page 1235, entry [1788]Open original source
[رسالته إلى مشرّف الدولة في رفع التهمة عن نفسه] فكتب في هذا المعنى ما يكشف وجه الشبهة في أمره ويزيل الظّنّة: الدهر أبو العجائب وذو الغرائب، إلّا أنّي ما ظننته يبدع هذه البدعة الشنعاء، ولا يطرّق هذه الظنّة النكراء. وينبغي أن أعدل عن الاحتجاج للملك أدام الله بقاءه، وأعزّ نصره ولواءه، وللمؤتمن على تدبيره، والسفير بينه وبين عسكره، أدام الله تمكينه، بأنّ الله يعلم، والناس يعلمون، خلوص النيّة لهما في الطاعة، والبعد من هذه الشناعة. فإنّ تشاغلي بما يخصّني من هذه الحال التي ظننت أنّ العرض على الله يسبقها، وأنّ المعتقد المقدّس قد استحكم في الثقة بي استحكاما تقصر أيدي الأيّام عن صناعة مثلها، أولى. فإن كان يظنّ أنّ ما وسمت به من النسب المستعار، يحملني على الازورار، فإنّ الأمر بضدّه، إذ كان أصلي من البصرة، وانتقل سلفي عنها في فتنة الورزنينيّ (١) إلى بغداد. وكان جدّ أبي- وهو أبو الحسن علي بن محمد- يخلف على ديوان المغرب، فنسبت به إلى المغربيّ. وولد له جدّي [٣٩٣ أ] الأدنى ببغداد في سوق العطش، ونشأ وتقلّد أعمالا كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة. وكان خال أبي، وهو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوراجيّ الذي مدحه المتنبيّ (٢)، متحقّقا بصحبة أبي بكر محمد بن رائق. فلمّا لحق أبا بكر ما لحقه بالموصل سار جدّي وخال أبي إلى الشام والتقيا بالإخشيد. وأقام [٤٦١ أ] والذي وعمّي رحمهما الله بمدينة السلام، وهما حدثان، إلى أن توطّدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد. وأنفذ الإخشيد غلامه فاتك المجنون (٣)، الممدوح المشهور، فحملهما ومن يليهما إلى الرحبة وسار بهما على طريق الشام إلى مصر. وأقامت الجماعة هناك إلى أن تجدّدت قوّة للمستولي على مصر، فانتقلوا بكلّيّتهم وحصلوا في حيز سيف الدولة أبي الحسن [علي] بن حمدان مدّة حياته. واستولى جدّي على أمره استيلاء تشهد به مدائح لأبي نصر ابن نباته فيه. ثمّ غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده، وتدلّ على ذلك مدائح أبي العبّاس النامي فيه. ثمّ شجر بينهما ما يتّفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا (٤) ففارقه من الرحبة وانحدر إلى الأنبار قاصدا مدينة السلام. فلمّا حصل بالأنبار وجد العراق مضطربا وبهاء الدولة ﵀ في أوّل أمره غالبا. وخوّف من المقام فركب مغرّرا بنفسه قاصدا إلى الشام ليتمكّن من تعرّف أخبارنا وافتكاك إسارنا، فإنّا كنّا بحلب معوّقين من بعده. فلقي بمصر الحظوة التي عرفت- وليتها ما اتّفقت! - فإنّ ختامها كان سمّا ذعافا وعقباها كانت بوارا واجتياحا. وانتقلت في إثره، وكانت والدتي من أهل العراق، ولنا أملاك إلى اليوم بالنعمانيّة موروثة. فكنّا بمصر زوّارا، وبالعراق لمّا انتقلنا إليها قاطنين وألّافا. فهذا أوّلا حديث الأصل الذي وقع الاشتباه به وتمّ التمويه فيه. ثمّ أرجع إلى ذكر الدين: فإنّي نشأت وغذّيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ومنافثة الفقهاء ومجالسة العلماء. وو الله ما رأيت بتلك البلاد مأدبة ولاوليمة، ولا كنت متشاغلا إلّا بعلم أو درس، ولقد سلم لي من جزازات (٥) كتبي ما هو اليوم دالّ على تشاغلي بالدين القيّم، واستمراري على النهج الأسلم. فإنّه ليس كتاب من كتب السنّة إلّا وقد أحطت به رواية، ورمته دراية، وههنا اليوم نسختان من موطّإ مالك بسماعي من جهتين وعليهما خطوط الشيوخ، والصحيحان لمسلم والبخاريّ، وجامع سفيان، ومسانيد عدّة عن التابعين، ولي- وأحمد الله- إملاءات عدّة في تفسير القرآن وتأويله وتخريجات من الصحاح المذكورة. وسمعت كتابي المزنيّ عن الطحاويّ عن المزنيّ (١). وأمّا الأحاديث المنشورة [٤٦١ ب] التي كنت أباكر بكور الغراب لاستماعها، وأطّرح رتبة الدنيا في مزاحمة أشياعها، فأكثر من أن تحصى. وكيف يظنّ بمثلي ممّن ظهر تماسكه إن كان لم يظهر باطنه، تعلّق بالهباء المنثور، وتمسّك بالضلال والزور؟ أعوذ بالله! . ثمّ من بعد: فممّا يكثر تعجّبي منه أن تستمرّ هذه الشبهة فيعتقد أنّ أهل مصر كلّهم على المذهب الذي لا يرتضى. فإنّ السنّة المصمتة (٢) غالبة على أهل مصر حتى لا أعرف واحدا فردا يشذّ عنها، بل ربّما تعلّق بعضهم بمحبّة أهل البيت ﵈، وانفرد بها انفرادا يخصّ به المحقّين منهم ويعدل فيه عن غيرهم، حتّى إنّه ليس هناك أحد يتشبّت بذلك المذهب إلّا حشو من العوامّ غرضهم الانتصار به من الذلّة والتشرّز (٣) على نظرائهم من السوقة. ثمّ إذا نظر إلى ما منيت به في تلك البلاد من ذهاب السطوة الجائدة بدوح لي وأغصان، وشيوخ وشبّان، علم أنّ قلبي لو كان صافيا (٤) لتكدّر تكدّرا لا يرجى بقاؤه أبدا. ومن المعلوم أنّي لو أنست بتلك البلاد لكان لي إليها بعد ذهاب الشخص الأوّل طريق لحب (٥)، ومذهب سهل. إلّا أنّني علم الله، نافر منها ومن مالكها نفورا قد صار صبغة لا حيلة في زوالها، ولا طريق إلى انتقالها، لأنّها ليست لي وطنا ولا «أوّل أرض مسّ جلدي ترابها» (٦) فأتأسّف عليها. والعجب أنّي كنت في الظواهر لا في البطاح، بأكناف ذلك السرير المقدّس النبويّ، لا بمرأى أيّ منه ومسمع، وحولي من أعصي به وأطيع، وأنفع وأضرّ، من أمراء العرب حرسهم [٣٩٣ ب] الله في طوائف كثيرة من العجم، فما حلت قطّ عن التمسّك بالولاء والتقرّب، فكيف الآن، لمّا صرت متقلّدا خدمة هذه السدّة، زاد الله في بهاء سلطانها، ومتطوّقا أمانته في تشييد عزّها، ومتّخذا هذه القصور البيض معقلا لي ولولدي، أعدل عن ذلك؟ إنّ هذا لمن العجائب كما قدّمت ذكره. ومن السياسة العلويّة الآن أن يكشف كلّ ما رقّي حتى يبلغ إلى آخره ليعرف حقّه من باطله، وصدقه من ماحله. فقد أحدث للقلب الأشرف انزعاجا، وللسرير الأعظم ارتجاجا، وابتذلت الألسن من الذكر ما كان يجب أن يكون مصونا عنها، وكنت أنا خاصّا جاريا بشوط الجموح في الخدمة. ثمّ قد يعلم الله، لئن نشأ لي طروق هذه التهمة العائرة، أحلّ الله السوء الممحق من كان سببها. [٤٦٢ أ] وكتبت هذه السطور كما ينفث المصدور، والله حسبي ونعم النصير. فلم يلتفت إلى قوله، وعزل في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وأربعمائة بأبي طاهر المحسّن بن طاهر الشيرازيّ. وكانت وزارته عشرة أشهر وخمسة أيّام.