page 590, entry [290]Open original source
٢٧٤ - محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن على بن عبد الله ابن تيمية الحرانى، الفقيه المفسر، الخطيب الواعظ، فخر الدين، أبو عبد الله بن أبى القاسم، شيخ حران وخطيبها. ولد فى أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بحران، وقرأ القرآن على والده، وله عشر سنين. وكان والده زاهدا، بعد من الأبدال. وشرع فى الاشتغال بالعلم من صغره، وتردد إلى أبى الكرم فتيان بن مياح، وأبى الحسن ابن عبدوس وغيرهما، ثم ارتحل إلى بغداد، وسمع بها الحديث من المبارك ابن خضير، وأبى الفتح بن البطى، وسعد الله بن الزجاجى، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وأبى بكر بن النقور، وأبى الفضل بن شافع، وعلى بن عساكر البطائحى، وأبى الحسين اليوسفى، وأخيه أبى نصر، وأبى الفتح بن شاتيل، وشهدة، وغيرهم. وسمع أيضا بحران من أبى النجيب السهروردى، وأبى الفتح أحمد بن الوفاء، وأبى الفضل حامد بن أبى الحجر. وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى، وأبى العباس بن بكروس، وبحران على أحمد بن أبى الوفاء، وحامد بن أبى الحجر، وأخذ عنه التفسير أيضا، ولازم أبا الفرج بن الجوزى ببغداد، وسمع منه كثير من مصنفاته، وقرأ عليه كتابه «زاد المسير فى التفسير» قراءة بحث وفهم، وقرأ الأدب على أبى محمد بن الخشاب، وبرع فى الفقه والتفسير وغيرهما، ورجع إلى بلده، وجدّ فى الاشتغال والبحث، ثم أخذ فى التدريس والوعظ والتصنيف، وشرع فى إلقاء التفسير بكرة كل يوم بجامع حران فى سنة ثمان وثمانين، وواظب على ذلك حتى قرأ القرآن الكريم خمس مرات، انتهى آخرها إلى سنة عشر وستمائة، فكان مجموع ذلك فى ثلاث وعشرين سنة، ذكر ذلك فى أول تفسيره الذى صنفه. وكان الشيخ فخر الدين رجلا صالحا، يذكر له كرامات وخوارق، وولى الخطابة والإمامة بجامع حران، والتدريس بالمدرسة النورية بها، وبنى هو مدرسة بحران أيضا. قال الناصح ابن الحنبلى: انتهت إليه رياسة حران، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس المدرسة النورية، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها، وكان فى ملازمته التفسير والوعظ مع الطريقة الظاهرة الصلاح. وذكره ابن خلكان فى تاريخه وقال: ذكره محاسن بن سلامة الحرانى فى تاريخ حران، وابن المستوفى فى تاريخ أربل، فقال: له القبول التام عند الخاص والعام. وكان بارعا فى تفسير القرآن، وجميع العلوم له فيها يد بيضاء. وقال ابن نقطة: شيخ ثقة فاضل، صحيح السماع مكثر، سمعت منه بحران فى المرتين. وقال ابن النجار: سمعت منه ببغداد وحران، وكان شيخا فاضلا، حسن الأخلاق، متوددا، صدوقا، متدينا. وقال ابن الساعى: هو موصوف بالفضل والدين. وقال ابن حمدان الفقيه: كان شيخ حران، ومدرسها، وخطيبها ومفسرها، مغرى بالوعظ والتفسير، مواظبا عليهما. وقال المنذرى: كان عارفا بالتفسير، وله خطب مشهورة، وشعر، ومختصر فى الفقه. وكان مقدما فى بلده، وتولى الخطابة بها، ودرس بها ووعظ، وحدث ببغداد وحران، ولنا منه إجازة. وكان الشيخ فخر الدين قد وعظ ببغداد فى مدة اشتغاله بها برباط ابن النقال، ثم حج سنة أربع وستمائة، وكتب معه مظفر الدين صاحب أربل كتابا إلى الخليفة الناصر بالوصية به، فلما رجع من مكة إلى بغداد، سأل الجلوس بباب بدر، فأجيب إلى ذلك، وتقدم إلى محيى الدين يوسف بن الجوزى بالحضور، وكان يعظ بذلك المكان موضع أبيه، فحضر، وقعد على دكة المحتسب بباب بدر، وحضر خلق كثير، ووعظ الشيخ فخر الدين، وأنشد فى أثناء المجلس: وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس وقال الناس: ما قصد إلا محيى الدين، لأنه كان شابا، وابن تيمية شيخ. وللشيخ فخر الدين تصانيف كثيرة. منها «التفسير الكبير» فى مجلدات كثيرة. وهو تفسير حسن جدا. ومنها ثلاث مصنفات فى المذهب، على طريقة البسيط والوسيط، والوجيز للغزالى، أكبرها «تخليص المطلب فى تلخيص المذهب» وأوسطها «ترغيب القاصد فى تقريب المقاصد» وأصغرها «بلغة الساغب وبغية الراغب» وله شرح الهداية لأبى الخطاب. ولم يتمه. وله ديوان الخطب الجمعية. وهو مشهور. ومصنفات فى الوعظ، و «الموضح فى الفرائض». وكانت بينه وبين الشيخ موفق الدين مراسلات ومكاتبات. وأرسل الشيخ الفخر مرة يسأل الشيخ الموفق عما ذكره فى كتبه من مسألة حصر جهات ذوى الأرحام، وما يلزم قول أبى الخطاب من الفساد. ووقع بين الشيخين أيضا تنازع فى مسألة تخليد أهل البدع المحكوم بكفرهم فى النار. وكان الشيخ الموفق لا يطلق عليهم الخلود. فأنكر ذلك عليه الشيخ الفخر. وقال: إن كلام الأصحاب مخالف لذلك. وأرسل يقول للشيخ موفق الدين: انظر كيف تستدرك هذه الهفوة؟ فأرسل إليه الشيخ موفق الدين كتابا، أوله: أخوه فى الله عبد الله بن أحمد يسلم على أخيه الإمام الكبير فخر الدين جمال الإسلام، ناصر السنة، أكرمه الله بما أكرم به أولياءه. وأجزل من كل خير عطاءه، وبلغه أمله ورجاءه، وأطال فى طاعة الله بقاءه - إلى أن قال: إننى لم أنه عن القول بالتخليد نافيا له، ولا عبت القول به منتصرا لضده. وإنما نهيت عن الكلام فيها من الجانبين إثباتا أو نفيا، كفّا للفتنة بالخصام فيها، واتباعا للسنة فى السكوت عنها، إذ كانت هذه المسألة من جملة المحدثات، وأشرت علىّ من قبل نصيحتى بالسكوت عما سكت عنه رسول الله ﷺ وصحابته، والأئمة المقتدى بهم من بعده - إلى أن قال - وأما قوله - وفقه الله - إنّي كنت مسألة إجماع، فصرت مسألة خلاف. فإنني إذا كنت مع رسول الله ﷺ فى حزبه، متبعا لسنته، ما أبالى من خالفنى، ولا من خالف فىّ، ولا أستوحش لفراق من فارقنى. وإنّي لمعتقد أن الخلق كلهم لو خالفوا السنة وتركوها، وعادونى من أجلها، لما ازددت لها إلا لزوما، ولا بها إلا اغتباطا، إن وفقنى الله لذلك. فإن الأمور كلها بيديه، وقلوب العباد بين إصبعيه. وأما قوله: إن هذه المسألة مما لا تخفى: فقد صدق وبرّ، ما هى بحمد الله عندى خفية، بل هى منجلية مضية. ولكن إن ظهر عنده بسعادته تصويب الكلام فيها، تقليدا للشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى، فقد تيقنت تصويب السكوت عن الكلام فيها، اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة والأئمة المرضيين، لا أبالى من لا منى فى اتباعهم. ولا من فارقنى فى وفاقهم. فأنا كما قال الشاعر: أجد الملامة فى هواك لذيذة … حبا لذكرك. فليلمنى اللّوم فمن وافقنى على متابعتهم. وأجابنى إلى مرافقتهم وموافقتهم فهو رفيقى وحبيبى وصديقى، ومن خالفنى فى ذلك فليذهب حيث شاء. فإن السبل كثيرة، ولكن خطرة. وقوله بسعادته: إن تعلقه بأن لفظ «التخليد» لم ترد: ليس بشئ. فأقول: لكنى عندى أنا هو الشئ الكبير، والأمر الجليل الخطير. فأنا أوافق أئمتى فى سكوتهم، كموافقتى لهم فى كلامهم، أقول إذا قالوا، وأسكت إذا سكتوا، وأسير إذا ساروا، وأقف إذا وقفوا، وأحتذى طريقهم فى كل أحوالهم جهدى، ولا أنفرد عنهم خيفة الضيمة إن سرت وحدى. فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة. وهذا عجب. أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفى بذكرها؟ فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج فى تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب. وإن كان لا يرى ذلك حجة فى الفروع، فكيف جعله حجة فى الأصول؟ وهب أنا عذرنا العامة فى تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر فى دليل. فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه فى أنواع العلوم؟ ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب. ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم يكفرهم. فإن الشافعى وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد. فبم يثبت الترجح؟ ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه. فإن النبى ﷺ قد أطلق التكفير فى مواضع لا تخليد فيها - وذكر حديث «سباب المسلم فسوق، وقتا له كفر» وغيره من الأحاديث. وقال: قال أبو نصر السجزى: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن. فقال بعضهم: كفر ينقل عن الملة. وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة. ثم إن الإمام أحمد - الذى هو أشد الناس على أهل البدع - قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول، الذى لم يرد عن النبى ﷺ، ولا عن أحد قبله: لأنكره أشد الإنكار. فقد كان ينكر أقل من هذا. ثم إن علمتم أنتم هذا، أفيحل لى ولمثلى ممن لم يعلم صحة هذا القول أن يقول به؟ وهل فرض الجاهل بشئ إلا السكوت عنه؟ فأنا ما أنكرت هذا إلا على الجاهل به. أما من قد اطلع على الأسرار، وعلم ما يفعله الله تعالى على جليته فما أنكرت عليه. ولا ينبغى له أن يأمرنى أن أقول بمقالتى، مع جهلى بما قد علمه، لكن إذا اعتقدتم هذا، فينبغى أن يظهر عليكم آثار العمل به فى ترك مصادقتهم، وموادتهم وزيارتهم، وأن لا تعتقدوا صحة ولايتهم، ولا قبول كتاب حاكم من حكامهم، ولا من ولاه أحد منهم. وأنتم تعلمون أن قاضيكم إنما ولايته من قبل أحد دعاتهم. وأما قولك بسعادتك «انظر كيف تتلافى هذه الهفوة. وتزيل تكدير الصفوة» فإن قنع منى بالسكوت فهو مذهبى وسبيلى، وعليه تعويلى. وقد ذكرت عليه دليلى. وإن لم يرض منى إلا أن أقول ما لا أعلم، وأسلك السبيل الذى غيره أسدّ وأسلم، وأخلع عذارى فى سلوك ما فيه عثارى، ويسخط على البارى: ففى هذا التلافى تلافى، وتكدير صافى أوصافى، لا يرضاه لى الأخ المصافى، ولا من يريد إنصافى، ولا من سعى فى إسعافى. وما أتابعه ولو أنه بشر الحافى. إلى أن قال: واعلم أيها الأخ الناصح أنك قادم على ربك، ومسئول عن مقالتك هذه. فانظر من السائل. وانظر ما أنت له قائل. فأعد للمسألة جوابا. وادرع للاعتذار جلبابا. ولا تظن أنه يقنع منك فى الجواب بتقليد بعض الأصحاب. ولا يكتفى منك بالحوالة على الشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى وأبى الخطاب. ولا يخلصك الاعتذار بأن الأصحاب اتفقوا على أنهم من جملة الكفار، ولازم هذا الخلود فى النار. فإن هذا الكلام مدخول، وجواب غير مقبول. إلى أن قال: فأنتم إن كنتم أظهركم الله على غيبه، وبرأكم من الجهل وعيبه، وأطلعكم على ما هو صانع بخلقه: فنحن قوم ضعفاء، قد قنعنا بقول نبينا ﵇، وسلوك سبيله، ولم نتجاسر على أن نتقدم بين يدى الله ورسوله. فلا تحملوا قوتكم على ضعفنا، ولا علمكم على جهلنا. وهى رسالة طويلة، لخصت منها هذا القدر. أخذ العلم عن الشيخ فخر الدين جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغنى خطيب حران، وابن عمه الشيخ مجد الدين عبد السلام. وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ. منهم ابن نقطة، وابن النجار، وسبط ابن الجوزى، وابن عبد الدائم. وروى عنه عبد الرحمن بن محفوظ الرسعنى وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، والأبرقوهى. وله شعر كثير حسن. قرأت بخط ولده أبى محمد عبد الغنى قال: أنشدنى الوالد ﵀ لنفسه: أتت رحلتى، وقد أتانى المسير … وزادى من النسك نزر حقير وقلبى على جمرات الأسى … من الخوف من خالقى مستطير وكم زلة قد نقحمتها … فدمعى لها وعليها غزير مضى عمرى، وانقضت مدتى … ولم يبق من ذاك إلا اليسير كأنى بكم حاملين السرير … بشخصى، وناهيك ذاك السرير تقلونه شرجعا مثقلا … علو ما لجنبيه منها صرير إلى منزل ليس فى ربعه … أنيس لساكنه أو نصير سوى عمل صالح بالتقى … فنعم الأنيس، ونعم الخفير وقال ابن النجار: أنشدنى لنفسه ببغداد: أرى خلوتى فى كل يوم وليلة … تؤول إلى نقص، وتفضى إلى ضعف وما ذاك من كر الليالى ومرها … ولكن صروف الدهر صرفا على صرف فراق وهجر واخترام منية … وكيد حسود للعداوة لا يخفى وداء دخيل فى الفؤاد مقلقل الض … لوع يجل الخطب فيه عن الوصف وعشرة أبناء الزمان ومكرهم … وواحدة منها لهد القوى تكفى بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلى … كما البدر فى النقصان من ليلة النصف وما برحت تترى إلى أن بلي … ت من تضاعيفها ضعفا يزيد على ضعف وأصبحت شبيها بالهلال صبحة الثلاث … يين أخفاه المحاق على الطرف توفى ﵀ يوم الخميس عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران. كذا ذكر ولده عبد الغنى. وقال كثير من المحدثين: إنه توفى ليلة حادى عشر صفر. وقرأت بخط ولده: لما مات الوالد كان فى الصلاة؛ لأنى ذكرته بصلاة العصر. وأخذته إلى صدرى، فكبر وجعل يحرك حاجبه وشفتيه بالصلاة حتى شخص بصره رحمه الله تعالى. وقد ذكر ولده له منامات صالحة رئيت له بعد وفاته. وهى كثيرة جدا. جمعها فى جزء. منها: أن رجلا حدثه أنه رأى والده الشيخ فخر الدين جالسا على تخت عال، وعليه ثياب جميلة. فقلت له: يا سيدى ما هذا؟ فقرأ (٣١:١٨ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ)﴾ ورآه آخر فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. ورأى غير واحد فى منامه جماعة معهم سيوف وسلاح ورايات. فسئلوا عن حالهم؟ فقالوا: السلطان يركب ونحن فى انتظاره. فقيل لهم: من السلطان؟ قالوا: الشيخ الفخر قال: وحدثتنى ابنة عم والدى - وكانت صالحة - قالت: رأيت بعد موت الشيخ فى منامى، كأننى أسمع صوت ضجة من السماء. فقلت لمن عندى: ما هذا الصوت والضجة؟ قال: هذا ضجيج الملائكة لأجل انقطاع التفسير وتعطله بالجامع بعد وفاة الشيخ. ورآه رجل آخر ليلة وفاته، وهو على أحسن حالة. فقال له: أليس قدمت؟ قال: بلى، ولكن أنا إن شاء الله فى الأحياء. ورآه آخر وعليه ثياب حسنة جميلة. فقال له: أما قدمت؟ قال: بلى. قال: ماذا لقيت من ربك؟ قال: وقفت بين يديه، فقال: كم ننتظرك؟ كم ننتظرك؟ قال: فقلت: أنا والله مشتاق، أنا والله مشتاق: قال الرائى: فأخذنى شبه الطرب، وانزعج من منامه حتى علمت بذلك زوجته. ورأى رجل بعض الموتى. فسأله عن حاله وعن أقاربه؟ فقال: الليلة ينزل الفخر عندهم من عند الحق، وكل ليلة جمعة ينزل إليهم، ويجتمعون إليه. وذكر أنه رأى هذا المنام مرارا. ورأى رجل الشيخ الفخر فى نومه، وقد صعد إلى منبر جامع حران، ومعه مصحف ففتحه ووقف، والنبى ﷺ فوقه على المنبر يقرأ من ذلك المصحف. ورأى آخر الشيخ الفخر مع الإمام أحمد، وهما يتسايران. وكان هذا الرائى قد رأى فى حياة الشيخ رجلا من الصالحين يقول له فى نومه: مرّ إلى الشيخ الفخر، وخذ لك منه عهدا أن يشفع فيك غدا. فإنه قد أعطى الشفاعة فى كذا وكذا (¬١). ورأى آخر الشيخ الفخر فى المنام، ويده فى يد رجل آخر. قال: فسلمت على الفخر، وقلت له: يا سيدى من هذا الذى يده فى يدك؟ فقال: هذا الموفق الدمشقى المقدسى. فقلت: وإلى أين تروحون؟ قال: بروح نفتيهم فى قضية. قال: فدخلوا مسجدا، فرأيت فيه حياة بن قيس وابناه فى غربى المسجد، والشيخ الفخر شرقى المحراب، والشيخ الموفق غربيه. وهما فوق تخت، وعليهما خلعتان ما رأيت أحسن منهما قط، وبين أيديهما شئ مطروح. ثم قام الشيخ الفخر يفرق منه على الحاضرين، كما يفعل فى الملاك. قال الرائى: فقلت للشيخ الفخر: يا سيدى أخبرنى، الموت كيف هو؟ قال: والله الموت وقت حضوره صحب شديد، وبعد الموت كله هين. ثم قال لى: الصلاة يا عبد الله، ما شئ أفضل منها. فمن واظب عليها وحافظ على السنة والجماعة ما يلقى إلا الخير الكثير. ورأى رجل النبى ﷺ، وبين يديه جبريل، وهما جالسان فى موضع بحران. فسأل الرائى رسول الله ﷺ: ما سبب حضوركم فى هذا الموضع؟ فمديده وأشار إلى نحو باب دار الشيخ الفخر وقال: الفخر قد مات. قال: فمات الشيخ الفخر فى الجمعة الأخرى. قال: وأخبرنى رجل سماه - وكان فيه دين وصلاح - قال: رأيت فى النوم قائلا يقول: الشيخ الفخر كان صادقا مع الله. ثم قال: الشيخ الفخر كان من الصديقين. قال: وبعد رأيت كأننى دخلت إلى الجامع، فإذا الشيخ على الكرسى يتكلم، وهو يردد هذه الأبيات: طوبى لعبد أحب مولاه … إذا خلا فى الظلام ناجاه قد كشف الحجب عن بواطنه … فنور مولاه قد تغشاه يقول: يا غايتى ويا أملى … ما خاب عبد تكون مولاه وكان من عادته فى مجالسه أيام حياته يرددها كثيرا فى كلامه فى الوعظ، قال: فطربت لسماع صوته فى المنام. قال: وحدثنى رجل - سماه - عن زوجته: أنها رأت سنة إحدى وعشرين فى المنام كأنها فى موضع فيه رياض وخضرة، وقوم يبنون فيه قصرا عاليا، وبقربه دولاب يدور، وامرأتان قائمتان بقرب القصر، كأحسن ما يكون من النساء. قالت: ففهمت أنهما من الحور العين. فسألت: لمن هذا القصر الذى يبنى؟ فقيل لها: للفخر الفقيه. قالت: وما رأيت له بابا مفتوحا. ثم رأيت ليلة عاشوراء سنة اثنتين وعشرين قبل وفاة الشيخ بشهر ذلك القصر قد فتح له باب، والحوريتان عند بابه. فقالت: من يريد يجئ إلى هذا القصر؟ قالوا: الفخر صاحبه. قال: وحدثنى رجل - وذكر عنه دينا وخيرا - قال: رأيت الشيخ وكأنه فى مسجده مستند إلى ركن محرابه، والناس مجتمعون فى عقد ختمة. فلما انصرف الناس قلت للشيخ: بالله يا سيدى، هل رأيت الله؟ قال: إي والله. فقلت له: فنحن إيش تقول فينا؟ قال: أنتم من أصحابنا. قال: وحدثنى أبو الحسن بن إبراهيم بن البقش النجار - وكان يلازم الشيخ لسماع الحديث - قال: رأيت الشيخ بعد موته فى المنام على كرسى يعظ، وتحته رجال ونساء كثير. فسمعته ينشد: تجلى الحبيب لأحبابه … فطوبى لمن كان يعنى به فلما تجلى لهم كبروا … وخروا سجودا على بابه والمنامات الصالحة له كثيرة ﵀. وذكر المنذرى وغيره: أنه سئل عن معنى «تيمية» فذكر أن أباه أوجده حج على درب تيماء. فرأى هناك جويرية قد خرجت من خبائها. فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية. فلما رآها قال: يا تيمية، كأنه يشبهها بتلك الجويرية، فلقبت بذلك. قال ابن النجار: ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية. وكانت واعظة. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أنبأنا أحمد بن عبد الدائم أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم ابن تيمية الخطيب. ح - قال الأنصارى: وأخبرنا إبراهيم بن أحمد بن كامل المقدسى - حضورا - أخبرنا الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى قالا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن البطى أخبرنا أبو الخطاب نصر ابن أحمد بن البطى. ح - قال ابن عبد الدائم: وأنبأناه عاليا خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عبد القاهر - إجازة - أخبرنا ابن البطى، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن عبد الله بن يحيى بن زكريا البيع، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملى حدثنا العباس بن محمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ودع الجيش قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم».