page 214, entry [57]Open original source
فصل في إنشاده الشعر وعن يوسف بن خالد (¬٣): إن الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا (¬٤): كفى حزنا أن لا حياة هنيئة … ولا عمل يرضى به الله صالح وذكر السمعاني (¬٥) عن أبي سعد الصغاني قال: سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان، قال: ثقة، واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي، وزيد بن أبي عياش. قال الإمام الشافعي ﵀: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت جابرا يقول كلاما خفت أن يقع علينا السقف، وقال الشافعي: كان جابر يقول بالرجعة، ومعناه: أن جماعة من قتلة عثمان كانوا يقولون: أن سيدنا محمد (ص) أفضل من عيسى ﵇ بلا نزاع، وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال؛ فسبدنا أولى بهذا الكمال، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (¬١) ورد بأن المراد: إما مكة، وإما يوم العرض لا الدنيا؛ لأن الآية لا دلالة فيها على العود بعد الموت. وعن جعفر الأحمر (¬٢): سألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت: لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى بخير. فقال شعر: خلت الديار فسدت غير مسوّد … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وعن ابن عيينة قال: مررت [بأبي حنيفة] (¬٣) وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا يرفع فيه، قال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا به. قلت: هذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصل أو طائف أو قارئ، فإن المتأخرين من أئمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد. وعن الهيثم بن عدي قال (¬٤): عدنا مع الإمام وأبي بكر النهشلي (¬٥) رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد، فقال بعضنا: إذا جلستم عرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأبعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ .. ﴾. (¬٦) فقال المريض: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ .. ﴾. (¬٧) قال الزرنجري: فأعطاهم [دراهم] (¬٨) دعوة لغدائهم. قلت (¬١): وكان الأظهر أن يقرأ: «ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا» (¬٢). وعن زفر (¬٣): إن الإمام سئل عن علي ومعاوية وقتلى صفين فقال: إذا قدمت علي الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم. وروي أنه قال: تلك دماء طهر الله منها سناننا أفلا نطهر منها لساننا، وفي رواية تلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (¬٤). وعن غورك الكوفي قال (¬٥): أهديت إليه هدايا، فكافأني بأضعافه، فقلت له: لو علمت ذلك لم أفعل، فقال: الفضل للسابق، ألم تسمع إلى ما حدثني به الهيثم عن ابن أبي صالح بلغ به النبي ﷺ قال (¬٦): (من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فأثنوا عليه خيرا). فقلت هذا الحديث أحب إلى من جميع ما أملك. وعن عمر بن (¬٧) إبراهيم البصري عن أبيه قال: رأيته مغموما متفكرا يتنفس الصعداء فقلت له: يرحمك الله ما لك؟ قال: مطلوب يخاف البينات، وكنت يوما إلى جنبه في صلاة الفجر، فقرأالإمام: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ (¬١) /٣ أ/فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه. وعن سهل بن مزاحم قال: قال لي (¬٢): لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر، ثم يتولى ثانية. وعن عبد الله الأحفظ (¬٣): أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه، ثم قال له: كان جدك ﷺ يكره أن يقوم الرجل إلا لثلاثة: ذو سلطان لسلطانه، وذو علم لعلمه، وذو شرف لشرفه وأنت منهم. وعن الحسن (¬٤) بن أحمد الفارسي (¬٥): من مناجاته أنه كان يقول: الهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائي أملي، إلهي كيف انقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقبلني مرحوما، الهي إن عزب رأيي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني، الهي اعززت نفسي بإيمانك فكيف تذلها بأطباق نيرانك، الهي إذا تلونا من كتابك: شديد العقاب اشفقنا، وإذا تلونا فيه: الغفور الرحيم اشتقنا، فنحن بين أمرين، لا يؤمننا الكتاب سخطك، ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعيي عن استحقاق نظرك فأفض علي من كرمك، إنك لم تزل بي بارا أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي، إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك، يا من لا يرجى إلا ثوابه، ولا يخشى إلا عذابه، ومن شواهد كرمك استتمام نعمائك، ومن محاسن جودك استكمال آلائك، الهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها. فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها، الهي إن كنت غير مستاهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك، الهي أمرت بالمعروف وأنت أولى من المأمورين، وأمرت بصلة السؤال وأنت خير المسئولين، الهي سترت علي ذنوبا في الدنيا، وأنا إلى سترها أحوج في العقبى، إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها، وتوصل إلى قلبي من حرارتها، حتى أكون في الدنيا غريبا ولك محبا فأصبح بطول بكاء وكثرة دعاء، الهي اجعلني في رحمتك مع الأبرار، واعتقني من النار، واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار. ومن كلامة (¬١): من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا، ومنه: لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك، ولا تجمع الأموال لنقيضك، عني بالحبيب نفسه، والنقيض وارثه. وذكر الإمام السمعاني، عن هلال (¬٢) بن يحيى البصري: سمعت يوسف (¬٣) ابن خالد السمتي، قال (¬٤): كنت اختلف إلى عثمان (¬٥) البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب مذهب الحسن (¬٦)، وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها معهم، ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشايخها والنظر من مذاهبهم، والاستماع عنهم، فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث، وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال: ايتوني به، فمضيت، فقال: لعلك تقول: إن أهل البصرة أعلم من أهل الكوفة، كلا ورب البيت الحرام ما ذلك كذلك، وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا، والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها، ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن، ولا ابن سيرين، ولا قتادة الأعمى ولا البتي ولا غيرهم، وغضب علي غضبا خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لمن حضره: إذهب به إلى مجلس النعمان، فو الله لو أرى أصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا فقام الرجل واتبعته، فلما خرج من المسجد قال: النعمان يكون من بني حرام فاسأل عنه فإنه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه؛ فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام في آخر القبائل، وقد دخل وقت العصر، فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب، وخلفه خادم أشبه الناس به، فلما دنا سلم ثم صعد المئذنة فأذن أذانا حسنا، فتوسمت فيه أنه الإمام ثم صلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه، وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة، فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم، ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله، فلما انتهى إلي قال: كأنك غريب من أهل البصرة، وقد نهيت عن مجالسنا، قلت: نعم، قال: ما اسمك؟ فأخبرته باسمي ونسبي، ثم سأل عن كنيتي، فأخبرته، فقال: أكنت تختلف إلى البتى؟ قلت: نعم، قال: لو أدركني لترك كثيرا من قوله، ثم قال: هات ما معك، وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة والغربة، وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة، ولكل قادم حاجة، قال: فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي/١٣ ب/فأجابني، فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال: حفظك الله يا أبا محمد، يحب أن ينوه باسم بلده بغيره؟! ما مثله إلا كما قال القائل، شعر: وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كانا كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش، كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول: يأخذ الجوائز من السلطان، ويروى بالمحالات، ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض، ينفرد بالفعل دون ربه، ويروي عن علي ﵁ كأنه رآه، وعن سمرة (¬١) بن جندب كأنه شاهده، ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه، فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد (¬٢) الحذاء يوما من مجلسه، وقال مهلا يا ابن سيرين، كم تقول في هذا الرجل؟ وقد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب (¬٣) السختياني. ومالك (¬٤) بن دينار، ومحمد (¬٥) بن واسع فتاب، ويتوب الله على من تاب، وقال ﷺ: «لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر، فإن الإسلام يهدم ما كان قبله». ثم قال الإمام: ما أعجب ما قال خالد! وهذا محمد بن واسع وقتادة، وثابت، ومالك بن دينار، وهشام (¬١) بن حسان، وأيوب وسعيد (¬٢) بن عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات، وهذا عمرو (¬٣) بن عبيد، وواصل (¬٤) بن عطاء، وغيلان (¬٥) بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وجمع أهل البصرة جرى على هذا المذهب، فارتفع قول خالد من هؤلاء، وقد قيل إن خالدا يتمذهب هذا المذهب أيضا، وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول: يتوضأ بالقربة، ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه ﷺ يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب ﵇، فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك جهله، إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَزالُونَ﴾ ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ (¬١) ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (¬٢) ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً﴾ (¬٣)، ثم سكت، فقلت له: فيما اختلفوا فيه من القدر، قال: أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق، وهذه مسألة قد استصعبت على الناس فأني يطيقونها هذه مسألة مقفلة قد ضلت مفتاحها، فإن وجد رجل مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة، وقد فات ذلك، والذي يقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه، كما قال محمد بن علي ﵄: لا جبر ولا تفويض ولا تسليط، والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يعلمون، ولا عاقبهم بما لم يعملوا، ولا سألهم عما لم يعلموا، ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم والله يعلم بما نحن فيه، والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب والله ولي كل نجوى، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.