page 161, entry [126]Open original source
وأما ورعه وإعراضه عن الولايات: أما ورعه: فقد حضره قوم من أهل الحديث من إخوانه، فاشترى بما كان عنده وأطعمهم وصبر هو على مقدار ربع سويق - وهو الكيلجة - خمسة عشر يومًا بمعسكر المتوكل، يعتصم بذلك حتى أتته النفقة من بغداد، ولا يذوق من مائدة المتوكل. وقسم المأمون مالًا على أصحاب الحديث، وقال: إن فيهم ضعفاء، فما بقي منهم أحد إلا أخذ إلا أحمد بن حنبل، فإنه أبى، وكان قبل موته بليلتين عنده غلام اشتراه عمه، فذهب الغلام يروِّحه فنهاه أحمد. وقال عبد الله له: يا أبت عندنا شيء قد بقي مما كان يبرنا به المتوكل أفأحج منه؟ قال: نعم. فقال له: فإذا كان هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ؟ قال: يا بني ليس هو عندي حرام، ولكني تنزَّهت عنه. وكان يقول: كنت أذرع هذه الدار التي كنت أسكنها وأُخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب إلى قول عمر في أرض السواد. ورهن سطلًا عند فاميًّ بمكة، فأخذ منه شيئًا يتقوته، فجاء فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه سطلين فقال: انظر أيهما سطلك فخذه قال: لا أدري، أنت في حلٍّ منه ومما أعطيتك ولم يأخذه، قال الفامي: والله إنه لسطله وإنما أردت أن أمتحنه فيه. وكان إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. وكان لا يحدث إلا من كتاب ولا يحدث من حفظه إلا بأقل من مئة حديث، وكان يقول: قد أنفقت على هذا المخرج خمسة وستين درهمًا بدين، وإنما لي فيه ربع الكراء. فقيل: لم لم تدع عبد الله ينفق عليه؟ قال: خشيت أن يفسد علي الدراهم. وأتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاستقرض له شيئًا فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام، فخبزوا بالعجلة، فلما وضع بين يديه قال: كيف خبزتم هذا بسرعة؟ فقالوا: كان التنور في بيت صالح مسجّرًا فخبزنا بالعجلة. فقال: ارفعوا. ولم يأكل، وأمر بسد بابه إلى باب ابنه صالح. وقال وهو في مرضه الذي مات فيه لأم ولده: من قال لك أن تخبزي ثم شيئًا؟ وقد كانت خبزت مرة قبل تلك، فقال لها: ومن يأكله؟ فلم يأكل منه شيئًا يعني ببيت صالح ولده. وقال أبو بكر المَرُّوذي: قال لي ونحن في موضع: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) ثم قال: قد سكنا ونحن فيها، فأرسل من يشتري له أبزارًا للقدر بثلاثة دراهم، وأبزارًا أيضًا بقطعة أخرى على حدة، وقال: لا تخلطه. فاختلط فجاء به إليه فأخبره أنه اختلط، فقال: رده وخذ القطع. فرده وأخذ القطع فطرحها في دراهم الجارية لما اشتبه عليه. وأعطى رجلًا يومًا قطعة فقال: اشتر لي بها باقلاء وماءه، وأعطت الرجلَ جاريتُه حُسن قطعة فقالت: اشتر لي بها أيضًا باقلاء، فقال: اشتر للصبيان زيتًا وباقلاء، ففضل حبة أو حبتان من قطع الصبيان، فقلت لصاحب الباقلاء: أعطني به زيتًا فصبه على الباقلاء الذي أخذه لأحمد، فلما جاء به وضعه بين يديه، فنظر أثر الزيت، فقال: من أين هذا؟ فقال: فضل من قطع الصبيان حبة، فصببت لك بها زيتًا. فقال: من أمرك بهذا، ارفع، ولم يأكله. وقال مرة لإِسحاق النيسابوري: خذ من أم علي ما تعطيك، وأم علي بنت أحمد بن حنبل، فجاءها إسحاق فأعطته دجاجة، وقالت: إن أبي يريد أن يحتجم وليس معه شيء، فقال: أعطيه الدجاجة يبيعها فإني محتاج إلى الحجامة، فأعطي إسحاق بها درهمًا ودانقين، فردها ولم يبعها، فلما صار إلى القنطرة فإذا عبد الله جالس في دكان، فدعا إسحاق وقال: أي شيء هذا؟ فقال إسحاق: أعطتني أم علي أبيعها، فقال: كم أعطيت بها؟ فقال: درهم ودانقين، فقال: بعنيها بدرهم ونصف، فأعطاه درهمًا ونصفًا وأخذها منه، فلما صار إلى أحمد قالت أم علي: بعتها بكم؟ قال: بدرهم ونصف، فقالت: يسير، فقال: أعطوني درهمًا ودانقين في السوق، فقال أحمد: ممن بعتها؟ قال له: من عبد الله فأخذ الثمن من أم علي، وقال: ارددها. فجاء إلى عبد الله فقال له: ردها فقد صاح علي أبوك، قال: فلم قلت له؟ فردها. وكانت لأم عبد الله بن أحمد دار في الدرب يأخذ منها درهمًا بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة فأصلحها عبد الله، فترك أحمد الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده عليّ. ومرض فوصف له الطبيب قرعة تشوى ويسقى ماءها، فقال: لا تُشوى فى منزل صالح، ولا في منزل عبد الله، فمضى بها المروذي فشواها فجاء بها. واشترى له رجل سمنًا بقطعة فجاء به على ورقة بقل، فأخذ السمن وأعطاه الورقة، وقال: ردها. وبعث رجلًا يشتري له بقطعة باقلاء على خبز مثرود، فجاء بباقلاء كثير فقال أحمد: هذا كثير؟ فقال الرجل: كان باقلانيان يبيعان مضارة رخيصًا. فقال: رده عليه، وادفع الخبز والباقلاء والقطعة عليه وتعال. وبات عند روح بن عبادة وخبزه في كمه ويشرب من ماء النهر، فجاء يحيى بن أكثم في ضِبْنَة فجلس بين يديه وجعل يسائله وهو مطرق، فلما رآه لا يقبل عليه قام وتركه. وجاءه رسول من داره فقال: إن أبا عبد الرحمن عليل واشتهى الزبد، فناول الرسول قطعة وقال: اشتر بها زبدًا، فجاء به على ورق سلق، فلما نظر إليه قال: من أين هذا الورق؟ فقال: من عند البقال، فقال: استأذنته في ذلك؟ قال: لا، قال: فرده. وولد له مولود فأهدى إليه صديق له شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر وأراد الخروج إلى البصرة، فطلب منه أن يكتب إلى المشايخ، فقال: لولا الهدية لكتبت لك. وجاءه رجل بدواء ليجعله على أثر الضرب الذي في ظهره، فأخذه ثم رده، فقال له: لم؟ فقال: أنتم تسمعون مني. وسقف له سطح الحاكة، وجعل مسيل الماء إلى الطريق، فبات تلك الليلة، فلما أصبح قال: ادعوا لي النجار يحول الميزاب إلى الدار. فدعي فحوله. وقال ليحيى بن معين: إنك تقول: حدثني إسماعيل بن عُلَيَّة، فلا تفعل فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه، فقال يحيى: قبلنا منك يا معلم الخير. وقال لرجل رهاوي: ما فعل الرجل الذي عندكم بحران الجوهري، عنده علم؟ فقلت: ما أعرف بحران جوهريًا نكتب عنه، فقال: بلى، صاحب حفص بن غيلان، قال: ما أعرفه، قال: يغفر الله لك له بنون، قلت له: لعلك تريد البومة؟ قال: إياه أعني، كتبت عنه فإنه ثقة. وسئل عن طلاق السكران فقال: سلوا عنه غيري. وأوصى أن يكفَّر عنه يمين واحدة، وقال: أظن أني حنثت فيها. وكان كثيرًا ما يقول إذا سُئل: لا أدري، وكان يقول: ربما أقمت في المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شيئًا، وكان يسأل عن المسألة وهو يعرف الأقاويل فيها فيجيب بلا أدري، وذلك أنه يسأل عن اختياره فيذكر الاختلاف فقط، ويقول: لا أدري. وأشار رجل إلى جدار قصر إيباخ بالعسكر، إلى شيء قد نصب على الجدار، فقال: لا تنظر إليه. فقال: قد نظرت إليه. فقال: لا تفعل.