page 1040, entry [1544]Open original source
[ثورة عبد الرحمن ابن الأشعث] وخرج على الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وذلك أنّهولّى عبيد [الله] بن أبي بكرة سجستان في سنة ثمان وسبعين، فأقام سنة لم يغز. وكان رتبيل ملك الترك مصالحا له يؤدّي الخراج، وربّما امتنع، فكتب الحجّاج إلى عبيد الله بمناجزة رتبيل واستباحة بلاده وهدم قلاعه وقتل رجاله. فسار في أهل البصرة والكوفة وغنم، وغلب على شيء من أراضي رتبيل حتى أمعن في بلاد الترك ودنا من مدينتهم، فأخذ الترك عليهم العقاب والشعاب فاضطرّ إلى مصالحة رتبيل، وخرج بعد ما قتلعدّة من المسلمين، فلمّا بلغ ذلك إلى الحجّاج استأذن عبد الملك في تسيير الجنود إلى رتبيل وعرّفه ما حدث بالمسلمين فأذن له في ذلك، ففرض على أهل الكوفة عشرين ألف فارس وعلى أهل البصرة عشرين ألفا، وأعطى الناس أعطياتهم كاملة وأنفق فيهم ألفي ألف درهم سوى أعطياتهم، وألزمهم أن يخرجوا بالخيول الرائعة والأسلحة الكاملة. وقدّم عليهم عبد الرحمن بن الأشعث، وكان الحجّاج يبغضه ويقول: «ما رأيته قطّ إلّا أردت قتله». وكان الشعبيّ حاضرا فبلّغ قوله ابن الأشعث، فقال: والله لأحاولنّ أن أزيل الحجّاج عن سلطانه، فلمّا أراد الحجّاج أن يبعثه أتاه إسماعيل بن الأشعث فقال له: لا تبعثه! فو الله ما جاز جسر الصراة فرأى لوال عليه طاعة، وإنّي أخاف خلافه. فقال له الحجّاج: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيّره على ذلك الجيش في سنة ثمانين، فأخذ بلاد رتبيل وبثّ بها عمّاله، وحوى هو ومن معه مالا عظيما وكتب إلى الحجّاج بما فتح الله عليه، وأنّه اكتفى بما قد أصاب وعزم على الإقامة هناك عامه حتّى يجبي البلاد ويعرفها، ثمّ يأخذ في قابل ما وراءها. فكتب إليه الحجّاج يوبّخه ويأمره بالتوغّل في أرض الترك، وهدم حصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم. وإن لم يفعل فأخوه إسحاق بن محمد بن الأشعث أمير الناس. فقام عبد الرحمن في من معه وأعلمهم بما عزم عليه من الإقامة عامه وبما [٣٢٨ ب] بعث إليه الحجّاج، وأنّه يخاف عليهم ما نزل بأصحاب عبيد الله بن أبي بكرة. فثار إليه الناس وقالوا: «بل نأبى على عدوّ الله ولا نسمع له ولا نطيع! »، وكان فيهم أبو الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة، فتكلّم أوّل الناس بخلع الحجّاج ومبايعة عبد الرحمن، فنادى الناس من كلّ جانب: فعلنا! فعلنا! قد خلعنا عدوّ الله! ووثبوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجّاج ونفيه من العراق والنصرة له، ولم يذكروا عبد الملك بن مروان، فاستخلف عبد الرحمن على البلاد وصالح رتبيل، ورجع إلى العراق حتّى [إذا] بلغ فارس، اجتمع الناس وخلعوا عبد الملك بن مروان [وبايعوا ابن الأشعث على كتاب الله وسنّة نبيّه وخلع أئمّة الضلالة] (١)، وجهاد المحلّين. وبلغ ذلك الحجّاج، فكتب إلى عبد الملك وسأله تعجيل الجنود، وسار إلى البصرة فوافاه كتاب المهلّب بن أبي صفرة أنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك، وهم مثل السيل لا يردّهم شيء حتّى ينتهي إلى قراره. وقدمت جيوش عبد الملك، فخرج الحجّاج من البصرة يريد لقاء عبد الرحمن فنزل تستر وقدّم عسكرا، فهزمه عبد الرحمن بعد قتال شديد في يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وقتل منهم جمعا كثيرا. فرجع الحجّاج إلى البصرة وعبد الرحمن يتبعه، فقتل عدّة من أصحاب الحجّاج وأخذ من أثقاله، ونزل الحجّاج الزاوية وفرّق في الناس مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم، فنزل عبد الرحمنالبصرة وبايعه جميع أهلها قرّاؤها وكهولها. وكان سبب تسرّعهم إلى ذلك أنّ العمّال كتبوا إلى الحجّاج أنّ الخراج قد انكسر، فإنّ أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها أنّ من كان له أهل في قرية فليخرج إليها. فأخرج الناس ليأخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون: يا محمّداه! يا محمّداه! لكراهتهم في الخروج. فبكى قرّاء البصرة لما رأوه، وقدم عبد الرحمن عقيب ذلك فبايعوه على حرب الحجّاج وخلع عبد الملك، وذلك في آخر ذي الحجّة. فلمّا كان المحرّم سنة اثنتين وثمانين اقتتل الفريقان قتالا شديدا عدّة دفعات. فانهزم في آخره أصحاب الحجّاج. ثمّ عادوا إلى القتال فانهزم عبد الرحمن بمن معه وقتل منهم خلق كثير، وصار إلى الكوفة فاجتمع عليه أصحابه وبايعوه، فقاتل الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس، وتسمّى هذه الحرب وقعة الزاوية- وقتل الحجّاج فيها بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بأن نادى: «لا أمان إلّا لفلان وفلان! »، فقال العامّة: «قد أمّن الناس». وحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا كلّهم. وأقام إلى شعبان، ثمّ سار من البصرة إلى الكوفة، فخرج إليه عبد الرحمن ونزل دير الجماجم، وقد اجتمع إليه أهل الكوفة والبصرة والقرى، وأهل الثغور والمسالح. ونزل الحجّاج دير قرّة أوّل ربيع الأول، واجتمع إليه أمداده من أهل الشام. وقال: إنّ عبد الرحمن نزل دير الجماجم، ونزلت دير قرّة: «أما يزجر الطير؟ »، وخندق كلّ منهما على نفسه واقتتلوا كلّ يوم عدّة أيّام. فقال عبد الملك: إن كان يرضي أهل العراق أن ننزع عنهم الحجّاج نزعناه، فإنّ عزله أيسر من حربهم، فتحقن الدماء بذلك. وبعث أخاه محمد بن مروان وهو على الموصل في جند كثيف ومعه ابن أخيه عبد الله بن عبد الملك، أن يعرض على أهل العراق عزل الحجّاج، فإن قبلوا ذلك كان محمد بن مروان أمير العراق، وينزل عبد الرحمن أيّ بلد شاء، فيكون واليه، فإن لم يرضوا بذلك، فالحجّاج أمير الجماعة ووالي القتال. فلم يأت الحجّاج قطّ أمر كان أشدّ عليه ولا أوجع لقلبه من هذا، مخافة أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم. وكتب إلى عبد الملك: والله لو أعطيت أهل العراق عزلي لم يلبثوا إلّا قليلا حتّى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلّا جرأة عليك. ألم تر- وبلغك- وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفّان [٣٢٩ أ] وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلمّا نزعه لم تتمّ له السنة حتّى ساروا إلى عثمان فقتلوه، وإنّ الحديد بالحديد؟ فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله عليهم، فعرض ذلك عليهم عبد الله ومحمد، فأبوا وخلعوا عبد الملك مرّة ثانية بدير الجماجم. فسلّم عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان أمر العسكر للحجّاج، فقال: «قد قلت إنّه لا يراد بهذا الأمر غيركم». فكانا يسلّمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة، فاستعدّ الفريقان، ووقف مع عبد الرحمن سعيد بن جبير وعامر الشعبيّ، وأبو البختريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وتزاحفوا للقتال عدّة أيّام يقتتلون أشدّ القتال، فغلت الأسعار وفقد اللحم، والقتال مستمرّ مدّة مائة وثلاثة أيّام. فلمّا كان اليوم الرابع عشر من جمادى الآخرة اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عبد الرحمن، وتبعهم. فدخل الحجّاج الكوفة وأخذ يبايع الناس،وكان لا يبايع أحدا إلّا قال له: «اشهد على نفسك أنّك كفرت! »، فإنّ قال: نعم، بايعه، وإلّا قتله. وأقام بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت الناس مع أهلها، فكان أوّل من أنزل الجند في بيوت غيرهم فاقتدي به من بعده. ثمّ خرج يريد ابن الأشعث وقد اجتمع له خلق، فاقتتلا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال آل إلى هزيمة ابن الأشعث، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبي البختري الطائي في أربعة آلاف من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وسيّر الحجّاج ابنه محمد بن الحجّاج في طلب ابن الأشعث فقاتله في عدّة مواضع، وهو ينهزم منه حتى لحق برتبيل فأكرمه وأنزله، فما زال به الحجّاج حتى قتله وحمل إليه رأسه كما ذكر في ترجمة عبد الرحمن بن الأشعث (١).