page 1134, entry [1645]Open original source
بتوسّط القائد رفق] ووافى منزله فوجد [أن] قد حضر إليه من ضياعه ثلاثون حملا من التفّاح لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير الفلاحيّ، وبعث لقاضي القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجلّ عدّة الدولة رفق خمسة أحمال، وفرّق حملين على حواشيهم. وكان ثمن هذه الأحمال يبلغ جملة (١) ثلاثمائة دينار. فلم يلتفت أحد منهم إليه ولا عطف عليه [ما خلا القائد الأجلّ عدّة الدولة رفق، فإنّه شكره وأثنى عليه] (٢). [ ... ] ولا تقدّم منّا إليه من الجميل ما يوجب أن يكافئنا عليه، وهذا رجل حرّ له مروءة توجب أن نصطنعه ونحقّق حسن ظنّه بنا. وركب اليازوريّ من الغد ووقف عند باب البحر، فلمّا أقبل رفق من داره يريد القصر، تلقّاه وسلّم عليه. فأكرمه ورحّب به وسأله عن حاله، ثمّ دخل إلى القصر وقضى حقّ الخدمة، وخرج فوجده واقفا على حاله. فسلّم عليه، وسار معه إلى داره حتّى وصل إليها، فانثنى اليازوريّ راجعا، وأقام على ذلك أيّاما. فخفّ على قلب رفق، وقويت رغبته في اصطناعه. وصار إذا وصل إلى داره أمر اليازوريّ بالنزول معه، فينزل ويجلس معه ويحادثه، وكان حلو الحديث فكه المحاضرة. فأطال جلوسه معه. وبقي رفق إذا غاب عنه يشتاق إليه، وإذا همّ بالقيام عنه أمسكه إلى أن تحضر المائدة، وأكثر منه حتّى عدّ من خواصّه. ولمّا ضجرت أمّ المستنصر من عرض خدمتها على أبي نصر إبراهيم (٣) أخي أبي سعد سهل التستريّ، وامتناعه، حتّى وقفت أمور خدمتها وبقي بابها مغلوقا مدّة ثلاثة أشهر، قال رفق في بعض الأيّام لليازوري، وقد أفضى به الحديث إلى كثرة رغبة السيّدة أمّ الخليفة في أبي نصر وامتناعه: إنّي أرى رأيا، فما عندك فيه؟ قال اليازوريّ: ما هو؟ قال: تكتب رقعة تلتمس خدمة السيّدة وتعرض نفسك عليها. فقال له اليازوريّ: كنت أظنّ جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي، فأكذبني ظنّي. فقال: بماذا؟ قال: لهزئك بي، فإنّي قد اجتهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل عليّ بها. فكيف إذا تعرّضت لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء؟ فقال له: أما ترضى بي سفيرا لك في هذا الأمر وعلى استفراغ الوسع لوجوب حقّك عليّ؟ فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك، فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى، فعلى أكثر من العطلة ما نحصل (٤). فاستجاب إلى ذلك، وكتب رقعة يعرض نفسه وماله على السيّدة، ويخطب خدمتها ويبذل الاجتهاد فيها. فأخذ رفق الرقعة وركب من الغد إلى [٣٦٠ أ] القصر، ودخل إلى السيّدة وقد أحضرت أبا نصر وعاودته في الخطاب وهو على حاله من الامتناع إلى أن أضجرها. فانتهز رفق الفرصة بضجرها، وقال: يا مولاتنا قد طال غلق بابك ووقوف خدمتك وكثرة امتناع الشيخ أبي نصر ممّا تريد [ين] هـ منه. وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكثير المروءة، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرّض لمالك، وهو ثقة ناهض كاف. فقالت: من هو؟ فقال: القاضي أبو محمد اليازوريّ. وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر، وقالت له: ما تقول فيه؟ فلم يصدّق بذلك وقال: يا مولاتنا، هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ذلك منها بالموافقة لما كان في نفسها من الغيظ بامتناعه عليها، وقالت لرفق: قل له يجلس في داره غدا إلى أن أنفذ إليه. فسرّ رفق بذلك سرورا كبيرا وخرج، فرأى الياوزريّ فقال له: أقمح أم شعير؟ قال: بل برّ يوسفيّ- وقصّ عليه القصّة وقال له: اغد إلى دارك فلا حاجة إلى الاجتماع اليوم، وإذا كان الغد فاجلس حتى يأتيك رسول السيّدة. ففعل، وجاءه من الغد الرسول يستدعيه، فركب إلى باب السيّدة وقد جلست له وراء المقطع، وردّت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها الذي هو باب الريح، فبلغ ذلك الوزير أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ، فشقّ عليه كون هذا الأمر لم يكن على يده مع علمه أنّه لا يقدر عليه، فإنّ السيّدة لم تكن تسمع قوله لما في نفسها منه بقتل أبي سعد، ولم يسعه إلّا المجاملة. واستدعى أمراء الأتراك وأمرهم بالمضيّ إليه وتهنئته، فلمّا دخلوا على اليازوريّ تلقّاهم وأعظمهم لسعيهم إليه، وعند ما هنّئوه شكرهم وأثنى عليهم، وقال: ما أنا إلّا خادم ونائب لمواليّ الأمراء، وأسأل في تشريفي بما يعنّ لهم من خدمة أنهض فيها وأبلغ الغرض فيما يرسمون.