Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

[القتال حول القيروان]

المقريزي - المقفى الكبير · page 622, entry [1024]

المقفى الكبير — المقريزي

page 622, entry [1024]Open original source
[القتال حول القيروان]: وأقبل أبو يزيد إلى القيروان ونزل قريبا منها. وزحف ليلة الجمعة لثلاث خلون منه مخفّا ليبيّت العسكر. وكانت ليلة مظلمة فأخطأ الطريق فلم يصل إلّا عند الفجر. فقامت الحرب على ساق، وركب المنصور وعبّأ الصفوف، والقتال يشتدّ وهو يكرّ على العدوّ يمينا وشمالا، وهو في قلّة من أصحابه، والمظلّة على رأسه فصارت كالعلم يعرف بها. ونزل على موضعه وحوله نحو خمسمائة فارس، وأبو يزيد في زائد على ثلاثين ألف فارس. فهزم البربر أصحاب المنصور حتّى أدخلوهم الخندق [١٩٠ أ] وهرب جماعة منهم إلى داخل القيروان ونهبت فازات كثيرة حتى بقي المنصور في تقدير عشرين فارسا من خدمه الذين لا يعرفون القتال. فأقبل أبو يزيد في جماعة يريد المنصور. فحمل عليهم المنصور مشهّرا سيفه ذا الفقار (٣). وأراد الصقلبيّ أن يلقي المظلّة عن رأسه ليخفي موضعه فزجره ونهره وقال: «لا تجزع فإنّ لله وعدا لا يخلفه». وأقبل نحو أبي يزيد حتى كاد أن يضع سيفه في رأسه، فألقى الله الرعب في قلب أبي يزيد فولّى هاربا مع أصحابه، فقتل من أدرك منهم وثبت مكانه ومسح الغبار عن وجهه بكمّه وقال لمن حوله من النجّابين (٤)، ولم يبق منهم غير أربعة: «اذهبوا فردّوا الناس! » وقد أخذ كثير منهم طريق المهديّة وطريق سوسة، فرجع من كان قريبا منه وأتوه من كلّ جهة فقال لهم وهو يبتسم: «ادخلوا في [كمّي! ]. فاستحيى القوم منه. وكثر العجب من ثباته هذا الثبات مع أنّه لم يحضر قتالا قبله. وكان نساء أهل القيروان فوق الأسطحة يصرخن ويبكين ويرمين المنهزمين بالحجارة ويقلن: «يا كلاب، تركتم مولاكم، أخرجتموه من حصنه وأسلمتموه! ». وماج أهل البلد خوفا (١) من البربر، وعاود الفريقان القتال وتمادى بينهم إلى بعد الظهر فقتل بينهم خلق كثير، وكان يوما شديد الحرّ، فانصرف البربر إلى معسكرهم. فكان هذا اليوم من الأيّام المشهورة، وقد وصفه جماعة من الشعراء. [و] قال أبو يزيد لمّا رجع إلى مناخه: «ما رأيت قطّ أثبت من إسماعيل ولا أشجع. هذا يصلح أن يكون ملكا». وفي ذلك يقول محمّد بن الحرث (٢) الأبروطي من قصيدة طويلة [طويل]: ولم أر كالمنصور بالله ناصرا ... لدين، ولا أحمى لملك وأمنعا ألم تر يوم القيروان وقوفه ... وقد همّت الأكباد أن تتصدّعا؟ وأبرز عن وجه من الصبر أبيض ... يقابل وجها للكريهة أسفعا (٣) ثمّ زحف أبو يزيد في يوم الاثنين إلى الخندق فعبّأ له المنصور ووقف ووقعت الحرب فنادى مناديه: «من أتاني برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار». وكانت في هذا اليوم أعجوبة وقف عليها جميع أهل العسكر: وذلك أن رجلا من البربر حمل بدابّته إلى أن وقف بالقرب من المنصور فجعل يشتمه ويؤنّبه، فهمّ الأولياء به من كلّ وجه، فزجرهم عنه، فلمّا استوفى مقالته رفع المنصور يديه إلى السماء وقال: «اللهمّ، خذ لي بحقّي منه! » فما هو إلّا أن ردّ فرسه البربريّ حتّى انقلب عليه الفرس فوقع قربوس (٤) سرجه على صدره فمات من حينه وحمل الأولياء عليه فجزّوا رأسه، فخرّ المنصور ساجدا على معرفة (٥) فرسه. ووقعت الحرب وكانت للبربر. ثمّ اشتدّ القتال وعظم الحرّ وطلب المنصور الحشود وحثّ في ذلك، فتوقّف كثير من الناس عنه مخافة أن تكون الغلبة لأبي يزيد. وقدم عليه طوائف فأنزل كلّ طائفة بموضع وخندقوا عليهم. فكانت الحرب كلّ يوم مرّة لهم ومرّة عليهم، وغلب على ظنون أكثر الناس أنّ أبا يزيد سيظهر لما رأوا من قوّته وكثرته. وأخذ أصحابه الناس في الطرقات إلى أن كان يوم الاثنين لعشر بقين منه، فزحف أبو يزيد بنفسه وأطلق النار في بقية الأنادر (٦)، ونشب القتال ووقف المنصور على باب الخندق يمدّ العسكر بالخيل والرماة، وأبو يزيد ثابت. فوجّه المنصور خيلا ورجالا ومعهم بندان وركب في أثرهم. فلمّا رآهم أبو يزيد ترك القتال وتوجّه نحو أخبيته فاشتدّت الهزيمة عليه وعلى أصحابه وأثخنتهم الجراح فمات منهم في هذه الليلة خلق عظيم ونقصت خيولهم [١٩٠ ب] بالنشّاب. وعاد المنصور إلى معسكره.
Parsing and provenance details
Local passage ID
943769
Book record
shamela-145334
Source record
1015285
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain