١). وعلم بذلك أبو القاسم فصارت بينه وبينه وقفة. ثمّ ذكر دوخلة خروجه من مصر إلى أن قال: ورد عليّ كتاب أبي القاسم فسرت إلى ميّافارقين، فكان يسرّ حسوا في ارتغاء. قال لي يوما: لي أيّام ما رأيتك؟ قلت: أعرضت حاجة؟ قال: لا. أردت أن ألعنك. قلت: فالعنّي غائبا. قال: لا. في وجهك أشفى. قلت: ولم؟ قال: لمخالفتك إيّاي فيما تعلم. وقلت له، ونحن على أنس بيني وبينه: لي حرمات ثلاث: البلديّة، وتربية أبيه [لي]، وتربيتي لإخوته. قال: هذه حرم مهتكة: البلديّة نسب بين الجدران، وتربية أبي لك منّة لنا عليك، وتربيتك لإخوتي بالخلع والدنانير. [و] أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت جنونه، لأنّه كان جنونه مجنونا، وأصحّ منه مجنون، وأجنّ منه لا يكون، و [قد] أنشد [الطويل]: جنونك مجنون، ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون بل جنّ جنانه، ورقص شيطانه [الطويل]: به جنّة مجنونة، غير أنّها ... إذا حصّلت، منه ألبّ وأعقل وقال لي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد، وليس يسنح لي ما أرضاه. فقلت: أنا أفعل هذا الساعة. قال: أنت جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب. فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته [الطويل]: [٤٦٤ أ] لقد أشبهتني شمعة في صبابتي ... وفي هول ما ألقى وما أتوقّع نحول، وحرق في فناء ووحدة ... وتسهيد عين واصفرار وأدمع فقال: كنت قد عملت هذا قبل هذا الوقت! قلت: تمنعني سرعة الخاطر وتعطيني علم الغيب؟ وقلت [٣٩٥ أ]: أنت ذاكر قول أبيك لي ولك وللبتّيّ الشاعر ولمحسن الدمشقيّ، ونحن في الطارمة (٢): اعملوا قطعة قطعة فمن جوّد جلعت جائزته كتبها فيها- فقلت [الكامل]: بلغ السماء سموّ بي ... ت شيد في أعلى مكان بيت علا حتّى تغوّ ... ر في ذراه الفرقدان فانعم به، لا زلت من ... ريب الحوادث في أمان فاستجاد سرعتها وخلع عليّ وكتبها في الطارمة. [قال] وكان أبو القاسم ملولا، والملول ربّما ملّ الملالي (١)، وكان لا يملّ أن يملّ، ويحقد حقد من لا تلين كبده، ولا تنحلّ عقده. وقال لي بعض الرؤساء معاتبا: أنت حقود، ولم يكن حقودا. فقلت له: أنت لا تعرفه. والله ما كان يحنى عوده ولا يرجى عوده. وله رأي يزيّن له العقوق، ويمقّت إليه رعاية الحقوق، بعيد من الطبع الذي هو للصدّ صدود، وللتأليف ألوف ودود، كأنّه من كبره قد ركب الفلك، واستوى على ذات الحبك (٢). ولست ممّن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلّته، ويؤثّل حالا عند من يحبّ ثلّته (٣)، أو يقبل بوجهه على من لا يجعله قبلته. فلمّا رأيته سادرا جاريا في قلّة إنصافي على غلوائه، محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت ودّه فيما سال به الوادي [الطويل]: ففي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل وأنشدت الرجل أبياتا أعتذر بها في قطعي له [الطويل]: فلو كان منه الخير إذ كان شرّه ... عتيدا، لقلنا: إنّ خيرا مع الشرّ ولو كان، إذ لا خير، لا شرّ عنده ... صبرنا، وقلنا: لا يريش ولا يبري ولكنّه شرّ ولا خير عنده ... وليس على شرّ إذا دام من صبر وبغضي له- شهد الله- حيّا وميتا، أوجبه أخذه محاريب الكعبة الذهب [٤٦٤ ب] والفضّة، وضربها دنانير ودراهم- وسمّاها الكعبيّة- وأنهب العرب الرملة وخرّب بغداد. وكم دم سفك، وحريم انتهك، وحرّة أرمل، وصبيّ أيتم! . قال كاتبه وجامعه (٤): قد صرّح- عفا الله عنه- أنّه عدوّ غضبان، وقلّ أن تكون مع هذين سلامة من عدوان. فلا تلتفت إلى تحامله في كلامه، وتعدّيه في عتبه وملامه، لا سيّما وهو مرميّ بالكذب والمين.