page 506, entry [130]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ العَاصِي (¬١)؛ وهو نَهْر أَنْطاكِيَة وحَمَاة، وذِكْر البَرَدَان؛ وهو نَهْر طَرَسُوس وهما نْهَران كبيران، مَشْهُوران، يَصُبَّان في البَحْر الشَّاميّ، فأمَّا نَهْر البَرَدَان فإنَّهُ يخرجُ من بلَدِ الرُّوم، ويمتَدُّ إلى طَرَسُوس، ثمّ يصُبُّ في البَحْر، وتَجري فيه السُّفُن، ويشُقُّ وسط مَدِينَة طَرَسُوس، وماؤه مَوْصوُفٌ بشِدَّة البَرْد في الصَّيْف. أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رواحة الأنْصاريُّ، عن الحَافِظُ أبي طَاهِر الأصْبَهَانيِّ، عن أحمد بن مُحمَّد [بن] (a) الآبِنُوسيِّ، قال: أخْبَرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي، قال: ومخرَجُ البَرَدَان - نَهْر طَرَسُوس - من طَرف بلاد الرُّوم عليّ دَعَوَة من طَرَسُوس، ثمّ يصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ عليّ خمسة أميال من طَرَسُوس، وهو شَدِيدُ البُرُودةِ في الصَّيْف، فاتِرٌ في الشِّتاءِ. وقد ذكَرتُ في باب الفُرَاتُ، أنَّه وقعَ إليَّ رسالة في ذِكْر الدُّنْيا وما فيها من الأقالِيمْ والجِبَال والأَنْهار، وقال فيها: والمَشْهُور من هذه الأَنْهار الكِبَار اثنا عَشَر نَهْرًا، وهي: الدِّجْلة، والفُرَات، والنِّيْلُ، وجَيْحُون، ونَهْر الشَّاش، وسَيْحَان، وجَيْحاَن، ونَهْرُ بَرَدَان، ومِهْرَان، ونَهْرُ الرَّسّ، ونَهْرُ المُلْك، ونَهْرُ الأهْوَاز. وجميعُ هذه الأَنْهار تَجْري فيها السُّفُن. قال: وأمَّا سَيْحَانُ وجَيْحاَن وبَرَدَان، فإنَّهُن أنْهار طَرَسُوس وأَذَنَة والمِصِّيْصَة، تخرجُ من بلدِ الرُّوم، ثمّ تَغِيْضُ في البَحْر، وكذلك سائرُ أنْهار الشَّام جميعها إلَّا بَرَدَي والأُرْدُنّ. وهذا غيرُ مُسَلَّم لصاحب الرِّسَالَة، فإنَّ في أنْهار الشَّام عدَّة أنْهر تَصُبّ في الفُرَاتُ، مثل نَهْر السَّاجُور والنَّهْر الأزْرَق وغيرهما من الأنْهَر الّتي ذكَرنا أنَّها تَغيْض في الفُرَاتُ وغيرها، فإنْ اعْتَذرَ له مُعْتذرٌ وقال: إنَّه أراد أَنْهار الشَّام الكبيرة مثل سَيْحَانُ وجَيْحاَن وبَرَدَان، فقول: اسْتثناؤُه بَرَدَى أوْجَبَ مُؤاخَذتَهُ، فإنَّ نَهْر السَّاجُور والنَّهْر الأزْرَق لا يقصِران عن بَرَدَي في الكبر، فدلَّ عليّ أنَّه أرادَ جميع الأَنْهار التي بالشَّامِ. وأمَّا نَهْر العَاصِي، فيُقالُ لهُ: الأُرُنْدُ والأُرُنْط، ويُقالُ له: العَاصِي والمَقْلُوب، لأنَّهُ يخالفُ أنْهار الدُّنْيا كُلّها؛ لأنَّهُ يَجْريِ من الجَنُوب إلى الشَّمَال، بخلاف سَائر الأنهرُ، ومَخرجُه من أرض بَعْلَبَك من مَوضِعٍ يُقالُ لهُ اللّبْوَة، يَخْرج من عَيْنٍ هُناك، شَاهَدْتُها، ثمّ تَمّده عُيُون أخر في طَريقه، ويَجْري حتَّى يَشُقّ بُحَيَرة قَدَس من عَمَل حِمْص، ويمتدّ من غَربيّ حِمْص، ويأتي إلى الرَّسْتَن، ثمّ يأتي حَمَاة من غربيّها (a)، فيُلاصق دُوْرها، ثمّ يأتي شَيْزَر فيلَصق بسَفْح قَلْعتها ودُوْر المَدِينَة من الغَرْب والشَّمَال، ويمتَدّ إلى أفَامِيَة، ويَخْرج إلى أَنْطاكِيَة فيحفّ بالمَدِينَة من جهَة والغَرب، وينفَصل عنها، فيصُبّ في البَحْر. وكان يُنْسَب إلى أَنْطاكِيَة، فيقال: الأُرُنْط نَهْر أَنْطاكِيَة، وأمَّا في زَمننا هذا فنسْبَته إلى حَمَاة أكثر. وأهْل حَمَاة لا يَنْتفعُون بمائه في السَّقي والزَّرْرعِ إلَّا بالنَّوَاعِيْر، فإنَّ عامَّة سَقي بسَاتيِنْهم منه بالنَّوَاعِيْر، وكذلك الماء الّذي يَدْخُل إلى مِنازلِهم. وأمَّا حِمْص، فإنَّ بَساتِيْنها تشرَبُ منه سَيْحًا. وسَاق المُلْك المُجَاهِد شِيرْكُوه ابن مُحمَّد بن شِيرْكُوه - حين كانت حِمْص له - من العَاصِي أنْهَارًا إلى مَدِينَة حِمْص، يَجْري بعضُها في المَسْجِد الجامع والبِيْمَارِسْتان، والمنازل بها، ويَجْري منه في خَنْدَق المَدِينَة والقَلْعَة، وبعض الأنْهَر تسقِي في قُرَى حِمْص. أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة، عن الحَافِظُ أبي طَاهِر، عن ابن الآنِبُوسيِّ، قال: ذَكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي في كتاب الحَافِظُ من تأليفه، قال: ومَخْرجُ الُأُرنْد -نَهْر أَنْطاكِيَة- من أرْض دِمَشْق ممَّا يلي طَريق البَرِيد، وهو يَجْري مع الجَنُوب؛ ولذلك يُسَمَّى المَقْلُوب، ثُمَّ يَصيرُ في البَحْر الشَّاميّ. وقال أحمد بن مُحمَّد بن إسْحاَق الزَّيَّات: ومَخْرجُ الأُرُنْد -نَهْر أَنْطاكِيَة- من أرض دِمَشْق ممَّا يلي البَرِيد، ويَجْري مع الجَنُوب، ويَصُبّ في البَحْر الرُّوميِّ. هذا ما ذَكَرَهُ ابن المُنَادِي وأحمدُ بن مُحمَّد الزَّيَّات أنَّه من أرْض دِمَشْق، وقد ذَكَرنا أنَّ مخرجَهُ من اللَّبْوَة، قَرْيَة من بَلَد بَعْلَبَك، ولعلهما أرادَا أنَّ بَعْلَبَك من أعْمَال دِمَشْق، فنَسَبا أرضَها إلى دِمَشْق.