page 3, entry [5]Open original source
تحقيق كتاب الفوات: لم يكن في نيتي أن أعيد النظر في هذا الكتاب لإيماني بأن التوفير على نشر ما يزال مطوياً من التراث أجدى من إعادة تحقيق ما قد نشر، وخاصة وأني كنت أجد المطبوعات وافية بالمطلولب (٣) ، حتى اطلعت على نسخة منه بخط المؤلف محفوظة بمكتبة أحمد الثالث (طوبقبو سراي) ، فوجدت لدى المقارنة أن المطبوعات صورة غير دقيقة من ((الفوات)) لعدة أسباب منها: (١) أن ترتيب التراجم فيها مضطرب - وخاصة في حرف الهمزة - ولذلك اختلط بعض التراجم معاً، وبتر بعضها من جراء هذا الاضطراب في الترتيب. (٢) أن معظم التراجم في المطبوعة يمثل صورة موجزة جداً، حذف منها الكثير مما قيده المؤلف من أخبار أو اختاره من أشعار. (٣) أن عشرات التراجم سقطت من المطبوعات. (٤) أن اللغة التي استعملها الكتبي في كتابه قد غيرت في كثير من المواطن لتصبح أقرب إلى الصحة وأخضعت لقواعد النحو، وأن بعض العبارات التركية والفارسية قد حذفت ووضع في مكانها عبارات عربية. (٥) أن بعض التراجم قد دست في الفوات منقولة حرفياً عن ابن خلكان مثل ترجمة السيدة نفيسة وابن الشجري والبديع الاصطرلابي وابن القطان وواصل بن عطاء ووثيمة بن الفرات (رقم ٤٧٣ - ٤٧٩ في طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد) ولا وجود لها في الأصل الذي ارتضاه المؤلف. لكل ذلك قمت بتحقيق جديد لهذا الكتاب، معتمداً على نسختين: (١) نسخة مكتبة أحمد الثالث باستانبول رقم ٢٩٢١ (ورمزت لها بالحرف ص لأنها أصل هام) ، وهي تقع في أربعة أجزاء، بخط المؤلف، إلا أن الجزء الثالث منها مفقود، وعدد أوراقها موزعة على الأجزاء الباقية كما يلي: الجزء الأول في ١٩٠ ورقة؛ الجزء الثاني في ١٨٩ ورقة؛ الجزء الرابع في ١٨٠ ورقة؛ وجاء في آخر الجزء الرابع: ((تم المجموع المسمى بفوات الوفيات والذيل عليها في العشر الأول من المحرم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة من الهجرة النبوية)) . والأجزاء الثلاثة الباقية كتبت كلها بخط واحد نسخي جميل واضح مشكول شكلاً جزيئاً، وفي الصفحة الواحدة ١٧ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١١ كلمة. وعلى الجزء الرابع تملكات مختلفة، من أقدمها: ((استوعب هذا المجلد المبارك مطالعة العبد الفقير إلى الله تعالى يحيى بن عجلان بن محمد الطائي المكي (١) ... في أحد شهور سنة ٨٨١)) . (٢) نسخة في مكتبة الصديق العلامة الأستاذ محمد زهير الشاويش (ورمزها: ر) وتقع في ١٤٠ ورقة، في الصفحة الواحدة منها ٢١ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وخطها نسخي واضح جميل مقارب كثيراً لخط النسخة السابقة، حتى ليمكن أن تعد النسختان لدى النظرة العجلى بخط ناسخ واحد. وهي نسخة قديمة أيضاً ولا بد، إذ جاء على الورقة الأولى منها أنها ((للخزانة العالية المولوية المخدومية الأميرية الكبيرية الناصرية ابن فضل الله، عمرها الله ببقائه آمين)) . وعلى الورقة نفسها أنها ((الجزء الثاني من كتاب الفوات)) ، ولكنها في شكلها الحالي مجموعة من الأوراق قد اضطرب ترتيبها واختل، بسقوط أوراق كثيرة في عدة مواطن منها؛ وتمثل التراجم الباقية منها جانباً من الجزء الثاني وجانباً من الجزء الثالث حسب قسمة النسخة (ص) . وقد كان لهذه النسخة قيمة كبيرة في التحقيق، وخاصة لأنها تسد مسد جانب من الجزء الثالث المفقود. ولما كان الجزء الثالث يتضمن عدداً كبيراً من تراجم المحمدين، فقد كان عرضه على الأجزاء الأربعة الأولى من كتاب الوافي المطبوع (وهي تضم تراجم المحمدين) وعلى مخطوطة عقود الجمان للزركشي (وهي صورة أخرى من الفوات مع اختلاف قليلة) مما ييسر الاطمئنان إلى النص، ولكني لا أستطيع أن أجزم إن كان الجزء الثالث المفقود يحتوي تراجم لم ترد في مطبوعات الفوات. وقد اتبعت في تحقيق هذا الكتاب منهجاً أحب توضيحه فيما يلي: (١) ذهبت إلى اعتبار الصفدي والزركشي صورتين مشابهتين أو ماربتين لهذا الكتاب فقارنته بهما مقارنة دقيقة، ثم عرضت كل ترجمة على المصادر الأخرى، وأثبت هذه المصادر مجتمعة في الحاشية؛ وقد تعمدت في الجزء الأول أن أذكر كتاب الصفدي اعتماداً على ((تجريد الوافي)) لأقدم نموذجاً يشير إلى مدى الاتفاق في التراجم بين الكتابين، ولكني لم أشر إلى الصفدي في الأجزاء التالية إلا إذا كانت الترجمة موجودة في الأجزاء المطبوعة منه. (٢) حرصت على إبقاء النص كما ورد في نسخة المؤلف، إلا حيث كان الخطأ اللغوي أو النحوي مما يمس رواية شعر قديم، أو يتصل بشخصٍ لم يعرف عنه التساهل في اللغة والنحو، فصوبت المتن، وأشرت إلى نص الأصل في الخاشية. أما ما كان أسلوباً حوارياً أو إخبارياً يمثل اللغة الدارجة في القرنين السابع والثامن - على وجه الخصوص - فقد أبقيته في المتن على حاله دوت تغيير. (٣) بينت في كل موضع أن كانت الترجمة مما لم يرد في المطبوعات، كما أشرت بشكل عام إلى ما حذف من بعض التراجم، ليتكون لدى القارئ صورة واضحة عن مدى العلاقة بين المطبوعات ونسخة المؤلف. (٤) حذفت التراجم الدخيلة التي وردت في المطبوعة. (٥) اقتصرت في الشرح على تفسير بعض الألفاظ الاصطلاحية، وبعض الغريب، ولم أحاول التوسع في الشرح والتخريج. هذا وأني أتقدم بجزيل الشكر إلى الصديق الأستاذ محمد زهير الشاويش الذي أعارني نسخته الأصلية من هذا الكتاب، وسمح لي باستخدامها في التحقيق وكل ما أرجوه أن تكون هذه المحاولة ذات نفع في خدمة العلم، والله الموفق. بيروت في (أيلول) سبتمبر ١٩٧٣. إحسان عباس ﷽