Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

شخصيته وأخلاقه:

أبو إسحاق الشيرازي - طبقات الفقهاء · page 13, entry [2]

طبقات الفقهاء — أبو إسحاق الشيرازي

page 13, entry [2]Open original source
شخصيته وأخلاقه: كان نحيفاً دقيق الجسم، ذكياً قوي الحافظة، دءوباً على الدرس والتحصيل، متقللاً قشفاً في مطعمه وملبسه، قانعاً بالسير صابراً على الفقر؛ حدث بعض أصحابه أنه لم يكن يملك من الدنيا شيئاً، وبلغ به الفقر أنه كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً قال: ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة فيقوم لنا نصف قومة ليس يعتدل قائماً من العري كي لا يظهر منه شيء؛ وقيل كان إذا بقي مدة لا يأكل شيئاً جاء إلى صديق له باقلاني فكان يثرد له رغيفاً ويثريه بماء الباقلاء، فربما أتاه وكان قد فرغ من بيع الباقلاء، فيقف أبو إسحاق ويقول: تلك إذاً كرة خاسرة، ويرجع. وحدث عن نفسه انه كان في أيام الطلب يشتهي ذلك النوع من الثريد بماء الباقلاء سنين، فلم يصح له لاشتغاله بالدرس ومسارعته إلى أن يكون في أول من يحضرون حلقة الشيخ؛ وكان مطرحاً للتكلف: سأله بعضهم أن يكتب له رأيه في مسألة، فمضى إلى دكان خباز فأخذ فلم الخباز ودواته وكتب الجواب في الحال ومسح القلم في ثوبه؛ وذهب يوماً إلى الديوان ومعه أبو نصر القشيري فأحس أبو نصر في كمه بثقل فقال: ما هذا يا سيدي؟ فقال: هذه قرصتي. وجمع إلى تقشفه وبساطته تورعاً شديداً أدى أحياناً إلى ما يشبه الوسواس: أخرج ذات يوم قرصين من بيته وقال لبعض أصحابه: وكلتك في أن تشتري لي الدبس والراشي بهذه القرصة على وجه القرصة الأخرى فمضى الرجل وشك بأي القرصين اشترى، فما أكل الشيخ ذلك وقال: لا أدري اشترى بالذي وكلته أم بالأخرى. ودخل مسجداً لتيغدى فنسي ديناراً كان معه ثم ذكره فرجع فوجده، قم قال لنفسه: لعله وقع من غيري، فتركه ولم يأخذه؛ وكان سليم النية سلس الانقياد، وبهذا وصفه نظام الملك - كما تقدم - وقال انه يصغي إلى كل ما ينقل إليه. ويبدو أن حالة الفقر ظلت غالبة عليه حتى تولى التدريس في النظامية وهذا ما عناه الشريف أبو جعفر حين قال له: " إلا أنك لما كنت فقيراً لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاء الأعوان.... أبديت ما كان مخفياً " وهذا قول قد يقال في لحظة غضب، ولا يدل على أن أبا إسحاق أصبح ميسور الحال، ولكنه أصبح ولا ريب أقدر من ذي قبل على صد الجوع والعري. غير أن الرجل لم يفارق تعففه، وفي رحلته في خراسان أبى أن ينزل عند أحد من أصحابه؛ ولهذه الأخلاق أحبه الناس، وزادهم حباً له تواضعه الشديد، وطلاقة وجهه وبشره الدائم وحسن مجالسته وملاحة مجاورته، فكان رغم الفقر والتقشف ذا دعابة لطيفة: زاره أحد الراحين إليه فرحب به وقال له: من أي بلاد أنت؟ فقال: من الموصل، فقال: أنت بلديي، فقال الموصلي: ولكن يا سيدي أنا من الموصل وأنت من فيروزاباد، فأجابه أبو إسحاق: يا ولدي، أما جمعتنا سفينة نوح؟ وكان يحلي مداعباته بإيراد الأشعار؛ داعب أبا طاهر خادمه في المدرسة النظامية ذات مرة بقوله: وشيخنا الشيخ أبو طاهر ... جمالنا في السر والظاهر وكان يحب تلامذته ويقول: من قرأ علي مسألة فهو ولدي. وبسبب ذلك الفقر لم يحاول أن يحج، وهذا وحده يدلنا على أن صلته بنظام الملك لم تغير كثيراً من حاله المادية، قال الماهاني: الشيخ أبو إسحاق ما كان له استطاعة الزاد والراحلة، ولكن لو أراد الحج لحملوه على الإحداق إلى مكة. أما في الفصاحة والقدرة على المناظرة فكان يضرب به المثل، ولهذا شهد له الكثيرون بالتفوق، فقد قال أبو بكر الشاشي: الشيخ الشيرازي حجة الله على أئمة العصر. وقال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق لو رآه الشافعي لتجمل به، وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق إما المؤمنين في الفقهاء؛ وهكذا كان في مجموع خصاله مثال العالم الذي يجمع بين العلم والعمل به، ولهذا كان مجمعاً عليه من أهل عصره علماً وديناً، رفيع الجاه بسبب ذلك، محبباً إلى غالب الخلق لا يقدر أحد أن يرميه بسوء لحسن سيرته وشهرتها عند الناس.
Parsing and provenance details
Local passage ID
868576
Book record
shamela-1031
Source record
962063
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain