page 397, entry [596]Open original source
٥٤٢ - محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري التلمساني عرف بالابلي (١) الإمام العلامة المجتمع على إمامته، أعلم خلق اللَّه بفنون المعقول، قال تلميذه الإمام المقري: هو الإمام نسيج وحده ورحلة وقته في القيام على الفنون العقلية وإدراكه وصحة نظره، قال ابن خلدون: أصله من الأندلس من أهلة ابلة من بلاد الجوف انتقل منها أبوه وعمه فخدما يغمراسن صاحب تلمسان وتزوج أبوه بنت القاضي محمد بن غليون فولدت له شيخنا هذا، ونشأ في كفالة جده القاضي بتلمسان فانتحل العلم فسبق لذهنه محبة التعاليم فبرع فيها وعكف الناس عليه في تعلمها. فلما أخذ يوسف بن يعقوب تلمسان استخدمه فكره ذلك وسار إلى الحج، قال فلما ركبت البحر من تونس لاسكندرية اشتد على الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الغسل، فأشير عليّ بشرب الكافور فشربت منه غرفة فاختلطت فقدمت الديار المصرية وبها ابن دقيق العيد وابن الرافعة والصفي الهندي والتبريزي وغيرهم من فرسان المعقول، فلم يكن قصارى إلّا تمييز أشخاصهم فحججت ورجعت لتلمسان، وقد أفقت من اختلاطي فقرأت المنطق والأصلين على أبي موسى ابن الإمام. ثم أراد أبو حمو صاحب تلمسان إكراهه على العمل ففر لفاس واختفى هناك عند خلوف اليهودي شيخ التعاليم فأخذ فنونها وحذق، ثم دخل مراكش في حدود عشر وسبعمائة ونزل على شيخ المعقول والمنقول المبرز في التصوف علمًاَ وحالًا الإمام ابن البنا فلازمه وتضلع عليه في المعقول والتعاليم والحكمة، ثم صعد إلى الجبل عند علي بن محمد شيخ الهساكرة فقرأ عليه واجتمع عليه طلبة العلم فكثر إفادته واستفادته ثم رجع لفاس فانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية فانتشر علمه واشتهر ذكره. ولما لقي السلطان أبو الحسن عند فتح تلمسان أبا موسى ابن الإمام أثنى عليه ووصفه بتقدمه في العلوم، وكان يعتني بجمع العلماء لمجلسه فاستدعاه من فاس فنظمه في طبقة العلماء، فعكف على التدريس والتعليم ولازمه وحضر معه وقعة طريف والقيروان، قال ابن خلدون: لازمته وأخذت عنه فنونًا ثم طلبه أبو عنان بتلمسان فنظمه في طبقة علماء أشياخه، وكان يقرأ عليه حتى مات بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده سنة إحدى وثمانين وستمائة- اهـ. قال تلميذه المقري: أخذ بتلمسان عن أبي الحسن التنسي وابن الإمام ورحل في آخر السابعة للشرق فدخل مصر والشام والحجاز والعراق ثم رجع لتلمسان ثم للغرب فأخذ عن ابن البنا وساءل كثيرًا من علمائه قال لي: قلت لأبي الحسن الصغير ما قولك في المهدي؟ فقال: عالم سلطان ولقيته بعد فتح تلمسان وأخذت عنه- اهـ. قال المقري: ولما قدم شيخنا ابن المسفر الباهلي فاسًا رسولًا عن صاحب بجاية زاره الطلبة فحدثهم أنهم كانوا في زمن ناصر الدين يستشكلون ما وقع في تفسير الفخر في سورة الفاتحة ويستشكله الشيخ معهم، وهذا نصه ثبت في بعض العلوم العقلية أن المركب مثل البسيط في الجنس، والبسيط مثل المركب في الفصل وأن الجنس أقوى من الفصل، فلما رجعوا إلى الشيخ الابلي أخبروه بذلك فاستشكله ثم تأمله فقال فهمته وهو كلام مصحف وأصله أن المركب قبل البسيط في الحس، والبسيط قبل الركب في العقل وأن الحس أقوى من العقل فرجعوا إلى ابن المسفر فأخبروه فلج فقال لهم الشيخ اطلبوا النسخ فوجدوا في بعضها كما قال الشيخ -اهـ- بنقل ابن الخطيب في الإحاطة. قال المقري: وحدثني الابلي أن عبد اللَّه بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع من ابن تيمية ينشد لنفسه محصلًا في أصول الدين حاصله من بعد تحصيله علم بلا دين أصل الضلالة والإفك المبين فما فيه فأكثره وحي الشياطين قال وبيده قضيب فقال: واللَّه لو رأيته لضربته بهذا القضيب كذا ثم رفعه ووضعه- اهـ. قال المقري: وسمعته يقول: ما في الأمة المحمدية أشعر من ابن الفارض قال وقال طالب له يومًا مفهوم اللقب صحيح، فقال له الشيخ قل زيد موجود فقال زيد موجود فقال له الشيح: أما أنا فلا أقول شيئًا فعرف الطالب ما وقع فيه فخجل. قال: وقال لي: كنت عند القاسم بن محمد الصنهاجي إذ وردت عليه رقعة من القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها خيرات ما تحتويه مبذولة، ومطلبي فيها تصحيف مقلوبها فقال لي مطلبه فقلت نارنج- اهـ. أي فإن مقلوبه تاريخ وتصحيفه نارنج، قال أيضًا: وسمعته يقول: إنما أفسد العلم كثرة التآليف وأذهبه بنيان المدارس وكان ينتصف من المؤلفين والبانين وأنه لكما، قال بيد أن بها شرحه طولًا وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم فكان الرجل ينفق فيها مالًا كثيرًا وقد لا يحصل له من العلم إلا نزر يسير، لأن غايته على قدر مشقته في طلبه، ثم يشتري أكبر ديوان بأبخس ثمن فلا يقنع منه أكثر من موقع عوضه فلم يزل الأمر كذلك حتى نسى الأول بالآخر وأفضى الأمر إلى ما يستخرج منه الساخر، وأما البناء فلأنه يجذب الطلبة لما فيه من مرتب الجرايات فيقبل بهم على ما يعنيه أهل الرئاسة للإجراء والإقراء منهم أو من يرضى لنفسه دخوله في حكمهم، ويصرفهم عن أهل العلم حقيقة الذين لا يدعون إلى ذلك وإن دعوا لم يجيبوا وإن أجابوا لم يوفوا لهم بما يطلبون من غيرهم- اهـ. قلت: ولعمري لقد صدق في ذلك وبرّ فلقد أدى ذلك لذهاب العلم بهذه المدن الغريبة التي هي من بلاد العلم من قديم الزمان كفاس وغيرها حتى صار يتعاطى الإقراء على كراسيها من لا يعرف الرسالة أصلًا، فضلًا عن غيرها بل من لم يفتح كتابًا للقراءة قط فصار ذلك ضحكة، وسبب ذلك أنها صارت بالتوارث والرئاسات، أعاذنا اللَّه حتى خلت هذه الساعة عمن يعتمد عليه في علمه مصداق قوله ما ورد في ذلك. قال المقري: ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ونسبوا ظواهر ما فيها لأمهاتها، وقد نبه عبد الحق في التعقيب على منع ذلك لو كان من يسمع، وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال فصارت الفتاوى تنقل من كتب لا يدرى ما زيد فيها مما نقص منها، لعدم تصحيحها وقلة الكشف. كان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتيا من تبصرة اللخمي، لأنها لم تصحح على مؤلفها ولم تؤخذ عنه، وأكثر ما يعتمد اليوم هذا النمط ثم انضاف إلى ذلك عدم اعتبار الناقلين فصار يؤخذ من كتب المسخوطين كالأخذ من المرضيين بل لا تكاد تجد من يفرق بين الفريقين، ولم يكن هذا فيمن قبلنا حتى تركوا كتب البراذعي على نبلها ولم يستعمل منها على كره من كثير منهم غير التهذيب وهو المدونة اليوم لشهرة مسائله وموافقته في أكثر ما خالف فيه المدونة لأبي محمد، ثم كلّ أهل هذه المائة عن حال من قبلهم من حفظ المختصرات وشق الشروح والأصول الكبار فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه وأفنوا عمرهم في حل لغوزه وفهم رموزه، ولم يصلوا لرد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح فضلًا عن معرفة الضعيف والصحيح، بل حل مقفل وفهم أمر مجمل، ومطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس، فبينما نستكثر العدول عن كتب الأئمة إلى كتب الشيوخ أتيحت لنا نقييدات للجهلة بل مسودات المنسوخ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فهذه جملة تهديك إلى أصل العلم وتريك ما غفل الناس عنه- اهـ. قال المقري: وسمعت العلامة الابلي أيضًا يقول: لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل، لأنا أتينا أكثر مما أتوا، يشير إلى افتراق هذه الأمة على أكثر مما افترقت عليه بنو إسرائيل، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة حتى ضعفوا بذلك عن عدوهم وتعدد ملوكهم لاتساع أقطارهم، واختلاف أنسابهم وعوائدهم حتى غلبوا بذلك على الخلافة فنزعت من أيديهم وساروا فى الملك يسير من قبلهم مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى، لكنا آخر الأمم، أطلعنا اللَّه من غيرنا على أقل مما ستر منا، وهو المرجو أن يتم نعمته علينا ولا يرفع جميل ستره عنا. فمن أشد ذلك اتلافًا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه الصحيحة إذ ذاك لم يكن بتبديل اللفظ إذ لا يمكن ذلك في مشهورات كتب العلماء المستعملة فكيف في الكتب الإلهية، وإنما ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره، وأنت تنظر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف وما حملت الآي والأخبار عليه من ضعاف التأويلات، قيل لمالك لم اختلف الناس في تفسير القرآن فقال قالوا بآرائهم فاختلفوا، أين هذا من قول الصديق: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتابه، ﷿، برأيي"؟ كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل، وأقرب ما يحمل عليه معظم خلافهم كون بعضهم علم فقصد إلى تحقيق نزول الآية بسبب أو حكم أو غيرهما، وبعضهم لم يعلموا ذلك تعيينًا فلما طال بحثهم وظنوا عجزهم صوروا المسألة بما يسكّن النفوس إلى فهمها في الجملة ليخرجوا عن حد الابهام المطلق فذكروا ما ذكروا تمثيلًا لا قطعًا بالتعيين، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عمومًا ولا خصوصًا، لكنه يجوز أن يكون المراد أو قريبًا منه، وما يعلم أنه مراد بحسب الشركة والخصوصية، ثم اختلط الأمران، والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور، فالإقدام عليه جرأة وقد قال الحسن لابن سيرين: تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب فقال له: تفسر القرآن كأنك شهدت التنزيل، وقد صح أنه، ﵇، لم يفسر من القرآن إلا آيات معدودة، وكذا أصحابه والتابعون بعدهم، وتكلم أهل النقل في صحة ما نسب لابن عباس من التفسير، إلى غير ذلك، ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ لا بتوقيف صحيح أو برهان صريح، وإنما الرخصة في تفهم ما تعرفه العرب بطبائعها من لغة وإعراب وبلاغة وبيان إعجاز ونحوها- اهـ. قلت: وأخذ عن صاحب الترجمة من لا يعد كثرة من الأئمة كابن الصباغ المكناسي والشريف التلمساني والشرف الرهوني وابن مرزوق الجد وأبي عثمان العقباني وابن عرفة والولي ابن عباد وابن خلدون في خلق أجلاء.