page 695, entry [1102]Open original source
٨٢٥ - كريم الدين الصغير [- ٧٢٦] (٢) [٢١٩ أ] أكرم بن الخطير، كاتب الحميديّ، القاضي كريم الدين الصغير- يكنّى بأبي المكارم، وتسمّى لمّا أسلم: عبد الكريم- القبطيّ. كان من جملة كتّاب مصر النّصارى، وخدم عند التليليّ مملوك الأمير سنقر الأشقر والي البهنسا كاتبا. فلمّا كانت أيّام خاله (٣) ابن سعيد الدولة باشر به في ديوان الجيش إلى أن ولي خاله كريم الدين عبد الكريم (٤) الكبير نظر الخاصّ. فاستقرّ أكرم بعد ما أظهر الإسلام في نظر الدولة رفيقا لتقيّ الدين أسعد بن أمين الملك (٥)، نقل إليها من ديوان الجيش واستقرّ في نظر الكارم والصحبة والقند ٦ في يوم السبت خامس عشرين جمادى الآخرة سنة سبع عشرة [وسبعمائة]. وقصد عدّة مرات مصادرة الولاة فمنعه خاله كريم الدين الكبير من ذلك، فلم يعجبه منعه إيّاه، وشكاه غير مرّة إلى الأمير أرغون النائب أنّه يمنعه من تحصيل مال السلطان. فلمّا قبض على كريم الدين [الكبير] رسم له على لسان النائب أن يتحدّث في مال السلطان كيف يجبى فإنّه ما بقي له أحد يعانده [٢١٧ أ] وأنا أسلّم له المملكة يتصرّف فيها كلّها: الخاصّ والمتجر وغيره، ويدبّر الخاصّ والدولة. فجعل يتمنّع من ذلك تمنّعا كبيرا، فرسم بحبسه مع خاله، فسجن عنده، ثم أفرج عنه معه. وقبض عليه في يوم السبت سلخ ربيع الآخر وعلى ولده سعد الدين فرج الله، وسلّما للصاحب أمين الدولة عبد الله بن الغنّام، فأحضره بين يديه وأخرق به وأهانه وهدّده بضربه بالمقارع على تخليص المال، وأخرجه حافيا. فنزل ولده مهانا ليجمع المال، وسجن أكرم ببرج في القلعة عند باب القرافة. وكان من الاتّفاق العجيب أنّ أكرم هذا كان قد وشى بالأمير طيبغا العجميّ حتى أخذه السلطان من طريق مكّة وأحضره منكّلا به وسجنه بهذا البرج وأخذ ماله. فكتب عند ما أفرج عنه بحائطه: حضرت من مكّة يوم كذا، وحبست في هذا البرج ستّة عشر يوما، وكنت مظلوما، ففرّج الله عنّي. وأرجو أن يأخذ الله حقّي ممّن ظلمني- يعني أكرم هذا، فاستجيب له، وكان أكرم يرى خطّه وهو في البرج ويتأمّله. وكان الوزير ابن الغنّام إذا استدعاه للمطالبة يصيح به العامّة: بالله ذوّقه المقترح كما يفعل بالناس! - وكان قد استجدّ أن يضرب من يعاقبه على صدره بالعصيّ وسمّى هذا الضرب «المقترح»، فتكاد العامّة عند ما يحضر أن تختطفه من شدّة بغضها له. فبذل جهده في السعي حتى أعفي من طلبه، واستمرّ ولده يحمل مدّة ستّة عشر يوما- قدر ما أقام العجميّ- ثم أفرج عنه. فكان جميع ما حمل له مبلغ مائة وستّين ألف درهم، باع فيها ثياب بدنه، وأثاث بيته وأوانيه، وداره بمنشأة المهرانيّ. ثم أخرج على [٢١٩ ب] البريد إلى صفد في ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، فأقام بها إلى أن قدم عليه البريد باستقراره في نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال (١)، فسار إليها على البريد في يوم السادس عشر من شوّال، وقدم دمشق في ثالث عشرينه. فباشر الوزارة وضبط أمر دمشق ضبطا زائدا وسار سيرة حسنة فأعجب به النائب وغيره، إلى أن بلغ الفخر ناظر الجيش أنّ ولده أبا الفرج يكاتبه بمتجدّدات أمور مصر وأخبار أهل الدولة، ويكنّي عن أسماء الأعيان بألقاب يضعها عليهم. فخيّلوا للسلطان منه حتى رسم بإحضاره، فقدم على البريد من دمشق في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين ومثل بحضرة السلطان وهو بناحية سفط من الجيزة، فلم يكترث به وبالغ في الإنكار عليه وأمره بملازمة داره. وبعث غبريال عوضا عنه إلى دمشق. وأسرّ السلطان إلى الوزير مغلطاي الجماليّ بقتله سرّا، فتقدّم إلى والي القاهرة بذلك: فكمن له جماعة يترصّدونه إلى أن خرج من داره راكبا في ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر يريد الحمّام، فوثب به الجماعة، وكان مستعدّا فنجا بفرسه. وبطشوا بغلامه فقتلوه. وطار الخبر وانتشر في الناس حتى بلغ للسلطان، فرسم بنفيه إلى أسوان. فأحضر [هـ] الوزير هو وأولاده في يوم السبت تاسعه إلى مجلس السلطان وطالبه بالمال، فأنكر أن يكون عنده مال، فضرب ابنه سعد الدين بالمقارع، وسلّم أكرم إلى الوالي فوجد معه أوراقا فيها مواقعات جماعة فأعلم بذلك الوزير فطلبها، فلم يوافق أكرم حتى بعث إليه السلطان من تسلّمها منه وقرأها، فأفرج عن أولاده وأمر بعقوبته. فسعط بالخلّ والجير. ثم أخرج هو وولده سعد الدين في ليلة الاثنين حادي عشره وحملا في سلورة (١) مرّت [٢١٧ ب] في النيل إلى أسوان، فقدما ليلة الاثنين خامس عشرينه. وقتل أكرم في ليلة الثلاثاء سادس عشرينه ودفن من غير أن يصلّى عليه، وكان متّهما أنّه على دين النصرانيّة. وكان شرس الأخلاق ظالما عسوفا، إذا غضب ارتعش بدنه. وفيه مكارم وعصبيّة للنصارى. وكان هو أكبر الأسباب في بغض العامّة لكريم الدين الكبير. واتّفق أنّه رأى في منامه أنّ النبيّ ﷺ [كان] جالسا في منزله على منبر، ثم قام ومشى. فتبعه حتى أتى شاطئ البحر من فوق الماء فارتدّ عنه. فعبّر ذلك بأنّ صاحب هذه الرؤيا يموت مرتدّا عن الإسلام وأنّ داره تخرب، فإنّه ﵇ [٢٢٠ أ] بشير للمؤمنين ونذير للكافرين. فلمّا مات خربت داره وأخذ رخامها وتركت على أقبح حال. واتّفق أيضا أنّه كان يلوذ بخدمتهم رجل يعرف بعليّ السائس فيه دعابة وبيده شدّ مذابح الغنم السلطانيّة بالحسينيّة. فلمّا باشر أكرم هذا وظيفة النظر وتسلّم الجهات من الأمير علم الدين سنجر الخازن، صرفه وجعل له مرتّبا أكثر من معلومه في سلخ المذابح، فلم يقبله وتشفّع بالأمراء وغيرهم إليه فأبى أن يعيده. وتعصّب له علم الدين ابن كريم الدين الكبير وجماعة، وتحدّثوا مع أكرم، وقد خرج من مجلس كريم الدين في إعادته، فقال: يا جماعة، أنصفوني من هذا؟ - ثم سأله: كم معلومك في هذه الوظيفة؟ قال: ثلاثة دراهم في اليوم. فقال: إنّني أكتب لك ستّة دراهم وتترك هذه الوظيفة، فإنّك تتلف عليّ مال السلطان. فقال له ابن هلال شادّ الدواوين: يا مولانا، هذا الرجل يخشى من تغيّر الأمور وحدوث العوارض، فيباشر غيرك فيجد أنّه كان باسمه ثلاثة دراهم فصارت ستّة فيلزمه بالتفاوت. فغضب وقال: يا مسلمين، نحن كلّنا نروح، أنا أروح، هذا يروح، كريم الدين يروح، يروح الجميع، ويأتي من يطالبه بالتفاوت. ومضى، وذلك يوم الخميس بعد العصر، فقبض على الجميع يوم الخميس بعد سبعة أيّام. وولي الصاحب أمين الدين عبد الله بن غنّام، وألزم علي السائس بالتفاوت، إلى أن حكى له ما جرى، فعجب من ذلك وأفرج عنه وأعاد إليه وظيفته.