page 502, entry [891]Open original source
فصل في ذكر مرضه ووفاته قال صالح: لمّا كان في أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين ومائتين حمّ أبي. فدخلت عليه وهو محموم يتنفّس نفسا شديدا فقلت: على م أفطرت البارحة؟ فقال: على ماء باقلّاء. ثمّ أراد القيام. فقال: خذ بيدي فأخذت بيده، فلمّا صار إلى الخلاء ضعف حتّى توكّأ عليّ. وكان يختلف إليه غير متطبّب كلّهم مسلمون. فوصف له متطبّب قرعة تشوى ويسقى ماءها فقال: يا صالح! قلت: لبّيك! قال: لا تشوى في منزلك ولا في منزل عبد الله أخيك. وأتى الفتح بن سهل وعليّ بن الجعد فحجبتهما، وكثر الناس. قال: فأيّ شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك. فأذنّا لهم فجعلوا يدخلون عليه أفواجا حتّى تمتلئ الدار وكثر الناس وامتلأ الشارع وأغلقنا باب الزقاق. وجاء رجل من جيراننا قد خضب فقال: إنّي لأرى الرجل يحيي شيئا من السنّة (١) فافرح به. فجعل الرجل يدعو له فيقول أبي: ولجميع المسلمين. ثمّ قال لي: اقبض من السكّان دراهم واشتر تمرا وكفّر عنّي كفّارة يمين فاشتريت وكفّرت؟ وأخبرته. فقال: الحمد لله. قلت: وزاد الدينوري في كتاب المجالسة (٢) أنّ الإمام أحمد قال: فإنّي حنثت في دهري في يمين واحدة- ثمّ قال لي: أحضر الوصيّة واقرأها- وكان كتبها قبل ذلك- فقرأتها فأقرّها على ما هي عليه، ونسخة كتاب الوصيّة: ﷽ هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل ﵁: أنّه يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا رسول الله أرسله بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣]، وأوصى من أطاعه من أهله وأقاربه أن يعبدوا الله في العابدين ويحمدوه في الحامدين وأن ينصحوا لجماعة المسلمين. وأوصي أنّي قد رضيت بالله ربّا وبمحمد ﷺ نبيّا ورسولا، وبالإسلام دينا. وأوصي أنّ لعبد الله بن محمد المعروف بفودان عليّ نحو (ا) من خمسين دينارا وهو مصدّق فيما قال فيقضى ما له عليّ من غلّة الدار إن شاء الله، فإذا استوفي أعطي ولد (هـ) صالح وعبد الله كلّ ذكر وأنثى عشرة دراهم عشرة دراهم، اه (٣). (قال) واشتدّت به العلّة يوم الخميس فلمّا كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتّى ملئوا السكك والشوارع. قال حنبل: وكان عنده ثلاث شعرات من شعر النبيّ ﷺ فأوصى عند موته أن يجعل على لسانه شعرة وعلى كلّ عين شعرة، ففعل به ذلك عند موته. قال ولده عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي توفّي فيه: أخرج لي كتاب عبد الله بن باديس، فأخرجت الكتاب، فقال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم (٤) فأخرجتها. فقال لي: اقرأ عليّ حديث ليث: قلت لطلحة إنّ طاوسا كان يكره الأنين في المرض فما سمع له أنين حتى مات ﵀. فقرأت ذلك على أبي فما سمعته أنّ في مرضه إلى أن توفّي. قلت: وأسند الدينوري في كتاب المجالسة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لمّا مرض أبي واشتدّ مرضه ما أنّ، فقيل له في ذلك فقال: بلغني عن طاوس أنّه قال: أنين المريض شكوى الله ﷿. قال عبد الله: فما أنّ حتّى مات. وقال عبد الله: لمّا حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي خرقة أشدّ بها لحييه فجعل يغرق (٥) ثمّ يفيق ثمّ يفتح عينيه بيده- هكذا- ويقول: لا بعد! ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثالثة قلت له: يا أبت، أيّ شيء هذا؟ قال: ما هو؟ قلت: الذي قد لهجت به في هذا الوقت: تعترق حتى نقول: قد قضيت ثمّ تعود فتقول: لا بعد! لا بعد! ؟ فقال لي: يا بنيّ ما تدري؟ فقلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول: يا أحمد، فتّني وأنا أقول: لا بعد، حتّى أموت! . وسئل عبد الله: هل عقد أبوك عند الموت المعاينة؟ (١) قال: نعم، كنّا نوصيه فجعل يشير بيده، فقال لي صالح: أيّ شيء يقول؟ فقلت: هو يقول: خلّلوا أصابعي فخلّلنا أصابعه، ثمّ ترك الإشارة فمات من ساعته تغمّده الله برحمته، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو ابن سبع وسبعين سنة.