page 363, entry [184]Open original source
١٧٧ - نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن على الشيرازى الأصل، الدمشقى الأنصارى، الشيخ نجم الدين أبو العلاء بن شرف الإسلام ابن الشيخ أبى الفرج، شيخ الحنابلة بالشام فى وقته. قرأت بخط ولده ناصح الدين عبد الرحمن: أنه ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. وأفتى ودرس وهو ابن نيف وعشرين سنة، إلى أن مات، وعاش هنيا مرفها، لم يل ولاية من جهة سلطان، وما زال محترما معظما، ممتعا قويا. قال لى قبل أن يموت بسنة: رأيت الحق ﷿ فى منامى، فقال لى: يا نجم أما علمتك وكنت جاهلا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أغنيتك وكنت فقيرا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أمت سواك وأحييتك؟ وجعل يعدد النعم، ثم قال: قد أعطيتك ما أعطيت موسى بن عمران. ولما مرض مرض الموت، رآنى وقد بكيت، فقال: إيش بك؟ فقلت: خير، فقال: لا تحزن علىّ؛ أنا ما توليت قضاء، ولا شحنكية، ولا حبست، ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحدا، فإن كان لى ذنوب، فبينى وبين الله ﷿. ولى ستون سنة أفتى الناس، والله ما حابيت فى دين الله تعالى. وكان يقول قبل موته بسنين: سنتى سنة ست وثمانين، إلى أن دخلت سنة ست وثلاثين، فقال: هذه سنتى، فقلنا: كيف تقول هذا؟ قال: هى سنة أبى وجدى لأن أباه مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وجده مات سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان الأمر كما قال. قال: وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر، إذا أشكل عليهما شئ سألا والدى. قال: وخرج له أبو الحسين سلامة بن إبراهيم الحداد شيخه، وسمعناها عليه بقراءته. وذكر الحافظ المنذرى فى وفياته: أن له إجازة من أبى الحسن بن الزاغونى وغيره. قال: وتوفى ثانى عشرى ربيع الآخر، سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بسفح قاسيون. وقال غيره: شيعه خلائق. وقد سبق ذكر أخيه بهاء الدين عبد الملك. وكان له أيضا عدة إخوة. منهم: الشيخ سديد الدين عبد الكافى بن شرف الإسلام. قال ناصح الدين: كان فقيها متطهرا، ووعظ فى شبابه، وكان يذكر الدرس فى الحلقة، مستندا إلى خزانة أبيه، وكان صيتا، وربما خطب فى الإملاكات المعتبرة. وكان شجاعا شديدا، مات بعد الثمانين والخمسمائة، وقبره تحت مغارة الدم. ومنهم: الشيخ شمس الدين عبد الحق بن شرف الإسلام. قال الناصح: كان فقيها عاقلا، عفيفا، حسن العشرة، كثير الصدقة، رحيم القلب. سافر فى طلب العلم، وقرأ كتاب «الهداية» على الشيخ أحمد الحرانى الحنبلى، ودخل بلاد العجم، ورأى أئمة خراسان، وعاد إلى دمشق، وصحب أخاه، والذى يسمع درسه، ويعيد له، وهو بين يديه كالحاجب. ومات ودفن بسفح قاسيون. ومنهم: الشيخ شرف الدين محمد بن شرف الإسلام. كان فقيها، فرضيا، يعرف الغزوات، ويعبر المنامات، ويتجر، ولا يداخل الملك وتوفى ودفن بالباب الصغير. ومنهم: الشيخ عزّ الدين عبد الهادى بن شرف الإسلام. كان فقيها واعظا، شجاعا، حسن الصوت بالقرآن، شديدا فى السنة، شديد القوى، يحكى له حكايات عجيبة، فى شدة قوته. منها: أنه بارز فارسا من الإفرنج، فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا جميعا، وكان فى صحبة أسد الدين شيركوه إلى مصر، وشاهده جماعة رفع الحجر الذى على بئر جامع دمشق، فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وله أخبار فى هذا الباب غريبة، وبنى مدرسة بمصر، ومات قبل تمامها، وتوفى بمصر. ومما وقفت عليه من فتاوى نجم الدين بن عبد الوهاب بن الحنبلى: أن من أراد أن يحلف بالطلاق، فقال لامرأته: على الطلاق ثلاث بتات، وأراد أن يقول: إن لم أتحول من الدار، ثم تفكر فى ضرر التحويل، فسكت على قوله بتات، إعراضا عن اليمين بالكلية، لا أراده لوقوع الطلاق: أنه إذا لم يقصد بذلك الإيقاع، بل قصد التعليق، ثم سكت عقيب ذكر الطلاق، لا قاصدا له، بل أراد إبطال اليمين، فإنه يدين فى ذلك فيما بينه وبين الله، ولا يلزمه الطلاق فى الباطن. وبمثل هذا صرح صاحب المحرر فيه، وهو قول مالك والليث بن سعد. وحكى عن الشافعى أيضا، ولا أعلم فى ذلك نصا لأحمد، ولا لأحد من متقدمى أصحابنا. وقياس نصوص أحمد وأصوله: أنه لا يدين فى ذلك، بحيث أنه يمتنع وقوع الطلاق به. ولو وجد شرطه الذى أراد تعليقه عليه، فإن المنصوص عن أحمد، فى مواضع متعددة من كلامه: أن الحلف بالطلاق ليس بيمين، وليس حكمه حكم سائر الأيمان، وإنما هو طلاق معلق بشرط، ولو قصد بتعليقه الحض والمنع، وحينئذ فينبغى أن يكون حكم هذا حكم من طلق، وقال: نوبت تعليق الطلاق بشرط. والمذهب فى ذلك عند القاضى ومن اتبعه من أصحابنا: أنه يدين فى ذلك، ولا يقع به الطلاق فى الباطن إلا بوجود الشرط. وهل يقبل منه فى الحكم؟ خرجوه على روايتين. ونص أحمد فى رواية مهنا: على أنه لا يدين، كقول أبى حنيفة وأصحابه، وتأوله القاضى على أنه أراد أنه لا يقبل منه فى الحكم. وهو تأويل بعيد. فعلى ظاهر رواية مهنا: يقع الطلاق فى الحال، وإن أراد الحلف به، ثم تركه. وعلى المذهب عند القاضى وأصحابه: ينبغى أن لا يقع الطلاق حتى يوجد الشرط الذى أراد أن يحلف عليه، كما لو أراد تعليق الطلاق بشرط يأتى لا محالة، ثم بدا له أن يترك تعليقه، فإن هذا التعليق يمين على أشهر الوجهين للأصحاب، بل أومأ إليه أحمد. وقد حكى عنه صريحا. فيكون تعليق الطلاق عنده كله يسمى يمينا، وحكمه حكم الطلاق، لا حكم الأيمان، فيلزم من قال بالشرط: أنه إذا أراد اليمين بالطلاق، فتلفظ بالطلاق، ثم قطع بقية كلامه: أنه لا تطلق امرأته بذلك، ولو وجد الشرط أن يقول ههنا فى التعليق بما يأتى: لا محالة كذلك. وهو فى غاية البعد. وقد استوفينا الكلام على هذا فى كتابنا المسمى «بالكشف والبيان عن مقاصد النذور والأيمان» وبالله التوفيق.