page 1026, entry [1536]Open original source
[استبطاؤه المهلّب في حرب الخوارج] وكتب إلى المهلّب (٥): أمّا بعد، فإن بشرا ﵀ استكره نفسه عليك وأراك غناه عنك. وأنا أريك حاجتي إليك. فأرني الجدّ في قتالعدوّك ومن خفته على المعصية ممّا قبلك فاقتله، فإنّي قاتل من قبلي. ومن كان عندي ومن ولي لمن هرب عنك، فألمني مكانه، فإنّي أرى أن آخذ السميّ بالسميّ، والوليّ بالوليّ. فكتب المهلّب إليه: ليس قبلي إلّا مطيع، وإنّ الناس إذا أمنوا العقوبة صغّروا الذنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك. فهب لي هؤلاء الذين سمّيتهم عصاة، فإنّهم فرسان أبطال أرجو أن يقتل الله بهم العدوّ، ونادم على ذنبه. وقال الحجّاج ذات يوم: العجب من هذا المزوني (١) - اسم عمان فارسيّة كانت تسمّيها بها المجوس، ثمّ تسمّت بها الأزد لأنّها دولتهم- يعني المهلّب، أكل الأرض مذ كذا وكذا، ثمّ تربّص بنا وبأمير المؤمنين. اكتب يا غلام! من الحجّاج بن يوسف إلى المهلّب بن أبي صفرة: أمّا بعد، فإنّك مزونيّ ابن مزوني، والعجب منك أنّك تربّص بقتال الأزارقة كأنّك ترى أنّك ترث الأرض. لئن لم تعاجل القوم لأبعثنّ إليك من يحملك على مكروهك! والسلام. وكان المهلّب يروّي الخوارج من منزل إلى منزل، حتّى انتهى إلى إصطخر فقاتلوه قتالا شديدا. وأقام بها ثمانية أشهر. ولمّا أتاه كتاب الحجّاج كتب إليه: للأمير الحجّاج بن يوسف من المهلّب بن أبي صفرة: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنّي مزوني ابن مزوني. وما أنكر ذلك. وإنّما مزون عمان سمّتها العجم بهذا الاسم. ولعمر الله إنّي لمزوني ابن مزوني ولا أنكر ذلك. ولكنّ الأمير من قبيلة ادّعت إلى خمس قبائل (٢)، ثمّ والله ما استقرّ قرارها بعد: كانوا بقيّة ثمود، ثمّ انتموا إلى وحاطة من حمير، ثمّ انتموا إلى إياد، ثمّ انتموا إلى عدوان، ثمّ انتموا إلى قيس بن منبّه. فليت شعري في أيّالخمس هي اليوم؟ فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب تبسّم وقال: فحشنا على الرجل، ففحش. ثمّ إنّ الحجّاج استبطأ المهلّب في مناجزة الحروريّة، فدبّ إليه حسدة المهلّب، فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّك أقبلت على جباية المال بغلّة عبيد مرّاق واحتجانه، وأبطأت عن لقاء العدوّ وقتالهم. وإنّك لتناجزهم أو لأبعثنّ من هو أشدّ منك إقداما. وقد أرى مكانك عبّاد بن حصين الحبطيّ وفلانا وفلانا، فإنهم إن يولوا يناجزوا القوم. وقد أرى مكان القشيرية ومكان أرضك ودارك بالبصرة، وقد أرى تربّصك في خنادقك وجبنك في لقاء عدوّك شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة. وقد أكثرت التعجّب من تركي إيّاك على عملك، وإنّما أنت رجل من أهل عمان من الأزد، فاخرج من خنادقك، والق عدوّك يوم كذا وكذا، فإنّك إن لم تفعل أسندت الرمح (٣). فلمّا قرأ المهلّب كتابه دعا ببنيه، فقال: «أمير مسلّط! » ثمّ قال: غلام حدث، ظفر [٣٢٣ ب] بأرامل الحجاز، فظنّ أنّ من بقي مثل من يحاول.وكتب إليه: قد فهمت كتابك. فأمّا تربّصي في خنادقي فهم الذين هزموا فلانا وفلانا، وقتلوا فلانا وفلانا، وإنّما طلبت بالخندق أثرا بلغني عن رسول الله ﷺ وطلبت يمنه وبركته. وذكرت جباية المال، ومن عجز عن المال فهو عن العدوّ أعجز، وللجند مؤونة ولهم في المال قوّة، ولا بدّ لنا ولهم من جبايته. ووجدت مثلي ومثلك كما قال الشاعر [الطويل]: ومستعجب ممّا يرى من أناتنا ... ولو زابنته الحرب لم يترمرم (١) وذكرت أنّك قد رأيت مكان القشيريّة وأرضي وداري، وو الله ما بلغ من خطر عجوز من عجائز بني قشير، أو بدرة تنزعها، أو شجرة تقطعها أن أركب غير رأيي أو أخاطر بجندي وخاصّتي من أهل مضر حتّى أرى فرصتي من عدوّي. وإنّ من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يعلمه. وقد بلغك ما لقي من كان قبلي، وأنا أعلم بالحرب ومداراتها، والحرب خدعة. وقد رأيت ما لقيت أنت وأبوك يوم الرّبذة حين أتتكم خيل ابن الزبير. وأمّا تعجّبك من تركك إيّاي على عملي، وأنّي رجل من أهل عمان ثم من الأزد، فصدقت. لعمر الله إنّي لأزدي عمانيّ نعمانيّ، وما أحبّ أنّ لي بموضعي من قومي موضعا، وإنّ شرّا من أهل عمان قبيلة تنازعها قبائل شتّى. وقولك: إنّي إن لم ألقهم يوم كذا وكذا أسندت إليّ الرمح، فقد ظننت أنّ ما دعاك إلى ذلك ما نلت من الظفر بأهل الحجاز والرعاع الذين لقيت مع ابن الزبير. ولئن فعلت لأقلبنّ عليك الترس والسلام. فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب كتب إلى عبد الملك بن مروان: إنّ المهلّب صاحب خلاف وفتن، وقد نزع يدا من طاعة وفارق الجماعة. ولو شئت أن ينصب لي الحرب دون الأزارقة، فعل. ولو شاء لناجز القوم، ولكنّه يطاولهم ليأكل بهم الأرض ويستأثر بالفيء. ثمّ أدرج كتاب المهلّب إليه في داخل كتابه إلى عبد الملك. فلمّا قرأهما عبد الملك أحضر خالد بن عبد الله القسريّ وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وأقرأهما الكتابين، وقال: أترى المهلّب فعلها؟ فقال: لا! كذب الحجّاج. ما أبعد المهلّب ممّا نحله! ولكنّ الحجّاج رجل مفسد أخرق لا يزال يعتلّ على أهل الطاعة حتى يفسد طاعتهم ويخرجهم إلى غير [ما] كانوا عليه، وما للمهلّب ذنب. ألا ترى إلى كتاب المهلّب؟ إنّما هو جواب كتاب الحجّاج إليه، وليس بابتداء. فاكتب يا أمير المؤمنين إلى المهلّب كتابا لطيفا، وإلى الحجّاج كتابا غليظا ينهاه عن المهلّب، فإنّ المهلّب لا تتّهم طاعته ولا نصيحته. فعرف عبد الملك أنّهما نصحاه وصدقاه، فقال: فعل الله بالحجّاج! أراد استفساد المهلّب. ثمّ كتب إلى الحجّاج: إنّي قد قرأت كتابك إلى المهلّب (٢) وكتابك فيه إليّ، فوجدتك قد حرّفت به، واتّهمت طاعته ونصيحته، وليس كما ذكرت. فاكتب إليه كتابا ليّنا، فإنّه أعلم بما هو فيك منك، وما استعانك من قوّة أو مدد فأعنه، واعرف له سنّه وشرفه وغناءه عن المسلمين، وأنّه لا سلطان عليه دون أمير المؤمنين، فاعرف ذلك من رأي أمير المؤمنين، وانته إليه!وكتب إلى المهلّب: أمّا بعد، فإنّ الذي عرفناه من طاعتك ونصيحتك وبلائك في الإسلام قد جعلت لك اللسان وأمددناك باللسان، وجعلناك قائد الحرب، فاجر على ما أنت فيه ولا تكن في أمرك زينونة ولا منتوفة، فإن خفت من أصحاب ضعفا أو قلّة، أمددناك [حتّى] تقوّي به ضعفهم. والخراج والأموال قبلك فاعمل فيه برأيك، فإنّا قد بسطنا لك الذراع، ولم نقبل عليك. وكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك، فإنّك ليس عليك أمير دون أمير المؤمنين، والسلام. فلمّا قدم الرسول بكتاب عبد الملك إلى الحجّاج، كتب إلى المهلّب: أمّا بعد، فإنّي كنت أظنّك أشدّ تعظيما لسلطانك [٣٢٤ أ] ومعرفة لحقّه من أن تجيبه بما أجبتني به في كتابك إليّ. فالله يغفر لك، والسلام. فكتب إليه المهلّب: أمّا بعد، فما أحد من أهل رعيّتك أشدّ تعظيما لحقّك وطاعتك منّي. ولكنّك شتمتني وعجّلت واتّهمت طاعتي ونصيحتي، وأنا المبتذل نفسي وولدي وقومي في جهاد عدوّ أمير المؤمنين، وكانوا قد فضحوا من الناس وقتلوا من قد عرفت في غير موطن، وليس صاحب الحرب بالمتروّي ولا المتسرّع، والسلام. وكان الحجّاج قد خرج من عامه إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلمّا قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعّد من رآه منهم بعد ثالثة ولم يلحق بالمهلّب. فأتاه شريك- ويقال زياد- بن عمرو اليشكري، وكان به فتق، وكان أعور يضع على عينه قطنة، فلقّب «ذا الكرسفة»، فقال: أصلح الله الأمير، إنّ بي فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرني. وهذا عطائي مردود في بيت المال. فقال الحجّاج [الرجز]: إنّ عليها سابقا عشنزرا ... إذا ونين ونية تغشمرا (١) ثم قال: اضرب عنقه! لا اسم لكم حتّى تسمّوا لي أنفسكم! فطار الناس على كلّ صعب وذلول. فلم يبق بالبصرة واحد من عسكر المهلّب إلّا لحق به. وقال ابن همّام [الطويل] (٢): لقد ضرب الحجّاج بالسيف ضربة ... تقرقر منها بطن كلّ عريف ثمّ سار الحجّاج حتى بقي بينه وبين المهلّب ثمانية عشر فرسخا ليشدّ ظهره. وأقام بمكانه، وقال: يا أهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلّين عليكم.