Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[مدح ليلى الأخيلية له]

المقريزي - المقفى الكبير · page 1062, entry [1562]

المقفى الكبير — المقريزي

page 1062, entry [1562]Open original source
[مدح ليلى الأخيليّة له] وذكر أبو الحسن المدائنيّ عمّن حدّثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصي (٢)، قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجّاج، فدخل يوما ودخلت إليهما، وليس عند الحجّاج أحد غير عنبسة، فقعدت، فجيء الحجّاج بطبق فيه رطب فأخذ الخادم منه شيئا فأتاني به، ثمّ جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء، ثمّ جيء بطبق آخر وآخر حتّى كثرت الأطباق، وجعل لا يأتون بشيء إلّا جاءني منه بشيء، حتى ظننت أنّ ما بين يديّ أكثر ممّا عندهم. ثمّ جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب. فقال الحجّاج: أدخلها. فدخلت، فلمّا رآها طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه قد أصاب الأرض. فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت إليها فإذا هي امرأة قد أسنّت حسنة الخلق، وإذا هي ليلة الأخيليّة، فسألها الحجّاج عن نسبها فانتسبت له. فقال لها: يا ليلى، ما الذي أتاني بك؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد. وكنت لنا بعد الله الرفد! فقال لها: صفي لنا الفجاج. فقالت: الفجاج مغبرّة، والأرض مقشعرّة، والمنزل معتلّ، وذو العيال مختلّ، والمال للقلّ، والناس مسنتون، ورحمة الله يرجون، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا، ولا عافظة ولا نافطة (٣)، أذهبت الأموال، ومزّقت الرجال وأهلكت العيال. ثمّ قالت: إنّي قد قلت في الأمير قولا. قال: هاتي. فأنشأت تقول [الطويل]: أحجّاج، لا يفلل سلاحك، إنّما ال ... منايا بكفّ الله حيث يراها أحجّاج، لا تعطي العداة مناهم ... ولا الله يعطي للعداة مناها إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها (١) فقال: لا تقولي: غلام قولي: همام! (قالت: ) ٥ سقاها فروّاها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها (٢) أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها (٣) فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفّ ثراها فقال الحجّاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها. ثمّ التفت إلى عنبسة [بن سعيد] فقال: والله إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا. والتفت إليها فقال: حسبك! فقالت: قد قلت أكثر من هذا. فقال: حسبك، ويحك، حسبك! (ثمّ قال: ) يا غلام، اذهب بها إلى فلان وقل له: اقطع لسانها. فذهب بها فقال: يقول لك الأمير: اقطع لسانها. فاستدعى الحجّام، فالتفتت إليه وقالت: ثكلتك أمّك، أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالبرّ والصلة. فبعث إلى الحجّاج يستثبته، فاستشاط غضبا وهمّ بقطع لسانه، فقال: «ارددها! » فلمّا دخلت عليه قالت: «كاد والله أيّها الأمير يقطع مقولي». ثمّ أنشأت تقول [البسيط]: حجّاج، أنت الذي ما فوقه أحد ... إلّا الخليفة والمستغفر الصمد [٣٣٦ أ] حجّاج أنت شهاب الحرب إن ... لقحت وأنت للناس نور في الدجى يقد فأقبل على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير، إلّا أنّنا لم نر امرأة قطّ أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة بن الحميّر الخفاجي في حبّها. ثمّ قال لها: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال توبة فيك. قالت: نعم، أيّها الأمير، هو الذي يقول [الطويل] (٤): وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها ... وقام على قبري النساء الصوائح كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ، وفوقي جندل وصفائح (١) ٥ لسلّمت تسليم البشاشة، أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر ضابح (٢) فقال: زدينا. فقالت: نعم، هو الذي يقول [الطويل] (٣): حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها أبيني لنا، لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء غضّ نضيرها وأشرف بالقوز اليفاع لعلّني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها وكنت إذا جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها الأبيات ... فقال الحجّاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيّها الأمير، كان يلمّ بي كثيرا، فأرسل إليّ يوما: «إنّي آتيك». ففطن الحيّ فأرصدوا له، فلمّا أتاني سفرت، فعلم أنّ ذلك لشرّ فلم يزد على التسليم والرجوع. فقال: لله درّك! فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ قالت: لا، والله الذي أسأله أن يصلحك، غير أنّه قال لي مرّة قولا ظننت أنّه خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول [الطويل]: (٤) وذي حاجة قلنا له: لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا والذي أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئا حتّى فرّق الموت بيني وبينه. قال: ثمّ مه؟ قالت: لم يلبث أن خرج في غزاة، فأوصى ابن عمّ له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة، فناد بأعلى صوتك [الطويل] (٥): عفا الله عنها، هل أبيتنّ ليلة ... من الدّهر لا يسري إليّ خيالها فخرجت وأنا أقول (٦): وعنه عفا ربّي وأحسن حاله ... فعزّ علينا حاجة لا ينالها قال: ثمّ مه؟ قالت: لم يلبث أن مات، فأتى نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك فيه. فأنشدت، ثمّ قال: سلي يا ليلي تعطي. قالت: أعط فمثلك أعطى فأحسن. قال: لك عشرون. قالت: زد، فمثلك زاد [فأجمل]. قال: لك أربعون. قالت: زد، فمثلك زاد فأفضل. قال: لك ستّون. قالت: زد، فمثلك زاد فأكمل. قال: لك ثمانون. قالت: زد، فمثلك زاد فتمّم. قال: لك مائة، واعلمي يا ليلى أنّها غنم! قالت: معاذ الله أيّها الأمير! أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا من أن تجعلها غنما. قال: فما هي ويحك؟ قالت: مائة ناقة برعائها. فأمر لها بها، ثمّ قال: أيّ نسائي أحبّ إليك أن أنزلك عندها الليلة؟ قالت: ومن نساؤك أيّها الأمير؟ قال: أمّ الجلاس (١) بنت سعيد بن العاص الأمويّة [٣٣٦ ب] وهند بنت أسماء بن خارجة الفزاريّة، وهند بنت المهلّب بن أبي صفرة العتكيّة. فقالت: القيسيّة أحبّ إليّ- أرادت الفزاريّة لأنّ فزارة من قيس عيلان-[فدخلت عليها فصبّت حليها عليها حتّى أثقلتها لاختيارها إيّاها ودخولهاعليها دون من سواها] (٢). وذكر المدائنيّ أنّ الحجّاج لم يكن يظهر منه لجلسائه بشاشة ولا سماحة في الخلق إلّا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيليّة، فقال لها: بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن الحمير فعدلت عنه. فو الله ما وفيت له، ولو كان هو بمكانك ما عدل عنك. قالت: أصلح الله الأمير، إنّ لي عذرا. قال: وما عذرك؟ قالت: إنّي سمعته يقول: ولو أنّ ليلى الأخيليّة ... وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أكذّبه. فاستحسن الحجّاج قولها وقضى حوائجها وانبسط في محادثتها، فلم نر منه بشاشة وأريحيّة داخلته مثل ذلك اليوم. *** ويروى عن بعض الفقهاء قال (٣): دعاني الحجّاج فسألني عن الفريضة المخمّسة، وهي: أمّ، وجدّ، وأخت. فقال لي: ما قال فيها الصدّيق ﵁؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، والجدّ ما بقي لأنّه كان يراه أبا. قال: فما قال أمير المؤمنين- يعني عثمان ﵁؟ قلت: جعل المال بينهم ثلاثا. قال: فما قال ابن مسعود ﵁؟ قلت (٤): أعطى الأخت النصف، والأمّ ثلث ما بقي، والجدّ الثلث لأنّه كان لا يفضّل أبا على جدّ. قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، وجعل ما بقي بين الأخت والجدّ للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه كان يجعل الجد كأحد الإخوة. (قال): فزمّ أنفه ثمّ قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، والأخت النصف، والجدّ السدس. فأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه، فقال: فإنّه امرؤ يرغب عن قوله (٥). وجلس الحجّاج يوما يأكل في جماعة، منهم محمد بن عمير (١) بن عطارد بن حاجب بن زرارة، وحجّار بن أبجر بن بجير (٢) العجلي، فأقبل على محمد بن عمير فقال: يا محمد، يدعوك قتيبة بن مسلم إلى نصرتي يوم رستاق باذ، فتقول: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل! لا جعل الله لك فيه ناقة ولا جملا! يا حرسيّ، خذ بيده وجرّد سيفك فاضرب عنقه! فنظر الحجّاج إلى الحجّار وهو يبتسم فدخلته العصبيّة، وكان مكان حجّار من ربيعة كمكان محمد ابن عمير من مضر. وأتى الخبّاز بفرنيّة أو لبنيّة (٣)، فقال: اجعلها ممّا يلي محمّدا، فإنّ اللبن يعجبه. يا حرسيّ، شمّر سيفك (يعني: أغمده) وانصرف! وقال الحجّاج على المنبر: يزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله يقول: وَثَمُودَ فَما أَبْقى [النجم: ٥١]. وقال يوما لأبي العسوس الطائي: أيّ أقدم، أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيّى الجبلين؟ فقال أبو العسوس: إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن، فنزول طيّ الجبلين قبلها. وإن كانت ثقيف من ثمود فهي أقدم. فقال الحجّاج: يا أبا العسوس، اتّقني، فإنّي سريع الخطفة للأحمق المتهوّك! فقال أبو العسوس [الطويل]: يؤدّبني الحجّاج تأديب أهله ... فلو كنت من أولاد يوسف ما عدا وإنّي لأخشى ضربة ثقفيّة ... يقدّ بها ممّن عصاه المقلّدا على أنّني ممّا أحاذر آمن ... إذا قيل يوما: قد عتا المرء واعتدى
Parsing and provenance details
Local passage ID
944303
Book record
shamela-145334
Source record
1015572
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain