page 1037, entry [1543]Open original source
[قتاله لشبيب الخارجيّ] وكان شبيب (١) بن يزيد بن نعيم الشيبانيّ بدويّا، فقدم دمشق يطلب الفريضة، وكان الناس إذ ذاك يخرجون إلى الشام يطلبون الفرائض في قومهم. وكان معاوية، ومن بعده من خلفاء بني أميّة لا يفرضون لأحد من بني بكر بن وائل ولا لبني تميم بالشام لما فيهم من رأي الخوارج، فنزل شبيب على روح بن زنباع، وكانت الأشراف الذين مع الخلفاء يضيفون من لا يعرفون. فقال شبيب لروح [٣٢٧ أ]: أنا رجل من بكر بن وائل من بني شيبان، ثمّ أحد بني مرّة، ولي شرف في قومي. وقد نزعت إليك ورغبت في الجهاد، فإن رأيت أن تكلّم أمير المؤمنين حتى يفرض لي؟ فقال: أفعل. فكلّم فيه عبد الملك فقال: أبا زرعة، إنّي أكره أن أفرض لبكريّ بالشام. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ له جلدا وعقلا. قال: فسله عن نسبه. فذكر ذلك روح لشبيب، وقال: إنّي سأعاوده فيك، فانتسب لي. فانتسب له شبيب، فذكره لعبد الملك فقال: ما أعرف هذا. فرجع إليه روح، فقال: ذكر أمير المؤمنين أنّه لا يعرفك. فولّى شبيب وقال: لعلّه يعرفني! فقال روح: أخلق بقفا هذا أن يجرّ شرّا! وخرج شبيب من العراق ومنزلة الكوفة، وقد سبقه صالح بن مسرّح التميميّ بالخروج، فانضمّ إليه حتّى قتل. فبايع الخوارج شبيبا، فأقبل حتى كان فيما بين الموصل والعراق. فبعث إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها. وأقام نحوا من سنة، فكثف أمره واشتدّ، ومات بشر بن مروان، وولي الحجّاج العراق، فقام قطريّ بن الفجاءة (١) خطيبا، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنّ الله قد قيّض للفاسق أخي ثمود- يعني الحجّاج- رجلا من الصفريّة- يعني شبيبا- قد أشجاه الله وشغله بنفسه، والله ما يبالي في أيّ الفريقين كان الفتح. فوجّه الحجّاج إلى شبيب عبيد بن أبي المخارق في رجال أهل الشام، وقد نزل شبيب الأنبار، فهزمه شبيب. ثمّ وجّه إليه يزيد بن هبيرة المجاري فهزمه. ثمّ بعث إليه زحر بن قيس فهزمه، وأصابته ثمانون طعنة وضربة، فعاد وهو يحمل في القطن، وعينه مفلوقة، فقال الحجّاج: يا أهل الشام، من أحبّ منكم أن ينظر إلى الشهيد الحيّ فلينظر إلى هذا! إنّ عين هذا لتنفخ مسكا في الجنّة! فقال زحر للّذي يحمله: ما أرضانا بالزيت! ثمّ بعث الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس فهزمه شبيب، فبعث عتّاب بن ورقاء التميميّ فلقيه شبيب وقتله. فبعث إليه الجزل الكندي مولى آل عتبة بن أبي معيط فقتله، فبعث إليه أبا الورد مولاه فقتله. فبعث إليه زياد بن عمرو العتكيّ فانهزم وقتل. فبعث إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتله شبيب، فبعث إليه أبا الضريس مولى بني تميم فقتله. ومكث شبيب أربع سنين، ثمّ ضرب الحجّاج البعث على الكوفة وخرج حتى عسكر في السبخة (٢)، وأقبل شبيب ينتقل فيها بين السواد والجبل، فبعث إليه الحجّاج عبد الله بن رميثة الطائيّ، ولم يكن مع الحجّاج يومئذ من أهل الشام إلّا نحو من سبعمائة رجل، فكتب ابن رميثة يستأمر الحجّاج، فكتب إليه أن: أقم مكانك، فما شعر الحجّاج، وهو في عسكره بالسبخة، إذ أقبل شبيب وقد سبق أصحابه في ثلاثين فارسا ففرّقهم في نواحي عسكر الحجّاج، ثم قال: «لا حكم إلّا لله! »، فانذعر الناس ودخل عامّتهم الكوفة، وقتل من أصحاب الحجّاج نحوا من ثلاثين ومائة رجل، ولم يقتل من أصحاب شبيب إلّا رجلان. ثمّ انصرف شبيب فلقي أصحابه في الطريق فردّهم، ثمّ أقبل حتى أتى الفالوجة فأقام بها خمس عشرة ليلة، ثمّ أقبل إلى الكوفة فبلغ الحجّاج فرحل إلى كوثى (٣)، وبعث إليه علقمة بن عبد الرحمن الحكميّ. فرجع شبيب إلى الأنبار، فضرب الحجّاج البعث على أهل الكوفة فجعلوا ينهزمون، ومرّ ابن الحرميّة العبدي على بقّال بالكوفة، وكان قد كتب بالبعث فقال: يا بقّال، إنّكم لفي عافية، فلمّا بلغت الحجّاج كتب إلى عبد الملك: الغوث! وجّه إليّ أهل الشام. وإنّ رجلا من أهل العراق مرّ ببقّال، فقال: كذا وكذا. فأمدّه عبد الملك بأربعة آلاف من أهل الشام، فقدموا عليه وشبيب بالأنبار، وقد أقام بها عشرين ليلة بعد أن التقى هو وعلقمة بن عبد الرحمن. فأصبح يوما وقد سقيت خيوله وعلّفت وجمّت فقال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: الرأي رأيك، فمرنا بأمرك! قال: هل لكم أن تدعوا بابن أبي الرغال الليلة، وذلك بعد ارتفاع الضحى؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، قد منع النهار. قال: وإن. فقرط فرسه عنانه، وقرّطوها أعنّتها، وسار بهم حتّى دخلوا الكوفة ليلا بعد ما صلّيت العشاء الآخرة، وهو في مائة وخمسين رجلا، ومعه امرأته الجهيرة بنت عمرو، وأمّه غزالة من سبي أصبهان. وكان الحجّاج قد رحل من البصرة ودخل الكوفة بعد العصر، وتحصّن بالقصر. وفي المسجد أصحاب البرانس يصلّون في السواري، وقد قامت الأحراس في السّكك، وخرج حرس الحجّاج إلى المسجد. فأقام شبيب على كلّ باب رجلين، وأمرهم أن يقتلوا من مرّ بهم. وقال لأمّه وامرأته: اقعدا على المنبر لا يصيبكما أحد بمعرّة. ودخل المسجد فقتل المصلّين، ومن فرّ قتله الذين على الأبواب، وأخذ ميمون العذاب مولى حوشب بن يزيد بن رؤيم الشيبانيّ- وكان حوشب يومئذ على الخراج، وميمون خليفته. فقال له شبيب: أين حوشب؟ قال: في منزله. فأرسل عدّة من أصحابه ليأتوا به فامتنع، فأتاه ميمون، ومعه عدّة من أصحاب شبيب، فأعلمه بقدوم شبيب فذبحه شبيب وجعل أصحاب شبيب يضربون باب القصر على الحجّاج، ويقولون: يا عدوّ الله! يا ابن أبي رغال! يا أخا ثمود! وفي ذلك يقول عتبان بن وصيلة الشيبانيّ (١) أحد أصحاب شبيب [الطويل]: لعمري لقد نادى شبيب وصحبه ... على الباب لو أنّ الأمير يجيب فأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب أتذكر إذ دارت عليك رماحنا ... بمسكن والكلبيّ ثمّ غريب؟ فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب ٥ فإنّك إن لا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب فلا ضير إن كانت قريش عدى لنا ... يصيبون منّا مرّة ونصيب فإن يك منهم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنهم هاشم وحبيب فمنّا سويد والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب ومنّا سنان الموت وابن عميرة ... ومرّة، فانظر أيّ ذاك تعيب فقال عبد الملك بن مروان لمّا بلغته الأبيات: كلامهم والله أعجب! فلمّا طلع الفجر قال شبيب لبعض أصحابه: «أذّن وأقم! » فأذّن وأقام. وتقدّم شبيب فصلّى بأصحابه، فقرأ سورة البقرة و [سورة] آل عمران حتى كادت الشمس تطلع، ثمّ جلس وسط المسجد ساعة، فأقبلت الجيوش فقال لأصحابه: اركبوا. فأمر الحجّاج قوما فقاموا على زوايا المسجد فنادوا: يا خيل الله، اركبي! وأقبل الناس فجالدهم شبيب وأصحابه في المسجد حتّى خرجوا على وجوههم، ثمّ خرج هو وأصحابه وتبعه الناس فاضطربوا في موضع السوق ساعة. ثم زاحفهم الحجّاج وهو يمشي حتّى تعب، ومعه يومئذ أربعة آلاف من أهل الشام، فقال لهم: لا تدعنّ معكم عراقيّا غير خالد بن عتّاب بن ورقاء، فإنّه ثائر بأبيه، وغير جهم بن زحر- وكان شبيب جرح أباه. وكانت على الحجّاج درع فانبهر، وقال: ويحكم! ابغوني دابّة. فطلبوا دابّة فلم يجدوا إلّا بغل سقاء أغرّ محجّلا فأتي به، فقال له سفيان بن الأبرد: أيّها الأمير، اركب هذا البغل، فإنّه أغرّ محجّل. قال: قرّبوه، فإنّه والله يوم أغرّ محجّل. فركبه، ثم قال: ويحكم، ذبحني العطش! فأتي بحوّ من ماء، فكره أن يشرب منه، فأمر بدرعه فقدّ جيبها ثمّ قال: أصبّه فيما بين جلدي والدرع. فضاربهم شبيب يومهم الأطول حتّى ألجأهم إلى البيوت، وأقبل شبيب حتى علا هو وأصحابه مزبلة تشرف على الكوفة وعلى أصحابه، ثمّ نزل وقاتل حتّى كثرت الجراحات. ثمّ ولّى بأصحابه إلى الأنبار فأقام بها، ولم يجتمع له مذ خرج إلى أن قتل أكثر من ثلاثمائة فارس. وقال أسامة بن زيد البجلي الأحيمر [٣٢٨ أ] يعيّر الحجّاج، وقيل: بل قائلها عمران بن حطّان [الكامل]: صدعت غزالة قلبه بكتيبة ... تركت مسامعه كأمس الدابر (١) ليث عليّ، وفي الحروب نعامة ... هو جاء تنفر من صفير الصافر هلّا خرجت إلى الغزالة في الوغى ... إذ صار قلبك في جوانح طائر؟ ألق السلاح، وخذ وشاحي معصر ... واعمد لمنزلة الجبان الكافر وقال الحجّاج لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أنّ القوم قد أثخنتهم الجراحات، فإن اتّبعوا لم يكن لهم قوام. فوجّه علقمة بن عبد الرحمن إليه فقاتله يوما وليلة، فولّى شبيب منهزما، فبعث إليه الحجّاج سفيان بن الأبرد بن الأصمّ الكلبيّ في ألفين، فطلبه حتّى انتهى إلى دجيل، فأقبل إليه شبيب، فقطع سفيان جسر دجيل، فاستدارت السفن بشبيب فغرق، فاستخرجه بالشباك، وقطع رأسه ورأس امرأته وأمّه وعدّة من أصحابه وبعث بها إلى الحجّاج، فبعث بها إلى عبد الملك، وعدّتها سبعون رأسا، فكانت أوّل رأس قدمت من رءوس الخوارج إلى الشام. ثمّ لمّا ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم ونقش عليها ذكر الله تعالى، ضرب الحجّاج الدراهم ونقش فيها «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، فكره الناس ذلك من أجل أنّ الجنب والحائض يمسّها. ومنع الحجّاج أن يضرب أحد غيره، فضرب سمير اليهودي، فأمر بضرب عنقه فقال له: عيار دراهمي أجود من دراهمك فلم تقتلني ولم تتركه؟ فوضع للناس صنج الأوزان ليتركه فلم يفعل. وكان الناس يعرفون الوزن قبل ذلك.