page 1025, entry [1535]Open original source
[دفعه الناس إلى حرب الخوارج] ثمّ جلس لتوجيه الناس، فقال: قد أمهلتكم ثلاثا. وأقسم بالله لا يتخلّف أحد بعدها من أهل الثغور إلّا قتلته. فلمّا كان اليوم الثالث قام عمير بن ضابئ، فقال: أصلح الله الأمير. إنّي شيخ كبير زمن، وقد خرج اسمي في هذا البعث، ولي ابن أجلد منّي في الأسفار وأقوى على الحرب، فإن رأى الأمير أن يأمر بإشخاصه مكاني، فعل. قال: ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ. قال: أو من هذا البعث أنت؟ قال: نعم. قال: أوقبضت عطاءك؟ قال: نعم. قال: أو سمعت مقالتنا على المنبر؟ قال: نعم. قال: أو كان أبوك فيمن قاتل أمير المؤمنين عثمان؟ قال: لا. قال: كذبت! أو ليس أبوك الذي يقول (٣) [الطويل]: هممت ولم أفعل، وكدت، وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله! لعمري إنّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاح المصرين، اضربن يا حرسيّ عنق الشيخ عندك! فإذا رأيته بين رجليه، فذلك حيث يقول عبد الله بن الزّبير (٤) الأسديّ [الطويل]: أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أمسى مهلكا متشعّبا تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا، وإمّا أن تزور المهلّبا هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثّلج أشهبا فما إن أرى الحجّاج يغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا ٥ فأضحى، ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا فأيّهما تأتي فإنّك هالك ... قتيل ضلال أو طريدا مغرّبا وكم قد رأينا تارك الغزو ناكلا ... تحمّم حنو السرج حتّى تنكّبا (١) وخرج الناس على وجوههم هربا إلى السواد، وأرسلوا إلى أهاليهم أن جهّزونا ونحن بمكاننا. وقال الحجّاج لصاحب الجسر: افتح باب الجسر، ولا تحل بين أحد وبين الخروج! فخرج في تلك الليلة أربعة آلاف مدجّج، وبعث العرّاض (٢) إلى المهلّب، فما أتت عليه عاشرة حتى ازدحم الناس على المهلّب، فقال: ويحكم! من هذا الذي استعمل على العراق؟ هذا والله الرجل الذكر! قوتل والله العدوّ! ثمّ بعث الحجّاج الحكم بن أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل على البصرة أميرا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله القسريّ، ففرّ خالد منه إلى عبد الله بن مروان. واشتدّ الحجّاج على من تخلّف عن بعث المهلّب وأمر بطلبهم، فأخذ عرفاءهم وهدم الدور وعاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذي يأتي إليه. وكان أوّل من عاقب في ذلك بالقتل، فإنّ عمر وعثمان ﵄ كانا إذا أخلّ الرجل بوجهه الذي بعث إليه يأمران أن تنزع عمامته ويقام للناس ويشهّر أمره. فلمّا ولي مصعب بن الزبير زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّر في يديه مسماران في حائط، فربّما مات وربّما خرق المسماران يديه وسلم. فلمّا كان الحجّاج قال: كلّ هذا لعب، أضرب عنق من يخلّ بمكانه من الثغر. فهرب منه أبرح بن خنزير [٣٢٣ أ] التميميّ، وكان قد تخلّف من بعث المهلّب، فأخذ عريفه وهدمت داره، فأنشأ يقول شعرا كثيرا، منه [الطويل]: فإن تنصفونا يآل مروان نقترب ... إليكم وإلّا فأذنوا بابتعاد (٣) فإنّ لنا عنكم مراحا ومزحلا ... بعيس إلى ربح الفلاة صوادي ببختية بزل تمايل في البرى ... تبارى على طول الكلال عوادي وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب ... وكلّ بلاد أوطئت كبلاد ٥ وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد (٤) ففي الأرض عن دار المذلّة مذهب ... وكلّ بلاد أوطئت كبلاد وجزنا بيوت المصر نحو تهامة ... مجاهل أطماس المدلّ عوادي ولولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّة ... يراوح ولدان القرى ويغادي يعني: أنّه كان معلّما.