page 2533, entry [4081]Open original source
٣٢٤٤ - [ابن البانة العنسي] (٤) محمد بن سالم بن علي العنسي-بنون ساكنة بين مهملتين-المعروف بابن البانة. تفقه بالفقيه عمر بن مسعود الأبيني، وبالوزيري، وأخذ عن المقدسي، وكان فقيها عارفا، مجودا حافظا. يحكى أنه دخل يوما على الأشرف وعنده شيء من التحف فقال له: يا فقيه؛ ليس مع الفقهاء شيء من هذا؟ فقال: عندهم ما قال الشاعر: [من الكامل] شيئان أحسن من عناق الخرّد ... وألذّ من شرب القراح الأسودوأجل من رتب الملوك عليهم ... ثوب الحرير مطرز بالعسجد سود الدفاتر أن أكون نديمها ... طول النهار وبرد ظل المسجد فقال له الأشرف: نعم ما حفظت. كان يجتمع بالمقدسي كثيرا، ويتذاكران في علم الكلام بما لا تحتمله أفهام العوام، حتى نسبا إلى الزندقة والكفر، وشهد عليهما الفقيه أحمد بن الصفي أنهما ينكران صدق القرآن ويقولان: ليس هو كلام الله، فاجتمع الفقهاء إلى رأس المفتين يومئذ بتعز وهو أبو بكر بن آدم الزيلعي، وتشاوروا في أمرهما، فاتفق رأي الفقهاء على أن تصلى الجمعة بجامع المغربة، فإذا خرج ابن البانة والمقدسي .. قتلناهما، وأرحنا منهما الإسلام والمسلمين، فسمع ابن البانة بما تمالأ عليه الفقهاء، فتقدم إلى المقدسي، وعرفه الأمر وحذره، وأمره بالتقدم إلى الواثق والالتزام به، وهو إذ ذاك نائب عن أبيه المظفر بتعز، ثم سار ابن البانة مبادرا من تعز إلى زبيد، فلما كان يوم الجمعة .. طلع الفقيه أبو بكر بن آدم من ذي عدينة إلى جامع المغربة، واجتمع إليه الفقهاء للأمر الذي قد بيتوه، فلما حان وقت الصلاة .. دخل المقدسي ومعه جماعة من خدم الواثق يحرسونه بالسلاح، فلم يتم للفقهاء ما أرادوه منه. ولما وصل ابن البانة إلى زبيد .. قصد الأشرف بن المظفر لمعرفة كانت بينهما وجوار، وكتب قصة يشكو فيها من فعل الفقهاء معه، فلما وقف المظفر على القصة .. شق عليه الأمر، وخشي مسارعة الفقهاء إلى شقاق يصعب علاجه، فكتب إليهم: أظلمتم الضياء، وخبطتم في عشواء، فاقتصروا عن هذه الأهواء، واشتغلوا بالنصوص؛ فإنك يا بن آدم- أعني المتفقهة وأمثالك ممن هو في تلك الجهة-لم تحط علما بما هو في كتابه تعالى، ولو بهت أحدكم وسئل عن مسألة على قولين .. لم يكن في قدرته الجواب عنها حتى يكشف ويطالع، فإذا كان بغيتكم ما أفنيتم فيه أعماركم .. فكيف تخرجون إلى أهوية تقيمون لها أمثالا بظاهر ألفاظكم مما يستدل بها على أهويتكم، فاعتمدوا على الكتاب والسنة والصحيح من حديث رسول الله ﷺ، واتركوا التمسك بالموضوعات عن النبي ﷺ، فلهذا علماء يوردون ويصدرون، ولستم من ذلك النمط في شيء، فالحذر الحذر كل الحذر، ومن حذّر فقد أنذر، فإن اقتصرتم، وإلا .. قصركم السيف عن طول اللسان؛ فإنما قصدكم التلبيس على العوام بقيل وقال.ثم أرسل به إلى والي حصن تعز، وأمره أن يأمر الخطيب بقراءته على المنبر يوم الجمعة بحضرة الفقهاء وغيرهم، ففعل ذلك، فتفرق الفقهاء من ذلك، وتفرقوا في البلاد، وأقام أعيانهم بتعز مهاجرين للمقدسي وابن البانة، ولم يزل ابن البانة ملتصقا بالأشرف، ثم تلطف ودخل على القاضي البهاء محمد بن أسعد العمراني وهو يومئذ قاضي الأقضية مع الوزارة، فحلف له أنه ما تغير عن معتقد أهل السنة، وأراه كتابا صنفه يدل على رجوعه، فقبل منه بعض القبول، وأكثر الفقهاء لم يصدقه على ذلك. فلم يزل على تلك الحال إلى أن توفي ليلة عيد الفطر من سنة سبع وسبعين وست مائة. قال الجندي: (وأخبرني الثقة قال: كنت كثيرا ما أرى الفقيه أحمد بن الصفي إذا زار القبور ومر بقبر ابن البانة .. عرج عنه، ثم رأيته مرة قاعدا عنده كاشفا رأسه، فسألته عن السبب، فقال: رأيته البارحة على حالة حسنة وعنده كتب كثيرة حوله، فقال لشخص عنده: هات الكتاب الفلاني للفقيه؛ ليزول عن قلبه ما يجده، فقلت: يا سيدي؛ أنت صادق، ثم اعتنقته واعتنقني، وزال ما في باطني، وعزمت على زيارته) اه (١) وأما المقدسي .. فلم يزل مقيما بتعز على جوار من الواثق بن المظفر مدة يسيرة بعد ذلك، ومرض مرضا شديدا، وتوفي والفقهاء مهاجرون له، فلم يحضر دفنه غير نفر يسير من عوام الناس. وكان فقيها عارفا، أصوليا منطقيا، قدم تعز، ودرس في المدرسة العليا المعروفة بمغربة تعز بمدرسة أم السلطان.